تهميش آثم لقدس تستغيث

السبت 2014/11/15

مع انشغال العالم بالقضاء على الإرهاب المتمثل في “الدولة الاسلامية في العراق والشام” تراجع الصراع العربي الإسرائيلي عن واجهة الصراعات في المنطقة، وتحولت القدس من جوهر القضية الفلسطينية والعنوان الأساسي للصراع العربي الصهيوني، إلى حدث ثانوي بامتياز.

للقدس أهمية تاريخية بسبب مكانتها الدينية في الأديان السماوية، فالقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين ومهد السيد المسيح، ولها أهميتها الاستثنائية في المشروع الصهيوني الذي اعتبر انتصار 1967 هو نصر ديني بامتياز. فما يحصل اليوم في القدس، من هجمة استيطانية عنيفة هو جزء لا يتجزأ من مسيرة الاحتلال الصهيوني ومحاولاته المستمرة لتهويد الجغرافيا والتاريخ وتزوير هوية القدس بمختلف الوسائل، وإعلانها عاصمة يهودية موحدة للكيان الصهيوني العنصري المصطنع في فلسطين.

تتعرض القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها الأقصى، لهجمة شرسة مرتكزة على مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي ورد ذكرها في الأساطير التلمودية اليهودية المزعومة لبناء ما يسمى هيكل سليمان الثالث أو بيت “حاميقداش” أو هيخال وتعني مسكن الإله.

حسب الزعم اليهودي قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل بيت المقدس- والذي يوجد فوقه المسجد الأقصى وقبة الصخرة- هذا البناء الذي يعتبر أحد الشروط لعودة المسيح المنتظر، حسب سفر الملوك عندما كان سليمان يبني الهيكل (هذا البيت الذي أنت بانيه، إن سلكت في فرائضي.. وحفظت كل وصاياي للسلوك بها، فإني أقيم معك... وأسكن في وسط بني إسرائيل ولا أترك شعبي إسرائيل).

ولتحقيق هذه الأهداف العنصرية الصهيونية، بعد انتقال الاحتلال من المرحلة التمهيدية وبناء البنى التحتية، إلى التمدد الأفقي على حساب جغرافية المدينة عبر الاستيلاء على الأراضي أو شرائها وازدياد الهجمات على الأقصى والتقسيم الزمني والمكاني للأقصى بين اليهود والمسلمين، والحد من تواجد العرب عبر عدم السماح بالدخول لمن لم تتجاوز أعمارهم الستين عاماً، والموجات الحادّة للاقتحامات والحرص على التواجد العنصري اليهودي بشكل مستمر واستفزازي وخاصة في ساحات الأقصى وعلى أبوابه ومداخله، بدءاً من عناصر الشرطة والأمن الصهيوني، وصولا إلى شخصيات يهودية رسمية وحاخامات، والتي تعتبر مؤشرات واضحة على جدية النوايا في فرض الأمر الواقع بتقسيم الأقصى كما حصل في الحرم الإبراهيمي كخطوة أولى نحو استكمال الكارثة التي تهدد، جديا، بهدمه وبناء هيكل سليمان لتحقيق الحلم الصهيوني ولو أدى ذلك إلى إبادة كل الفلسطينيين.

وهو ما جعل من القدس ساحة قتال يومية يحاول المقدسيون فيها بإمكانياتهم المتواضعة التأسيس لمرحلة جديدة من التصدي للمشروع الصهيوني والتحركات العدوانية المتسارعة الهادفة إلى استثناء القدس من المفاوضات النهائية مع السلطة الفلسطينية، خصوصا أن التيار اليميني المتطرف يرى أن الفرصة مواتية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية في الأمن والسلام في ظل ضعف السلطة الفلسطينية، وسقوط العرب داخل معمعة العنف المتفشي وانشغالهم بصراعاتهم الدينية والطائفية، وغياب العامل الدولي الضاغط على إسرائيل لكي توقف ممارساتها القمعية بحق الشعب الفلسطيني، أو تلتزم بقرارات ومواثيق واتفاقيات القانون الدولي والشرعية الدولية في ما يخص انتهاك المقدسات الدينية.

إن انتزاع القدس من سلم الأولويات العربية وعدم جعلها من المهام العاجلة بعد أن اتجهت أنظار العالم إلى متابعة تقدم تنظيم “داعش”، وأغرقت دول الشرق الأوسط في هاوية الدم، هو جزء من تحقيق الحلم الصهيوني وجعل القدس تستغيث على الهامش دون مجيب وأقصى العرب يتهدم تحت أسوأ أشكال الدجل السياسي الديني.


كاتبة ورسامة سورية

9