توابل الكاتب وتوابل الطباخ

حين نمعن النظر في سير الكثير من كبار الكتاب، يبدون لنا وهم في ورشة عملهم وكأنهم في "مطبخ الكتابة"، وكأنما يقومون في ذلك بتقليد الطهاة، فالشعر كما الرواية لهما التوابل الضرورية بأنواعها
الاثنين 2018/12/10
الطهاة من طبقة الفنانين هم من يضيئون صورة “الشهية” الوطن

لماذا يا ترى يغار الروائي أو الشاعر من طباخ ماهر في بلادنا؟

تثيرني كثيرا سِيَّرُ الطباخين المهرة، هي سِيَّر مثيرة للتأمل وللقراءة السوسيو-حضارية وأيضا للمقاربات الفنية الجمالية لمجتمع من المجتمعات.

تثيرني أيضا الكثير من كتب الطبخ التي تمثل رقما مهما في المقروئية في بلداننا المغاربية والعربية وأيضا في الغرب الأوروبي، إنها أكثر الكتب مبيعا مقارنة مع كتب الفلسفة أو التاريخ أو الرواية.

وما يثير في هذه الكتب، وهنا أتحدث عن كتب الطبخ الراقية، ليست تلك المقلّدة أو المقرصنة، أو التي تباع على البسطات الشعبية إلى جاب كتب الدروشة والسحر. ما يثير فيها هو طابعها الفني المحترف، بإخراجها وبصورها وبورقها وبمقارباتها وأيضا بموضوعها، وهي في ذلك تفوق بكثير كتب الروايات بئيسة الشكل، التي لا تثير أي إغراء أو إثارة، لا في ورقها ولا في إخراجها ولا في غلافها.

يعيش الطهاة أو الطباخون كما يعيش الروائيون والفنانون التشكيليون والشعراء في حوار مستمر ومتوتّر ما بين المحلي والعالمي.

ويبدو أن عمل الطهاة أكثر تعقيدا من عمل الكتّاب، وأكثر عرضة للابتذال، لأنهم يتعاملون مع عُدَّة إبداعية مشكلة من أشياء مادية ملموسة واستهلاكية يومية. فقوة الطهاة الإبداعية تكمن في قدرتهم على تحويل ما هو مادي “مبتذل” (البطاطا والخرشف واللفت والحمص والبصل والسميد والفاصولياء والفلفل..) إلى ما هو مدهش وعجائبي، في حين يشتغل الأدباء على شيء هو في أساسه أسطوري رموزي وأعني به “اللغة”.

كثيرا ما أقتني كتب الطبخ، أو كتبا عن النبيذ، تلك التي يؤلفها طباخون مبدعون، فأكتشف فيها الطريق الجميل الذي يدلّك على بلد بعينه، بتفاصيله وخصوصياته.

كي تعرف بلدا عليك أن تدخل مطبخه، أن تقرأ مائدته، فالمطبخ العالي، البعيد عن الاستهلاك اليومي، هو الذي يرسم صورة البلد بكل تاريخه وبكل ذوقه، فمن خلطة التوابل وامتزاجها ومقاديرها ندرك شفافية الذوق، فالتوابل هي موسيقى المطبخ، وتركيبتها هي اللوحة التشكيلية.

الطهاة من طبقة الفنانين هم من يضيئون صورة “الشهية” الوطن، وهم من يذيعون شهرة البلد.

لعل من أهم ما وصل من تاريخ الأمازيغ إلى العالم وأدهشه هو أكلة “الكسكسي”، إنه الإرث الشمال أفريقي الذي ذاع صيته في القارات الخمس، وعبر العصور ولا يزال، أكثر من أي رواية وأكبر من أي قصيدة ومن أي لوحة فنية.

وصل الكسكسي إلى أقاصي العالم ولا يزال، أكثر مما وصلت إليه رواية “الحمار الذهبي” لأبوليوس الأمازيغي، وهي تمثل النص الذي يفتخر به كل شمال أفريقي، بوصفه أول رواية في تاريخ الإبداع الروائي الإنساني. وصل الكسكسي لا لأنه يستهلك، بل لأنه يعبّر عن فلسفة ذوق، وعن رؤية للعالم من خلال “المُسْتَهْلَك”، رؤية تختلف عن رؤى الشعوب الأخرى.

يوجد في جميع أقطار الدنيا “سميد” و”بهارات” و”خضر” و”نار” و”ماء” و”لحم” و”زيت”.. لكن لا يوجد في هذه البلدان “الكسكسي” بهذا الإبداع وبهذا الإدهاش!

حين أمعن النظر في سير الكثير من كبار الكتاب، يبدون لي وهم في ورشة عملهم وكأنهم في “مطبخ الكتابة”، وكأنما يقومون في ذلك بتقليد الطهاة. فالشعر كما الرواية لهما التوابل الضرورية بأنواعها، وبنسب مقاديرها وبطريقة خلطها. وكما الطباخ الماهر ينتبه إلى النار التي عليها تطبخ الأكلة، نار هادئة أو باردة أو قوية أو بعيدة أو قريبة أو منفصلة، كذلك الكاتب له ناره التي عليها تطبخ الرواية أو القصيدة، فإذا زادت النار احترق النص، وإذا قلّت بردت وجفّت مفاصل اللغة.

إذا أراد الكاتب أن يكون عالميا، عليه أن يدخلها من باب المحلية، وإذا أراد أن يكون محليا وبشكل إبداعي، عليه أن ينتبه إلى ما تبدعه أنامل وأذواق الطباخين الطهاة المهرة، فهم التعبير الراقي على المحلية في عمقها الفني وبعدها السحري.

إن الكاتب الناجح ليس أكثر من طباخ ماهر.

14