توابيت حزب الله وسوق المتعة

الجمعة 2014/09/12

أصدر حزب الله مؤخرا قرارا يقضي بمنع توظيف النساء في مؤسساته. الأسباب التي قيلت لتبرير هذا القرار تنحصر في الموضوع المالي، إذ أن قسما كبيرا من موازنة الحزب ذهبت إلى تسليح الجيش “البَشّاري”، كما أن التعويضات المالية المرتفعة التي تدفع لأهالي قتلاه في سوريا، إضافة إلى كلفة العناية بعائلاتهم لم تترك للمرأة حصة في المنظومة المالية للحزب.

قد يكون التبرير المالي لطرد المرأة من جنة مؤسسات الحزب مقنعا في ظل ما يعرفه الجميع حول انخفاض التمويل الإيراني للحزب بسبب العقوبات الاقتصادية والكلفة الباهظة لمشاركته الواسعة في حرب الأسد ضد شعبه، لكن مثل هذا القرار يبقى حاملا للعديد من التفسيرات التي لا يحتل فيها الجانب المالي سوى جزء يسير وغير أساسي.

المرأة غالبا ما تسبب أزمة لكل التنظيمات المغلقة من قبيل حزب الله وداعش وطالبان وغيرها، لأن صوتها لا يمكن أن يُلجمَ بالتهديد المباشر والفعلي، كما هو الحال مع صوت الرجل، ليس لأنها لاعقلانية بل لأن “دافعيتها” الأساسية التي تجعلها قادرة على كسر كل حواجز المنطق والخوف، تعود إلى كونها الجسد المنتج لهؤلاء الشباب الذين يشكلون وقودا للحروب.

كان خطاب الشهادة المصعّد والمزيّن بهالات المقاومة والصمود، والذي كان خاضعاً لنوع من إجماع عام حوله، يهبُ لفقْد الأبناء الذي لا يحتمل معنى. كانت صورة الأم الصابرة الصامدة التي تلصق بالمرأة التي فقدت ابنها في معركة واضحة المعالم، كفيلاً بخفض هذا الصوت الفاضح وإدراجه في خطاب عام يردد عناوين الصمود والتحدي ويجمّل الصبر.

هذا الصوت يهدد الآن بفضح كل شيء دفعة واحدة. المعركة التي تقدم من أجلها القرابين من فلذات الأكباد غامضة، ولا تخضع لأي إجماع. صورة الأم الصابرة صبراً جميلا، وتلك الهالة المصعّدة التي كانت أمهات الشهداء تحاط بها سقطت. تحولت إلى سؤال مر عن معنى كل هذا الموت الذي لا يسمى شهادة إلا داخل حيز طائفي أين منه صورة تلك الشهادة المفتخرة المجمع عليها، والتي كانت قادرة على دفن الخلافات السياسية وتحقيق إجماع واضح حول معناها.

الأم الآن تستقبل جثثا غير قادرة على السكن في معنى يسمح بتذويب كتلة الألم الصلبة، فكيف ولماذا سيسكت هذا الصوت؟

حزب الله كان قد عرض على جبهة النصرة التفاوض من أجل استرداد جثث مقاتليه، مقابل الإفراج عن أسرى من النصرة وغيرها من الفصائل السورية التي تقاتل النظام. رفضت جبهة النصرة، وكان خروج هذه المعلومات إلى العلن نوعا من دق ناقوس الخطر بالنسبة إلى الأمهات اللواتي ينتظرن عودة جثامين أبنائهن، واللواتي سمعن رفض الحزب لمبدأ التفاوض مع خاطفي الجنود من أجل إطلاق سراحهم.

بدا وكأن الحزب يمارس عنصرية شيعية داخلية تضاف إلى سجل عنصرياته ضد الجميع، حيث أن جثث قتلاه قابلة للتفاوض، في حين أن حياة الجنود الشيعة المهددة ليست داخل منظومة التفاوض.

أشعلَ الحزب حرباً ضد المرأة وصوتها الذي يهدد بفضح كل شيء دفعة واحدة، وهو كان سابقا قد استعملها في خطابه الدعائي كجزء من منظومة تحتل فيها موقعا رجاليا وتعززه. لم تكن المرأة مرئية في خطابه إلا بوصفها نوعاً نوعياً وخاصا من بضاعة الإعلام الحربي.

لنا في “الحاجة حياة” مثال على ذلك، إضافة إلى خطاب “فدا إجر السيد” الذي لم يدخر الحزب وسعا في نشره على لسان أمهات فقدن أبنائهن ليصنع ثنائية الشهادة/ إجر السيد، وكي يصبح، تاليا، إهدار أي دم آخر نوعاً من سياق لا يرقى إلى المشهد السامي الذي تمثله هذه الثنائية الفخمة.

حزب الله يقيمُ، كذلك، بشكل علني وشرعي سوقا للمتعة تقوم على التمتع الحلال بنساء من فقدن أزواجهن في معاركه، إضافة إلى الأرامل والمطلقات. سوق المتعة الآن اتسع وبات يهدد بالتحول إلى فضيحة، فهناك من يموتون، وهناك من يعمدون دون أي خجل إلى الاستفادة من موتهم للتمتع بزوجاتهم، على قاعدة أن لا حياء في الدين ولا في الحلال.

هذا الحلال لم يرقَ بعد إلى منزلة سيكولوجيا عامة حتى عند الشيعة الذين يدينون بالولاء لحزب الله ويدافعون عنه. ليس من اليسير تخيل أن تستطيع الأيديولوجيا هزم السيكولوجيا في هذا المجال، وإن كانت تلعب وتتحايل عليها. ممارسة المتعة لا زالت ظاهرة سفلية ولم تحظ بالعلنية الكافية التي تجعلها قرينة للشرعية.

ملابساتها وظروفها لازالت خاضعة لشبه يصل إلى حد التطابق مع البغاء، فهل يكون كتم صوت المرأة وإخفاء صورتها، في هذه اللحظة، هما محاولة من حزب الله لردم سوق المتعة الذي يقوم على توابيت قتلاه العائدين من حربهم البائسة في سوريا؟ هل يكون صوت المرأة الشيعية التي فقدت أي تمركز للمعنى، يجعلها تقبل بتراكم فقدين، هما فقْد ولدها وإهدار جسدها المستهدف بهذا القرار؟


كاتب لبناني

8