تهريب ونهب ونفط مسروق مصادر تمويل "داعش"

الجمعة 2014/08/01
داعش يقوم بتصفية النفط في مصاف غير مهيأة بالاعتماد على عمليات بدائية

لندن – عمد تنظيم داعش، منذ دخوله إلى سوريا، إلى وضع يده على قطاعات حيوية توفر له الأموال والمداخيل، وقد مثّل النفط أهمّ هذه المصادر وأخطرها، وفق الباحث فالري مرسال الذي يشير في دراسة صدرت عن المركز الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية التهديد الأخطر الذي يشكّله تنظيم “داعش” يكمن أساسا في بحثه، على خلاف التنظيمات المشابهة الأخرى، عن تمويل ذاتي قارّ يتيح له التواصل والاستمرارية.

تتحول السوق السوداء للنفط إلى مشكل خطير في سوريا والعراق إذ يركز تنظيم داعش على الوصول إلى المرافق النفطية كهدف رئيس له. وبالحصول على هذا المصدر للتمويل يصبح من الصعب تفكيك هذه المجموعة.

ويشير الباحث فالري مرسال، في دراسة صدرت عن مركز (روسي)، إلى أن تنظيم داعش يمكنه تمويل نشاطاته إلى حد كبير عن طريق الإيرادات المتحصل عليها من حقول النفط المستولى عليها في سوريا والعراق. وعلى الرغم من أن كميات من النفط المباعة خارج السوق القانونية تمثل قطرة من بحر، فهي كبيرة بما يكفي لتحدث تأثيرا في مسار التنظيم. وتحذّر الدراسة البريطانية من فشل القوى الإقليمية والدولية من استرجاع حقول النفط السورية والعراقية من سيطرة “داعش”، وأيضا تفكيك عمليات التهريب على المستوى الإقليمي، الأمر الذي سيجعل التنظيم الجهادي الدموي يزداد قوة.


«داعش» يسيطر على النفط السوري


حسب تقديرات قام بها المرصد السوري لحقوق الإنسان، يبلغ إجمالي الإنتاج السوري الواقع تحت أيدي المعارضة المسلحة والجهاديين والعشائر والعائلات المحلية 60 ألف برميل في اليوم تقريبا. ويسيطر تنظيم “داعش” على أكثر من 60 بالمئة من النفط السوري، حسب تقديرات حكومة المعارضة السورية المؤقتة.

وتوصف طرق إنتاج “داعش” للنفط بأنها بدائية، بمعنى أنّ عناصر هذا التنظيم لا يستخرجون النفط الخام بنسب تقارب النسب القصوى؛ مثلا الحقل السوري الأكبر(حقل العمر)، هو حقل ناضج يتطلب حقن المياه من أجل تحسين المردود. وتمكن تنظيم “داعش” من إنتاج حوالي 20 ألف برميل من هذا الحقل من قدرة قصوى تصل إلى 75 ألف برميل في اليوم، وذلك حسب تقديرات وحدة استخبارات اقتصادية.

بالاعتماد على عمليات خشنة وخطيرة يقوم تنظيم “داعش” بتصفية بعض الإنتاج في مصاف مُقلدة، ويقال إنه يبيع المنتوجات إلى المستهلكين المحليين (لتوليد الكهرباء بكميات صغيرة)، وإلى النظام السوري (مقابل الحصانة من الضربات الجوية) وكذلك إلى تجار السوق السوداء. كما يصدر النفط الخام من “حقل العمر”إلى تركيا في شاحنات صهاريج على ملكها. ويذكر بعضهم أنّ بعض طوابير شاحنات الصهاريج تمتد على مسافة كيلومترين. ويقدر ثمن البيع للبرميل الواحد بين 10 و22 دولارا عندما يباع عبر “مركز المنبج التجاري”، لكنه يجلب مبالغ أكبر عندما ينقل إلى تركيا مباشرة. وتقول السلطات التركية إنّ العملية تتم عبر مد أنابيب بلاستيكية تعبر الحدود إلى تركيا.

425 مليون دولار أميركي نهبها رجال داعش من فرع البنك المركزي العراقي بالموصل


معركة «بيجي» في العراق


لا تقارن سيطرة “داعش” على المرافق النفطية في العراق بمثيلتها في سوريا، فالقوات العراقية لا تزال تقاتل من أجل التمسك بمصفاة “بيجي” النفطية الاستراتيجية، لكن التنظيم الجهادي استولى مؤخرا على حقلين من النفط جنوب كركوك وهما “عجيل” و”حمرين-2″.

ويقوم المهندسون في شبكة “داعش”بتسيير العمليات في هذين الحقلين، لكن هناك شكوكا حول امتلاك المجموعة للقدرات التقنية اللازمة لتسيير عمليات أكبر أو أكثر تعقيدا. ومع ذلك تتراكم المداخيل من هذين الحقلين. ويفسرجلال عبدول، المسؤول الاداري في مدينة طوز خرماتو، بالقول: “يشحنون في المتوسط مئة شاحنة صهريج في اليوم ويبيعونها بثمن يتراوح بين عشرة وأربعة عشر ألف دولار”. وهذا يجعل ثمن بيع البرميل الواحد في حدود 62 دولارا.

يوفر تهريب النفط الخام من الحقلين لـ”داعش” من مليون إلى مليون وأربعمئة ألف دولار. وقد أكّد تحقيق في موضوع التهريب، قام به تقرير النفط العراقي، أنّ تنظيم”داعش” كان ينتج قرابة عشرين ألف برميل يوميا من حقل “عجيل” وتمكن من بيع البرميل الواحد بمبلغ 55 دولارا. وفي حين كان التنظيم في البداية يبيع حمولة الصهاريج إلى وسطاء بقرابة 26 دولارا للبرميل، استغنى بعد ذلك على الوسطاء ورفع في التسعيرة. كما يتم التزوّد بالنفط من مكان آخر أيضا، إذ تسمح بذلك البنية التحتية النفطية في البلاد التي تعوزها الحماية الجيدة من النهب.


من يشتري النفط


هناك جدل كبير حول من يشتري النفط المسروق إذ تتهم المعارضة الحكومة والعكس صحيح. ويبدو أن تنظيم “داعش” يبيع من خلال عصابة من الوسطاء الذين ينقلون النفط في شاحنات إلى مصافي في كردستان العراق وتركيا وإيران. وتمر كميات النفط الخام العراقي عبر الوسطاء أكثر ممّا هو عليه الحال في سوريا. كما تستعمل “داعش” مصافي مرتجلة ممّا يمكّنها من بيع المنتوجات محليا وبسهولة أكبر.

من يشتري النفط من داعش
المستهلكون المحليون

النظام السوري (مقابل الحصانة من الضربات الجوية)

يصدر النفط الخام إلى تركيا وتجار السوق السوداء

تستعمل “داعش” مداخيل مبيعات النفط لشراء الأسلحة ودفع رواتب عناصرها، لكنّها تستعمل هذه المداخيل أيضا لتوفير الخدمات العامة والمواد الغذائية في المناطق الّتي توجد تحت سيطرتها. هناك أيضا تقارير حول بيع “داعش” لمنتوجات بأثمان منخفضة للسكان المحليين لكي تجلب المساندين لها. لكن يبدو أن إدارة الموصل، وهي مدينة تضمّ قرابة مليوني ساكن، تستنزف الأموال والقدرات المتاحة، إذ تحدّث بعض المقيمين عن انقطاع في الكهرباء ونقص في المياه وانخفاض في كميات الوقود المتوفرة.

إذا كان التنظيم الجهادي قد دخل في لعبة “تساوي المكسب والخسارة” مع بغداد، فيبدو أنه حقق هدفه، إذ بالفعل تقوم “داعش” بحرمان الحكومتين المركزيّتين في العراق وسوريا من جزء من مداخيل النفط، وهذا يضعف قدرة الحكومتين على توفير الخدمات العامة ودفع الرواتب وتنفيذ المشاريع العامة.

يخلص الباحث فالري مرسال إلى أنقدرة “داعش” على توفير التمويلات الذاتية لسياستها التوسعية تعني أنّ المجموعة قد لا تحتاج لاستجداء الرعاة الأجانب من أجل الأموال أو المساندة. ومن ثم يمثل تمكّن “داعش” من السوق السوداء للنفط، خطرا أكبر بالنسبة إلى الوسطاء من القوى الإقليمية، الذين يصبحون عاجزين عن التحكم فيها عبر سياسة التمويلات. ونظرا لعجز تركيا وحكومة إقليم كردستان وإيران (هذا فضلا عن حكومتي الأسد والمالكي) عن وقف تهريب النفط، سيسمح ذلك للشبكة غير المشروعة بالنمو ممّا يقوّض سيطرة الشركات الوطنية البترولية في المنطقة الّتي امتدت طيلة عقود من الزمن على عمليات التوزيع والتصدير، هذا فضلا عن صادرات حكومة كردستان التي تقوم بها لحسابها الخاص. ويمكن أن يساهم استيلاء “داعش” على حقول النفط العراقية في حشد المساندة من قبل السلطات المحلية الّتي ترغب في السيطرة على إدارة الحقول والمعدات النفطية المحلية، وهذا من شأنه أن يزيد من كسر وحدة الدولة العراقية. وكلما تنامت سوق النفط السوداء وضعف تحكم الحكومات المركزية في هذا القطاع يصبح من الصعب أكثر عكسُ هذه الاتجاهات.


التنظيم الأغنى في العالم


تمكن تنظيم “داعش” من بناء اقتصاد ضخم وتكوين احتياطي نقدي هائل خلال سنوات قليلة من قتاله للنظام السوري، وذلك بفضل أعمال النهب والخطف التي يقوم بها، وبفضل حقول النفط السورية والعراقية التي هيمن على عدد كبير منها وبدأ ببيع النفط تهريبا في السوق السوداء عبر تجار الحرب الذين ينتعشون في المنطقة حاليا. وتمكن مقاتلو “داعش” من نهب 425 مليون دولار أميركي من فرع البنك المركزي العراقي بمدينة الموصل التي دخلوها مؤخرا، ودارت فيها معارك طاحنة بينهم وبين الجيش العراقي.

ويجمع العديد من الخبراء والمحللين على أن الأموال التي تمكنت “داعش” من نهبها من العراق خلال أسبوعين من المعارك، كافية وحدها لجعل التنظيم؛ المجموعة المسلحة الأغنى والأكثر ثراء في العالم، حيث لم يسبق أن تمكن تنظيم القاعدة أو أي من المجموعات التابعة له من تنفيذ عملية نهب بحجم تلك التي تمت في مدينة الموصل.

وللحدّ من التغول “الداعشي”، وكإجراء ردعي مستعجل يمكن أن يسهم في تضييق الخناق على هذا التنظيم، صادق مجلس الأمن على مبادرة روسية تقضي بحظر تجارة النفط مع جماعات متشددة في العراق وسوريا، وذلك في محاولة لمواجهة نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والتنظيمات المسلحة الأخرى، التي باتت تسيطر على أجزاء واسعة من منابع وخطوط إمداد النفط في العراق وسوريا. وقد جاءت دعوة المجلس مصادقةً على المبادرة التي تقدّمت بها روسيا في يونيو الماضي، والتي تطالب بحظر تجارة النفط مع هذه الجماعات المحظورة.

وحذر المجلس في بيان مشترك أيّة جهة يتم ضبطها وهي تتعامل مع جماعات، مثل تنظيم “داعش” وجبهة النصرة نفطيا، متوعداً بتوجيه عقوبات شديدة، إذ يخشى من أن توفّر السيطرة على المنشآت النفطية من قبل هذه الجماعات مصدراً للدخل، من شأنه أن يدعم نفوذها ويزيد من قوتها وقدرتها على تجنيد مزيد من المقاتلين.

وفي ذات السياق، حمل بيان مجلس الأمن تحذيرات صريحة، مشددا على أنه يراقب بقلق حقول نفط ومنشآت نفطية تسيطر عليها منظمات وصفها بالإرهابية. وأكد أنّ أي تجارة نفطية مع تنظيم “داعش” أو جبهة النصرة تمثل انتهاكا لعقوبات الأمم المتحدة، خصوصا بعد إدراج هاتين الجماعتين على القائمة السوداء.غير أنّ هذه الإجراءات تبقى عاجزة على أرض الواقع أمام التغول المتنامي لتنظيم “داعش” ويده الطولى التي بدأت تكبر يوما بعد يوم في سوق النفط السوداء.

7