تهمة "الإساءة للأمن القومي" تشرّع لانتهاك حرية الصحافة في لبنان

منظمات حقوقية تؤكد أن محاسبة الصحافيين تتم وفق تقلبات ميزان القوى السياسية وهي تهدف إلى الترهيب والإخضاع وقمع الحريات بطرق وأساليب مختلفة.
الأربعاء 2020/05/20
العبارات المطاطة تفتح باب التأويل

انتقدت منظمات ومؤسسات حقوقية لبنانية ملاحقة الصحافيين تحت ذريعة “الإساءة إلى الأمن القومي والمس بالكرامات”، بطريقة انتقائية وكيدية، أمام الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية غير المختصة، وتعرضهم للاستدعاء والتوقيف أحيانا بسبب تغريدة.

بيروت – توجهت منظمات حقوقية مختصة بالدفاع عن حرية الصحافة والصحافيين وحرية الرأي والتعبير، برسالة مفتوحة إلى وزيرة الإعلام اللبنانية، منال عبدالصمد، حول خطتها لمشروع قانون جديد للإعلام، التي اعتبرها ناشطون أنها ملتبسة بمسألة محاسبة الصحافيين والإعلاميين.

وأصدرت مؤسسات وجمعيات حقوقية، وهي مؤسسة سمير قصير – مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية “سكايز”، ومؤسسة مهارات، ومؤسسة أديان، ومنظمة إعلام للسلام “ماب”، ومنظمة ألف – تحرّك من أجل حقوق الإنسان، بيانا مشتركا اعتبر أن مصطلح الأمن القومي يندرج ضمن العبارات المطاطة.

وأضاف البيان أن المؤسسات والمنظمات يهمها أن تضيء في هذا الإطار على أمور أساسية ومفصلية، تطال حياة الإعلاميّين وجوهر عملهم، ركّزت عليها الوزيرة، ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام.

وجاء فيه “لقد استحضرت الوزيرة عبدالصمد في كلامها ”المعروفة ” التي أصبحت شمّاعة في عالم السلطة بشكل عام عند التطرّق إلى مسألة محاسبة الصحافيّين والإعلاميّين، ألا وهي “الإساءة إلى الأمن القومي والمسّ بالكرامات”. فشدّدت على المحافظة على حقوق الإعلامي من خلال شقين “الأول ضمان ممارسته لعمله بحرية مع الأخذ في الاعتبار عدم التسبّب بالإساءة إلى الأمن القومي أو المسّ بالكرامات، والثاني المالي بتقديم الحوافز له وللوسائل الإعلامية للنهوض بالعمل”.

ويلفت البيان الانتباه إلى مسألة من الذي يُحدّد إطار العبارات “المطّاطة” عن الأمن القومي المنشود والمقصود، وضمن أي اعتبارات؟ فهل كشْف تجاوزات مسؤول رفيع وارتكابات أحزاب قابعة في السلطة مثلا يندرج تحت خانة المس بالكرامات؟

صحافيون لبنانيون يعتبرون أن نقابة المحرّرين غير فاعلة، ويبحثون عن بديل نقابي حقيقيّ يحميهم

وتساءلت المنظمات عن أسباب ملاحقة الصحافيين والناشطين والفنانين وغيرهم من المواطنين، بطريقة انتقائية وكيدية، أمام الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية غير المختصة، وتعرضهم للاستدعاء والملاحقة والتوقيف بسبب تغريدة”.

وأشارت إلى أنّ المحاسبة على أساس الإساءة إلى كرامة الأشخاص تحت مبرر القدح والذم والتشهير كانت تعالج “وفق تقلبات ميزان القوى السياسية”، معتبرة أنها “سياسة تهدف إلى الترهيب والإخضاع وقمع الحريات بطرق وأساليب مختلفة”.

وطالت الانتقادات أيضا نقابة محرّري الصحافة التي ضمت 400 منتسب جديد إليها في الفترة الأخيرة دون معايير واضحة، في حين أن المئات من الصحافيّين لا يجدون سبيلا للانتساب منذ سنين طويلة إضافة إلى المئات من الذين يزاولون المهنة وكذلك الخرّيجين الذين يحق لهم الانتساب إلى نقابتهم.

ويعتبر العديد من الصحافيين اللبنانيين أن نقابة المحرّرين غير فاعلة، لذلك لا يكترثون أصلا بالانتساب إليها، ويبحثون عن “بديل” نقابي حقيقيّ يحميهم.

وطرحوا تصوّرات بديلة بين الضغط من داخل النقابة الحاليّة وتكثيف الانتساب إليها بهدف “استردادها”، أو تشكيل جسم نقابي جديد يضمّ أيضا العاملين في المواقع الإلكترونية والإعلام المرئي والمسموع، وغيرها من الوظائف المستحدثة في الإعلام وهو التحدّي الأكبر في ظلّ “حصريّة” القانون حيال ترخيص النقابات.

تحذيرات من إحكام قبضة الإخضاع والقمع
تحذيرات من إحكام قبضة الإخضاع والقمع

وبدأ في نوفمبر الماضي، حراك إعلامي لتشكيل نقابة للصحافيين بديلة عن نقابتي الصحافة والمحررين القائمتين، وقال الصحافيون المشاركون فيه “نريد نقابة الصحافة أن تكون موقعا للدفاع عن المهنة ضد كل اعتداء، سواء أكان من السلطة، أو أصحاب العمل، أو أجهزة الأمن. نريد نقابة تشكّل سدّا منيعا أمام هؤلاء، لا صندوق بريد للمتمولين والسياسيين، حكّام الداخل والخارج، المقتنعين بهم والمروجين لهم”.

وانتشرت عريضة إلكترونية في مواقع التواصل تطالب بإنشاء نقابة بديلة، وبدأ يوقعها الصحافيون، ويريدونها “تتسع لخلافات الصحافيين إن بالرأي السياسي أو سواه، بحيث تنتج حياة صحافية لا وفاة سريرية كالذي تعانيه النقابتان منذ عقود”.

لكن تفعيل هذه النقابة البديلة يحتاج إلى وقت طويل، في حين أن لبنان يعاني من أزمات متعددة خانقة ما يصعب من إمكانية خروجها إلى النور بطريقة حقيقية.

واختتمت المنظمات رسالتها إلى الوزيرة عبدالصمد بالقول، إن الفرصة لا تزال سانحة للعودة عن تصريحاتها الخطيرة، ولمجلس النواب إقرار اقتراح قانون الإعلام بصيغة متفق عليها مع الجسم الإعلامي المستقل ومع الهيئات المدافعة عن حرية التعبير وتطوير الإعلام. أما تفويت هذه الفرصة، فلن نقرأه سوى رسالة تؤكد المنحى القمعي والتعسّفي في إدارة البلاد، لتصل فيها الحريات إلى الحضيض الذي آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

18