تهميش المثقفين ندابون في جوقة إغريقية

الأحد 2014/12/07

ذات يوم غير بعيد، وبمناسبة انعقاد معارض للكتاب في عاصمتين عربيتين خلال فترتين متزامنتين تقريبا، علَّق أحد الاصدقاء على هذا الحدث، الذي رصدته الصحافة العربية بقدر غير قليل من الاهتمام، بقوله إن المثقفين العرب مازالوا مهمَّشين، رغم اللغة المنفوخة الأوداج، والتي تسند لهم أدواراً وهمية ملفّقة.

وأشفع صاحبي تعليقه بالإشارة إلى قصة تراثية مأثورة، مفادها أن أحد الخاصة من المثقفين المتبحرين في علوم النحو واللغة اجتمع على سطح مركب مبحر بأحد العامة، فبادره بالسؤال التالي: "هل سبق لك أن درست علوم النحو؟" وعندما أجابه الرجل بالنفي، قال له: "لقد أضعت نصف عمرك يا صديقي." وبعد دقائق سأل الرجل: "هل سبق لك أن تعلمت السباحة؟". وما أن سمع منه كلمة "لا" حتى أجابه بانشراح: "إذن فقد أضعت حياتك كلها، يا صاح.. فالمركب يغرق بنا الآن!".

والحال أن المثقفين العرب ليسوا وحدهم الذين يشعرون بهذا التهميش التاريخي. فالشائع أن المثقفين في الغرب، خلافاً للمثقفين العرب المقصوصة أجنحتهم، يتمتعون بأوضاع استثنائية تسمح لهم أن يكونوا فاعلين أكثر مما هم منفعلون لا يحسنون أكثر من نفخ أبواق الثقافة العربية. إلا أن واقع الثقافة الغربية ليس مغايراً لها تماماً.

ففي الغرب، اليوم، جوقة من الندابين الشبيهين بطاقم "كورس" في مسرحية إغريقية قديمة، فهم يعتبرون أن المثقف الغربي لم يكن حاله أسوأ مما هو عليه اليوم قياساً على العقود العشرة الأخيرة. هل هذه مبالغة؟ يكتب ناقد بريطاني بمناسبة ظهور كتاب مهم لمؤلف يعتبره البعض ممثلا للمرحلة التاتشرية، فيقول: "هذا الزمان أصبح يمثل فترة ظلام للمثقفين. فقبل عقد من الزمن كان مفكرون من أمثال جان بول سارتر وبرتراند راسل قادرين على اجتذاب الكثيرين في الغرب. وكان بروتولت بريخت، كذلك، قادراً على السيطرة على امبراطورية ثقافية في شرق أوربا. وأما الآن فمن الصعب التفكير في أي شخصية من هذا الوزن، يمكن لأفكارها أن تثير أقل قدر من الانتباه.فالمثقفون محتقرون، وأساتذة الجامعات لا يتمتعون بالثقة، والجامعات مكتظة بالطلبة لأسباب تتعلق بدورة الكساد الاقتصادي العالمي.

لقد أصبحت صناعة شتم المثقفين رياضة القراء. فهم أشبه بطائر الحجل الذي تم تسمينه ليصبح هدفاً سهلاً للصيادين. عنوان الكتاب "المثقفون والجماهير" وهو من تأليف الناقد البريطاني جون كاري. وتشير الطبعة الجديدة منه إلى أنه بمثابة رصد نقدي لردود أفعال المثقفين البريطانيين على الظاهرة المعروفة باسم "الثقافة الجماهيرية".

ولعل من أشد القضايا المثيرة للانتباه في هذا الرصد، انطلاقه من نقطة خلافية مفادها أن الأدب والفن الحداثيين هما بمثابة رد فعل على تعاظم حجم عدد القراء الذي شهده القرن التاسع عشر في ضوء الإصلاح الجذري الذي طرأ على التعليم. وبعبارة أخرى فإن الحداثية صارت تتجه نحو عدد أقل من القراء. بل إن هدف المثقفين هو استبعاد هؤلاء القراء المتعلمين أو شبه المتعلمين، وبالتالي الحفاظ على "نخبوية" المثقفين من الضياع وسط الكتلة الجماهيرية المتزايدة العدد، باستمرار.

وهذا الرأي يذكِّر بكتاب "ثورة الجماهير" للفيلسوف الإسباني أورتيغا إي غاسيت الذي ظهر في ثلاثينات القرن الماضي، وكان من أبرز محاوره التركيز على مشكلة الانفجار السكاني. فهو يشير إلى أنه منذ بداية التاريخ الأوروبي في القرن السادس الميلادي وحتى القرن الثامن عشر لم يكن عدد سكان أوروبا يتجاوز 180 مليون نسمة، ولكن بدءاً من عام 1800 وحتى عام 1814 ارتفع العدد إلى 460 مليوناً. هكذا ظهر أدب ما بعد الحداثة أو بالأحرى الجانب السلبي منه، أي تحويل الكتاب إلى سلعة سداتها الرواج ولحمتها الاستهلاك.


ناقد من سوريا مقيم في بريطانيا

11