توارث الإبداع الأدبي منحة أم محنة

أدباء يرفعون شعار "لن نعيش في جلابيب آبائنا".
الاثنين 2020/08/03
أبناء متهمون بالتبعية (لوحة للفنان عمر نصيرات)

ليس للإبداع كتالوج ولا قوانين حاكمة أو نظريات نهائية قادرة على تفسير ظهوره أو غيابه، انتعاشه أو اضمحلاله، فالمبدع يُولد من عدم، ومن وجود، ومن شيء، ومن لا شيء أيضا. هذه القضية يُعاد طرحها في مصر بعد زيادة انتشار أبناء الأدباء على الساحة الثقافية.

ينبت المبدع في بيئة قاحلة صماء، لا ترى قوس قزح، كما ينبت في بساتين موردة تغزوها العصافير البرية، ويطل في كل الأوقات والأزمنة، في زمن الحرب وتحت دوي المدافع، وبين عصف القضايا الكبرى، مثلما في عهود السلم والانسجام والرضا السياسي.

إذا كانت بعض الدراسات الحديثة تشير إلى إمكانية وجود صلة بين الإبداع والجينوم البشري، بمعنى توارث أبناء المبدعين لجينات الإبداع، فإن لدينا سلسلة كبيرة من المبدعين خلفوا أبناء لا يقدرون عظمة ما أنجزه الآباء، ولا يكترثون بالإبداع.

ذكرت دراسة نشرت مؤخرا في إحدى الدوريات الخاصة بتفسير الميول الإبداعية في جامعة هلسنكي أن الإبداع موجود لدى الجميع، وربما يتم تمريره من قبل والدينا عن طريق الجينات الوراثية، لكن في النهاية الأمر متروك لكل واحد بشكل فردي لإيجاد طرق ليسمح لإبداعه في الظهور.

دروب ثقافية متنوعة

لاح مبدعون ورثوا الإبداع عن آبائهم وساروا على دروبهم ذاتها ونبغوا فيها، منهم مثلا الشاعرة العراقية آلاء السياب، ابنة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، ومنهم الأديب والشاعر مؤنس حسين، نجل الأديب المصري الراحل طه حسين، فضلا عن الكاتب الراحل جلال أمين، نجل المفكر أحمد أمين، وغيرهم كثيرون، وهناك قائمة طويلة في هذا المجال.

تمثل نظرة المجتمع إلى أبناء المبدعين، حال ممارستهم الإبداع، إشكالية شديدة التعقيد، فهم موصومون دوما بالتقليد، ومُتهمون في الغالب باستنساخ مواهب آبائهم، والاستفادة من تجاربهم، وعلاقاتهم، وشهرتهم في اللمعان، والوصول إلى نقاط الضوء.

الشاعر العربي القديم رؤبة بن عجاج، مدح عُدي بن حاتم الطائي بأبيات شعر قال فيها “بأبيه اقتدى عُديٌ في الكرم/ ومَن يشابه أباه فما ظلم”، لكنّ المبدعين أبناء المبدعين يشعرون اليوم أنهم مظلومون بمقارنتهم بوالديهم، وباستدعاء أمجاد الآباء كلما حلوا في مكان، أوتحدثوا في منبر.

ورغم نظرة البعض إلى الأبناء بأنهم من المحظوظين لكونهم اختبروا تجارب الآباء واستفادوا منها وتعلموا واقتربوا من الوهج الإبداعي، وعاينوا مراحل الصعود والانتشار، إلا أنهم يشعرون في الكثير من الأحيان بضيق جلابيب الآباء عليهم، فيسعون إلى تمزيقها وخلعها تماما، ليس تمردا على آبائهم أو خلافا معهم، وإنما رغبة في الاستقلال بذواتهم، وسعيا أن يكون كل منهم نفسه، لا ابن فلان.

حاول البعض مغايرة دروب الآباء الإبداعية منذ البداية، فاختاروا ألوانا مختلفة عما نبغ فيه الآباء، لنجد مثلا معتزة كريمة الشاعر صلاح عبدالصبور، تُفضل التمثيل إبداعا بدلا من الشعر، لتلمع في أدوار هامة في أفلام ”سنة أولى نصب”، و“ظرف طارق”، و“أسرار البنات”.

 كما نجد أسماء ابنة الأديب يحيى الطاهر عبدالله، تركز إبداعاتها في مجال التمثيل أيضا لتشارك بأداء متميز في مسلسلات “حب البنات”، “نزار قباني”، و“زمن عمادالدين”، لكنها لا تلبث كثيرا في هذا المجال حتى تنتقل منه إلى مجال النقد الأكاديمي دون محاولات تجريب لها في مجال القصة القصيرة.

اختارت ريم كريمة الروائي المصري خيري شلبي، السير في طريق الشعر، بدلا من الرواية أو القصة، كما كان والدها، وصدر لها مؤخرا ديوان شعر جديد بعنوان “سكرين شوت” ركزت فيه على الكتابة بلغة غير معتادة.

أبناء المبدعين ممن يمارسون بدورهم الإبداع موصومون دوما بالتقليد، ومُتهمون في الغالب باستنساخ مواهب آبائهم

بدت المُعضلة واضحة لدى المبدعين الذين سلكوا طريق الإبداع ذاته، فاستوقفتهم دعوات التشبه والتقليد، وأغضبتهم المقارنة بينهم وبين آبائهم، فخاضوا صراعات نفسية طويلة لنزع ثياب والديهم بحثا عن ذواتهم.

القاص هشام أصلان مثلا، أحد هؤلاء المبدعين الذين سلكوا طريق الآباء نفسه واكتووا بنار التشبيه بالأب، فوالده القاص إبراهيم أصلان، لذا خاض هشام محاولات تجريب مضنية وصعبة للانخلاع عن درب والده.

يقول أصلان الابن لـ”العرب”، إن نجاح وتألق الأب في حقل الإبداع الأدبي مثّل له سلاحا ذا حدين، فهو قربه كشاب مقبل على الإبداع من الكتابة، وشجعه على النشر، لكن جعله محل تشبيه ومقارنة دائمة معه، ما صوره البعض كأنه تابع له.

ويكشف أنه كانت تتم دعوته كثيرا للمنتديات الأدبية، والصحف، والمجلات الثقافية، للحديث عن جمال وتألق ورحلة إبداع إبراهيم أصلان، ما دفعه أن يطرح على نفسه  سؤالا ملحا عما يجب أن يكون عليه، وإن كان هو متحدث باسم الأديب إبراهيم أصلان، أم هو مبدع مستقل اسمه هشام أصلان؟

ويتابع “كنت رغم حبي الجم لوالدي وإنجازه الإبداعي أرغب في أن أصنع اسمي المستقل، وتمثلت مشكلتي الأولى في كيفية الكتابة والنجاة من التأثر بوالدي، رغم حبي الشديد لأسلوبه، وبدايته متتبعا خطاه في الأدب”.

مع الوقت أدرك هشام أنه كان يقلد والده، ويسير على الدرب الذي اختاره هو، وانزعج ألا يختار مثله، وبعد تفكير وتأمل قررالبعد التام، وعمل بنصيحة الناقد الأدبي محمد بدوي، والذي دعاه لقراءة المدارس الضدية لكتابة والده، والإبحار بعيدا عن ثيمات وأسلوب أصلان الأب.

استغرق ذلك جهدا كبيرا، لكنه شعر في النهاية بالإفلات والنجاة لأنه يعلم أن الكتابة ليس لها احتياج سوى محبة الكتابة، بمعنى أنها لا تصنع مالا أو تبني نفوذا، فراهن على ذلك ونجح في تقديم نصوص مختلفة، كان أحدثها مجموعة قصصية حملت عنوان “شبح طائرة ورقية”، فضلا عن كتاب عن حكاياته مع الأماكن والناس، ومشروع رواية قارب على الاكتمال.

ويشير هشام أصلان إلى أن اسم والده الشهير يمكن أن يحقق له في البداية احترام وترحيب الوسط الثقافي، لكنه لن يستمر طويلا إلا حال صدق إبداعه وتميزه، خاصة بعد رحيل والده وانتفاء فكرة مجاملة الناس له.

اختبارات متوالية

الإبداع ربما يتم تمريره من قبل والدينا عن طريق الجينات الوراثية
الإبداع قد يتم تمريره من قبل والدينا عن طريق الجينات الوراثية

واجه الكاتب والقاص محمد محمد مستجاب، صراعا حادا ليُصبح ذاته بعيدا عن خيوط تربطه بوالده الأديب المعروف، موضحا لـ”العرب”، كيف كانت قصصه المبكرة تستحضر الريف، بما فيها من طين وفلاحين وطبيعة خلابة وحيوات بسيطة، مثلما كان يفعل والده، واضطر بعد عدة سنوات من الكتابة إلى التوقف لفترة نتيجة ضيقه بنظرة الناس له باعتباره امتدادا لتجربة والده.

ودفعه ذلك إلى أن يُغير في البداية موضوعاته وأفكاره، ثم يمارس التجريب في ألوان كتابية أخرى، مثل المسرح حينا، والسيناريو حينا آخر بحثا عن ذاته.

ويلفت إلى أنه كان أمام سؤال صعب، إن كان مبدعا متميزا ومستقلا بالفعل أم مجرد نسخة جديدة من الأب محمد مستجاب، لذا لجأ إلى المشاركة في مسابقات أدبية متنوعة يعتمد التحكيم فيها على إخفاء أسماء المتسابقين فتنتفي شبهات المجاملة، وكان فوزه في مسابقة غسان كنفاني، وإحسان عبدالقدوس الأدبيتين دليلا على كونه مميزا بذاته، ونجح في تجاوز تجربة والده.

برأي مستجاب الابن، أن التحقق الفعلي لنجل أي أديب هو أن يكون ذاته، ويعبر عن جيله بهمومه وتصوراته ورؤاه ولغته الإنسانية، وإن ذلك لا يعني أبدا انسلاخا إنسانيا عن الأب أو تبرؤا منه.

وتصدر قريبا مجموعة قصصية جديدة تحمل بصماته هو كمبدع بدأ مسيرته بعد قدوم الألفية الثالثة بسماتها وقيمها ومستحدثاتها، ما يشعره بالرضا التام.

هناك مبدعون لا تعنيهم المقارنة مع آبائهم ولا ينشغلون بمثل هذا الصراع النفسي، ومثل هؤلاء يكتبون دون أن يلتفتوا لما يقال، ويؤمنون بأنهم يمارسون الكتابة من أجل الكتابة، ويتصورون أن الزهرة الجديدة يمكن أن تنبت إلى جوار الزهرة الأقدم، ويبقى لكل منهما سحره الخاص، واستيعاب العلاقة الإنسانية وصلات التأثر ممكنة دون حساسيات أو شعور بانتقاص الذات.

يؤكد القاص أحمد الخميسي، أن علاقته بوالده صاحب الإبداعات المتنوعة عبدالرحمن الخميسي، كلها خير وإفادة، وأنه لا يتمنى الفرار من هذا الارتباط مهما كانت انطباعات القراء عن كتاباته.

 ويقول لـ”العرب”، إن مجرد اقتران اسمي بوالدي يسبب لي سعادة بالغة، ورضا تاما، وأنا مقتنع فعلا بأنني فرع من شجرة ضخمة تمد ظلالها يمينا ويسارا، قائلا “كل شيء أكتبه أريد به أن أثبت شيئا واحدا وهو أن عبدالرحمن الخميسي هوالفنان ولست أنا”.

15