"تهمة السحر" من أهم دوافع الطلاق في الجزائر

إلى وقت قريب، كان الحديث عن الجن والسحر والرقية في الجزائر “خاصا جدا” لا يدور إلا بين أفراد -بل نساء- العائلة الواحدة، وكانت المرأة العادية، لجهلها، لا تفرق بين راق ومشعوذ ودجال ونصاب، لكن المهم أن يخلصها ممّن تكره ويقرّب إليها من تحب، وكان المجتمع بأكمله أيضا يضع كل من يستعمل الجن -بغض النظر عن الغرض- في كفة واحدة، كفة “الشعوذة” التي كانت من الطابوهات.
الاثنين 2016/05/23
الرقاة ينافسون الأطباء في الجزائر

الجزائر- كانت المرأة التي يُكتشف أنها تقصد راقيا أو مشعوذا في الجزائر تنعت بـ”السحّارة” (الساحرة)، والكل يتجنّبها أو يحاول كسب ودّها خشية من الأذية، لكن الوضع تغير في السنوات الأخيرة كليا، وأصبح الجزائريون يقصدون الرقاة أكثر من الأطباء، حاملين هاجسا واحدا “أنا مسحور”، فيؤكد لهم أغلب الرقاة توجّساتهم ويضيفون إليها “أنت مسحور والجن يحرس السحر بداخلك”.

وأثار الشيخ محمد الغزالي في نهاية ثمانينات القرن الماضي امتعاض الجزائريين الذي كان في ضيافتهم وكان يقدم حديثا دينيّا أسبوعيا (حديث الاثنين) على قناتهم التلفزيونية، الوحيدة آنذاك، حين وصف أحد مواطنيهم بالأحمق لأنه قال له إن جنّا يسكنه، وقال “أجبت ذلك الجزائري الأحمق لماذا لا تسكن أنت الجني؟”، نافيا قطعيا أن يسكن الجن الإنس. وفي المقابل وفي ذات الفترة الزمنية، وحتى قبلها، ومنذ الأزل كان المشايخ وحفظة القرآن يعقدون جلسات “خاصة” لإخراج الجن من الإنس، اعتمادا على قراءة القرآن لا غير، وتنتهي “القصة” بخروج الجني أو رفضه الانصياع وإعلان المشايخ الرقاة عجزهم.

قصص أقرب إلى الخيال، كانت حتى روايتها تخيف الراوي والمستمعين معا، أما اليوم فأصبح الجن في كل جزئية من حياة الجزائريين الذين غيروا وجهتهم من الأطباء وعياداتهم إلى الرقاة و”أوكارهم”.

ويقشعر بدنك ما إن تطأ قدمك المكان، كل “عيادات” الرقاة ممتلئة عن آخرها، وبعد أن كانت “حكرا” على النساء “الجاهلات”، أصبحت تعج بالرجال والنساء من كل المستويات والطبقات، ولكلّ هدفه، فهذه تبحث عن زوج وتلك تريد أن تُبعد امرأة ثانية أو الحماة عن زوجها، وهذا يريد منصبا، وذاك يريد مالا، ومن الرجال أيضا من يتجه إلى الرقاة من أجل أن “يجلب” امرأة تعجبه، ومن الرقاة من “يزوره” حتى كبار القوم من إطارات في الدولة ووزراء. وقد شاع عن وزيرة سابقة أنها ضبطت وهي تمارس طقوس شعوذة في إحدى المقابر غرب العاصمة الجزائر، وهي القضية التي تم لفها حتى لا ينكشف أمر الوزيرة التي يؤكد من اشتغل معها أنها كانت تسارع إلى ممارسة طقوس السحر في مبنى الوزارة كلما اقترب تعديل حكومي، ويبدو أنها “نجحت”، إذ أنها عمّرت في المنصب طويلا.

الجزائريون يقصدون الرقاة أكثر من الأطباء، حاملين هاجسا واحدا "أنا مسحور"

وأغلب من تحدثنا إليهم من قاصدي المشعوذين أو الرقاة خرجوا من عندهم مقتنعين بأنهم “مسكونون” بجنيّ أو أكثر، أحدهم تحدث لنا مندهشا -وهو الملتزم دينيّا- كيف أن الراقي أعلمه أن سحرا أصابه عن طريق “طبخة” أكلها لدى أحد أقاربه رفض تحديده له، مدّعيا أن الجن أعلمه بهويته، وأعلمه أيضا بأنه وضع له للتفريق بينه وبين زوجته، وبعد أن نوّمه جزئيا أخرج منه أربعة من الجن من ديانات مختلفة، مسيحي، يهودي، ملحد ومسلم، هذا الأخير ساعده على إخراج اليهودي بأن شرعت يده اليمنى في ضرب يده اليسرى، وألح على الراقي أن يحرق اليهودي بآيات قرآنية معيّنة، فخرج اليهودي وتبعه المسلم. الشاب الذي توجه إلى الراقي بعد أن مرض ابنه الصغير فجأة، وقيل له إن عينا أصابته، اقتنع بأنه شفي تماما، وصار ينصح كل من يشعر بألم أيا كان أن يتجنب الأطباء ويتوجه إلى الرقاة لأنهم “إن لم ينفعوا لن يضروا”.

وذات الشاب روى لنا كيف “شخّص” له الراقي مرضه وقال له إن السحر الذي أكله عند أحد أقاربه كان يحضره هؤلاء “الجن” الذين أخرجهم منه، وسلمه ماء مرقيا وشرابا من أصل نباتي، وجزم له بأنه حين يتقيأ سيخرج ما أكله والأدهى أن الشاب ذهب إلى البيت وشرب ما سلمه له وتقيأ ثلاث مرات، وآخرها قال لنا إنه كان من ضمن ما أخرجه من جسمه شيء يشبه بيض الثعبان.

وتقول شابة رافقت والدتها إلى راق وسط العاصمة، كيف أنه أخرج جنيّا وسحرا يحرسه من جسد امرأة، تحدث الجني على لسانها بحضور الشابة وأمها، وقال للراقي إنه كان يشككها في كل شيء وفي كل ما من حولها في الأكل، في الصلاة، في الوضوء، في زوجها، في حماتها، في زملائها وفي العمل.. فكاد الوسواس يقتلها، بسبب سحر وضع لها في غرفة نومها، وكانت في كل مرة تحاول التوجه إلى راق إلا ويضع لها الجني عوائق، لكن في ذلك اليوم “غافلته” باعترافه (الجني)، إذ قال للراقي على لسانها “لقد خدعتني..”، ولما أنهى الراقي “مهمته” سألها -وقد استعادت وعيها- فأكدت له كل ما قاله لها الجني من وساوس كادت تخرب لها حياتها، أما عن كونها خدعته، فقالت إنها لم تكن تنوي زيارة الراقي، بل لم تكن تعرف أنه موجود في المكان الذي كانت مارة منه لما كلمتها صديقة لها عبر الهاتف وسألتها عن المكان المتواجدة فيه -وكانت تعلم بحالتها ومعاناتها من الوسواس القهري- فأعلمتها بوجود راق قريب، فلم تدع الوقت الكافي للجنيّ الذي يسكنها بأن يعيق توجهها إليه، ودخلت “عيادة الراقي” على حين غفلة من الجنيّ وكان ما كان.

الجن في الجزائر أصبح لا يخرج من أجساد الجزائريين إلا ليسكن فضائيات تصب الزيت على النار

وعندما يفرغ الرقاة من “مهمة” تنقية جسم المسحور أو المسكون (أو كليهما معا) من السحر ومن الجني أو “الجنون”، يستعيد المريض وعيه، ويدفعه فضوله وربما غضبه إلى طرح وابل من الأسئلة على الراقي “ما نوع السحر، كيف أكلته أو متى وأين مررت عليه؟”، والأهم “من الذي وضعه لي؟”، وهنا يحجم الرقاة الحقيقيون عن إعلام المعني بمصدر السحر، -إن كانوا يعرفونه-، مع أن معرفته له لا تحمل إلا تفسيرا واحدا هو أنهم هم أيضا يستخدمون الجن ليأتوهم بالأخبار، بينما هناك من “الرقاة” الجدد من لا يتوانى عن “إفشاء” اسم من أعلمه الجني الذي يستخدمه به، أو أنه يضرب خبط عشواء بناء على ما يكون قد رواه له المريض، فيخرج هذا الأخير من عند الراقي، معلنا الحرب على من “سحره”، ولكم أن تتصوروا الوضع إن كانت “المتهمة” الزوجة. إذ يعترف العديد من المحامين تحدثنا إليهم بأن “تهمة السحر” باتت من بين أهم دوافع الطلاق الذي تضاعفت حالاته في السنوات الأخيرة في الجزائر.

ومنذ فتح المجال السمعي البصري في الجزائر وفقا لقانون الإعلام لعام 2012، ظهرت فجأة قنوات فضائية محتوياتها غريبة غرابة “الشيوخ” الذين تستضيفهم باستمرار لدرجة الملل، كل واحد منهم يدلي بدلوه وتصب أغلب “أحاديثهم” في إناء واحد “السحر والرقية للوقاية منه”، وأصبح الجمهور الجزائري يتابع “مسلسلات” لا تنتهي حلقاتها بل تزداد غرابة لجلب جمهور أكبر و”الفوز″ بأعلى نسبة مشاهدة، دون أدنى اعتبار لأخلاقيات المهنة الصحافية ولا لعرف المجتمع الجزائري.

وأصبح الجن في الجزائر لا يخرج من أجساد الجزائريين إلا ليسكن فضائيات تصب الزيت على النار، فتجد ما تبثه ليلا، حديث العام والخاص في صباح اليوم الموالي.

21