تهويمات الأبواب في الثقافة العربية

حتى من لا يملك بيتا، فهو يملك بابا بالضرورة داخل دماغه، لأنه لا يريد لأحد أن ينتهك وحدته.
الأربعاء 2019/08/21
كيف ستكون حياة البشر لو هم ألغوا الأبواب من حياتهم (لوحة: فؤاد حمدي)

لا بيوت من دون أْسرار، فمن يقف أمينا على عتباتها؟

إنها الأبواب بلا أدنى شك، تلك التي وراءها تتخفّى الحكايات ويطيب البوح حين يخلع الناس أْقنعتهم النهارية فلا يضطرون لكي ملابسهم الداخلية أْو لاختيار أْلوانها بعناية.. إن الباب قناع البيت في حي سكني قد يبدو متجانسا، لكنّه يشبه كرنفالا للتنكر.

تاريخ اختراع الباب هو بداية اكتشاف الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين “الهنا” والـ“هناك”.. بيننا وبين الآخرين.. لا بل بين ساكني البيت نفسه.. وإلا فما تفسير تعدّد الأبواب واختلاف مفاتيحها داخل المنزل الواحد؟

حتى من لا يملك بيتا، فهو يملك بابا بالضرورة داخل دماغه، وفي آلية تفكيره ذلك أنه لا يريد لأحد أن ينتهك وحدته أو يستبيح ْأسراره أو يتلصص على أْحلامه وتوجساته ويقال إن قبر الملا نصرالدين الملقّب بـ”جحا” يقع أمامه باب محكم الإغلاق ولكن دون جدران..!

ثمة أبواب مفتوحة، مصرّعة الصدر والعجز، منها الخاصة كأْبواب المضافات للدلالة على الكرم وحسن الاستقبال والعامة كأْبواب دور العبادة والمتاجر والدوائر الرسمية، ولكن الأحاديث خلفها تكون عامة ورسمية ومتقشفة ولا ننسى “باب الخوخة” وهو باب صغير يقع أسفل الباب الرئيسي الكبير، و”ينبت” منه.. يدخل ويخرج منه أْهل الدار على عكس الباب الكبير الذي لا يفتح إلا في المناسبات وللمبجّلين مع دوابهم وأمتعتهم وهداياهم كرمز للوجاهة والتكريم.. أليس هذا ما تفعله اليوم، الفنادق الفخمة في تعاملها مع نزلائها المرموقين؟

وثمّة أبواب نصف مفتوحة أْو على ْأهبة الفتح كمن ينظر إلى العالم بعين واحدة فهي تتراوح بين المحظور والمسموح، حسب هيئة الطارق ومن يقف خلف العين السحرية.. تلك العين الزجاجية التي صارت تعوّضها الآن كاميرات المراقبة.

وثمّة أْبواب محكمة الإغلاق، لا تعترف إلا بمفاتيح أْصحابها وهي تحفز الخيال وتزيد من فضوله، فلعلها تفضي إلى أْبواب أْخرى وتحيلنا إلى متاهات وحكايات وسراديب لا تنتهي، لذلك ظل المفتاح يشبه في شكله نقطة الاستفهام أو الأذن البشرية، كما اتخذته ثقافات كثيرة رمزا للأمان والعودة نحو الخلاص الأبدي، فقد تتهدم البيوت وتتلف الأبواب وتضيع الأقفال، ولكن المفاتيح تبقى شاهدة وأْشد إقناعا من الأوراق الثبوتية.. ألم يغنّ سيد درويش، يوما تلك الطقطوقة الشهيرة على لسان شخصية سودانية “سرقوا الصندوق يا محمد، لكن المفتاح معايا”؟

ليس أْصعب على المرء من تسليم مفتاح بيته لأحد غريب حتى وإن كان شاريا أو مستأْجرا، فما بالك بتسليم مفتاح مدينة بأْكملها؟ هذا ما دفع بأم أْبي عبدالله الصغير إلى ازدراء ابنها قائلة:

“ابك كالنساء ملكا مضاعا * لم تحافظ عليه كالرجال”.

بعد أْطول ليلة في التاريخ هجر الأندلسيون “وصلهم وحلمه”، ونزلوا بين أْشقائهم في بلاد المغرب العربي محمّلين بالحنين والموشحات والمفاتيح التي علّقت في صدور منازلهم ذات الطراز الغرناطي والقرطبي إلى حد هذه اللحظة. مرّ ما يقارب الخمسة قرون اختفت خلالها الأقفال ولم تختف المفاتيح لأنها موجودة في صدور الأجيال قبل صدور المنازل ولأن الخروج كان قاسيا، وأخذ طابعا مأساويا تذكّر به نكبة فلسطين التي ما زال أهلها يحتفظون بمفاتيح بيوتهم في مدن ومخيّمات الشتات.

طبعا ليس الأمر دعوة إلى أْندلس أخرى، وإنما وقوف عند قدرة الإنسان الهائلة على التذكر.. أْلم يقُل ريتشارد الثالث (نعم، قد تُقلع الجذور، تقطع الجذوع، تجفّ الأغصان، ولكن النسغ يبقى طريا في الأوراق).

يقول كاتب مغاربي من أصول أندلسية، إنه قد انتابه إحساس غريب وهو يتجوّل في حواري مدينة غرناطة الأندلسية، محدثا نفسه “أْين يا ترى كان يقع منزل الأجداد.. ماذا حلّ محله؟ في سحنة هذه الصبية شيء من العائلة.. في غضب هذا المتسكع شيء مني.. في بحة هذا الصوت وفي أْلم هذا الكمان كثير من انكساراتنا”.

ترى، ما هذا الوله بالأبواب التي لم تعد تخفي شيئا ولا تفضي إلى شيء؟ إنها كباب الحيلة الذي كان يرسم رسما على الحائط للتمويه على اللصوص والغزاة، فلا تعرف البيوت ولا تدخل بالضرورة من أْبوابها، بل إنّ أغلب المدن القديمة التي يشبّهها المستشرقون بنسائها، تتشابه في هيئة الأبواب وأْلوانها وتترك الزينة والتبرّج إلى الداخل.

اهتم الأدباء القدامى بتبويب كتبهم وحطّوا من شان الكتاب غير المبوّب لأن الأبواب مقامات، وكذلك فعل المعمار الشرقي حين جعل باب كبير العائلة، ذا ارتفاع منخفض كي ينحني أْفراد بقية الأسرة عند الدخول ويتذكروا كبيرهم، مهما ارتفعت قاماتهم وعلا شأْنهم.

حكايات الأبواب لا تنتهي فكلما طرقت بابا سمعت سؤالا، والسؤال كيف ستكون حياة البشر لو هم ألغوا الأبواب من حياتهم؟

14