تواتر المناسبات وتبعاته النفسية والمادية

على قدر ما تفرزه المناسبات من بهجة وكسر للرتابة الحياتية وتجديد للمشاعر والأحاسيس الإيجابية على قدر ما تسبب ضغوطا نفسية ومادية على الفرد والعائلة والمجتمع.
الأحد 2018/09/02
عيد الأضحى يأتي بعد أن تثقب الجيوب وتكلّ العزائم ويعزّ المال

منطقيا لا يمكن أن ينجح أي عمل مهما كان نوعه، وتكون نتائجه إيجابية على الفرد والمجموعة، إلا إذا كان التخطيط والبرمجة والتنفيذ أمورا مدروسة بدقة متناهية. ولا يمكن أيضا أن تستقر حياة الأفراد والأسر والمجتمعات دون استقرار نفسي ومادي، وأي توتر أو انخرام تنجرّ عنهما مشكلات كثيرة تكون تداعياتها مؤثرة سلبا على المدى المتوسط والبعيد.

الأكيد أنّ لتواتر المناسبات الدينية والاجتماعية بصفة مكثفة دورا أساسيا في انخرام الميزانيات الفردية والجماعية العامة، وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية تؤثر سلبا على الأشخاص وعلى طبيعة العلاقات البشرية.

فأهم المناسبات الدينية المتواترة؛ شهر رمضان وما يتطلبه من مصاريف تتضاعف عن المعتاد نتيجة الصوم وارتفاع نسب الشهوات وتنوع البضاعة المعروضة، ثمّ عيد الفطر الذي يؤجج فرحة الصغار والكبار ويتطلب جهدا مضنيا للإيفاء بالمتطلبات المادية لشراء المرطبات والملابس، وأخيرا عيد الأضحى الذي يأتي بعد أن تثقب الجيوب وتكلّ العزائم ويعزّ المال، ولكن الأضحية ضرورة دينية لمن استطاع توفيرها واجتماعية حتى لمن لا يستطيع اقتناءها.

أما المناسبات الاجتماعية وخاصة في فصل الصيف، فصل المواسم، فتكثر وتحرج جميع الناس. فبعد عام من الدراسة والعمل المضني لا بد من البحث عن قسط من الراحة والترفيه والابتعاد عن الضغوط الحياتية اليومية، ولا يتمّ ذلك إلا بكلفة مادية إضافية. أما الأعراس والاستعداد لإقامتها أو حضورها فأمر يتطلب توفير المال الكافي ثم توفير الوقت، وكلاهما صعب المنال في ظل متطلبات الحياة اليومية المكلفة.

فالفرد في علاقته بذاته وبمن حوله يسعى لتكون مسيرته الحياتية موفقة ومنظمة وواضحة المعالم والمسارات، ولا يتيسّر له ذلك إلا إذا حافظ على صفاء ذهنه ووضوح أهدافه وغاياته واستقراره المالي والمادي.

وكلما اختل التوازن بين المداخيل والمصاريف كلما دخل في دوّامة من الاضطراب تقود حتما إلى الاقتراض الذي إن بدأ فإنه يتصاعد بوتيرة سريعة. فبالإضافة إلى التكلفة الحياتية اليومية فإن المناسبات تثقل كاهل الشباب خاصة، والذين يريدون دائما التجديد في مظهرهم الخارجي واتباع “الموضة” السائدة ومواكبة المتغيرات اليومية في هذا المجال، أما مرحلة الشباب فهي المرحلة التي يقبل فيها الناس من الجنسين على الحياة والتمتع بخيراتها والترفيه عن النفس عبر الاستجمام على الشواطئ أو السفر السياحي إما داخل البلاد وإما خارجها، ولذلك لا تفكر هذه الفئة من الناس كثيرا في ترتيب الأمور، ما يسرّع من تفاقم الضغوط النفسية والمادية عليها.

أما الأسرة فهي الوحدة الاجتماعية التي تحكمها منظومة جماعية متى صلحت صلح أمر الجميع ومتى انخرمت كان تأثير ذلك أيضا على الجميع بنسب متفاوتة. تنخرط العائلات في نسق الحياة الاجتماعية بطريقة تلقائية، وتتأثر سلبا وإيجابا بالأحداث الاجتماعية على اختلافها، ولعل المناسبات الدينية والاجتماعية الشعبية على كثرتها وتواترها خاصة في فصل الصيف ترهقها، وتزيد من حجم الضغوط المسلطة عليها.

فعلى المستوى الذهني والنفسي تتأثر البرمجة المعتادة والنسق اليومي العادي للحياة، فعدم الترتيب والتنظيم يؤرق العائلة ويضاعف من الضغوط النفسية والمادية المسلطة أصلا على أفرادها، وخاصة الوالدين اللذين يشقيان من أجل ترتيب الأمور والبحث عن الاستقرار العائلي المنشود.

فالاستعداد للمناسبات على اختلافها يتطلب كثيرا من الوقت، فعلى سبيل المثال لا الحصر تستهلك العائلة ساعات طويلة بل أياما للعثور على ملابس العيد التي تناسب أذواقها وأذواق أولادها وتلائم الإمكانيات المالية المتوفرة، فتجدها تدور على محال بيع الملابس الواحد تلو الآخر، وكم تقيم من مقارنات بين هذا وذاك، وكم تتردد في أخذ قرار، وكم تناقش الأسعار مع أصحاب المحال، حتى أن عسر أخذ القرار يصيبها بالتعب ويوتّرها.

وتتكرر نفس المعاناة النفسية والمادية بمناسبة عيد الأضحى ومناسبات الأفراح والأعراس، ويجد خاصة العاملون في الأسرة مشقة في التوفيق بين العمل وبين ما يتطلبه الاستعداد لهذه المناسبات وحضورها. أما المشكلة الأكبر فتؤجّل إلى وقت لاحق بعد أن تستنفد الإمكانيات المالية في ما يعتبر مصاريف استثنائية طارئة، وتبدأ المعاناة مع بداية السعي لإعادة ترتيب الأمور وتنظيمها بعد أن تبعثرت، فحتى العودة إلى النظام العادي للنوم تتطلب مجهودا كبيرا فما بالك بالترتيبات المادية اليومية.

قد يكون الاقتراض حلا من الحلول الممكنة لإعادة الترتيب ولكن تداعياته وخيمة في المستقبل.

حتى المجتمعات والدول تستعد استعدادا خاصا لمثل هذه المناسبات، ففي شهر رمضان مثلا تتجنّد المصالح الوزارية المهتمة بالتجارة والفلاحة وغيرهما للسهر على توفير متطلبات الشهر إما بالضغط على المنتوج الداخلي وإما بالتوجه إلى التوريد من أماكن أخرى بالعملة الصعبة طبعا، وينسحب الأمر على الأعياد مثل السهر على توفير الأضاحي مع السعي إلى مراقبة مسالك التوزيع وخاصة غير الشرعية والقانونية منها.

عموما على قدر ما تفرزه المناسبات من بهجة وكسر للرتابة الحياتية وتجديد للمشاعر والأحاسيس الإيجابية على قدر ما تسبب ضغوطا نفسية ومادية على الفرد والعائلة والمجتمع.

21