توازن القوى شرط مسبق لعراق فيدرالي

تؤكّد الأوضاع في العراق اليوم، وبما يقطع مع أعذار المؤيّدين للغزو الأميركي للبلاد في 2003، أن الإدارة الأميركية، في عهد جورج بوش الابن، وعهد باراك أوباما، أنتجت فشلا ذريعا باتباعها سياسة الفوضى الخلاقة المدمّرة التي شابتها أخطاء دمّرت العراق وأنهكت الولايات المتحدة الأميركية. لكن، الأخطر، وفق بيتر فان بورين، الدبلوماسي الأميركي المطلع على الشأن العراقي، أن هذه السياسة لاتزال تسير على نهجها الفاشل ولن تنجح ما لم تغيّر استراتيجيتها غير القابلة للتطبيق على أرض العراق، بما يرفع من عدد مؤيدي داعش من السنة ويزيد من طغيان إيران وأذرعها ويفتح الباب أمام طلب مساعدات من دول أخرى على غرار روسيا.
الثلاثاء 2015/10/13
سياسة البيت الأبيض في العراق لم تحصد إلا الفشل

واشنطن- لم يتخيل أحد سنة 2011 أن باراك أوباما، الذي هزم هيلاري كلينتون، ووصل إلى البيت الأبيض على أساس معارضته للحرب العراقية الأخيرة، سيعيد إرسال القوات الأميركية للبلد الذي يتخبط في فوضى صنعتها واشنطن قبل ربع قرن من الزمن؛ حين تدخّلت سنة 1990 لبسط الطريق أمام الغزو العسكري الرسمي سنة 2003. وعلى امتداد تلك السنوات الطويلة، وإلى اليوم فرضت واشنطن عدة تغييرات على الواقع العراقي، وصرفت آلاف المليارات من الدولارات وتورطت في قتل مئات الآلاف من الناس، دون أن تكون تلك الجهود ناجحة بأي تعريف يمكن تصوره.

وسيستمر فشل الولايات المتحدة في العراق الحالي، مادامت الإدارات الأميركية، بمختلف توجّهاتها، تتبنّى نفس السياسة، وطريقة التفكير التي يلخّصها بيتر فان بورين، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل عضوا في الفريق المكلف بإنفاق الأموال الأميركية لبناء العراق، في خمس نقاط أساسية هي: فشل برنامج التدريب وخيار زيادة عدد الجنود والتوافق مع إيران رغم سطوة ميليشياتها وأذرعها في البلاد، والتعويل على الأكراد لهزيمة داعش، والحل السياسي غير التوافقي.

إرسال المدربين

في أعقاب سقوط مدينة الرمادي السنية بيد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، في شهر مايو الماضي، أعلن الرئيس أوباما عن تغيير في المسار في العراق. لكن، وبعد أقل من سنة، تقرر الإدارة الأميركية إرسال مئات من الموظفين العسكريين لتركيز قاعدة تدريب جديدة في تقادم في محافظة الأنبار. ليصبح عدد مواقع التدريب الأميركية في العراق خمسة مراكز. ومع ذلك، وبعد تسعة أشهر من العمل والتدريب لم يتمكن جندي عراقي واحد من الانتقال إلى وضعية قتالية في بلد يعاني من فوضى مسلحة.

بعد أن بنى الإيرانيون دولة شيعية في بغداد ثم قاموا بإطلاق الميليشيات ضاعت إمكانية تنفيذ خطة جون بايدن

وتمثل القاعدة مجرّد بداية لزيادة جديدة في عدد الجنود، إذ شرع الجنرال مارتين دمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة في الحديث عما يسميه، “وسادات الزنبق”، وهي عبارة عن قواعد أميركية صغيرة مركّزة قرب الخطوط الأمامية ومنها سيعمل المدربون الأميركيون مع قوات الأمن العراقية. وبالطبع هذه القواعد ستحتاج مئات من المستشارين العسكريين الأميركيين الذين سيكونون بمثابة ذباب ينتظر تنظيم الدولة الإسلامية الجائع.

لكن، هذه الفكرة جربّت من قبل وفشلت على مدى سنوات الاحتلال الأميركي للعراق؛ عندما ركزت واشنطن أرخبيلا من 505 قاعدة في البلاد، وفشلت نفس الخطة في أفغانستان.

وفي ذروة حرب العراق الثانية عمل في هذه القواعد 166 ألف جندي وقدموا تدريبات وتسليحا للعراقيين بقيمة وصلت إلى 25 مليار دولار، ونحن الآن نرى غياب نتائجها بشكل يومي. وقد أوضح وزير الدفاع أشتون كارتر أنها كانت بعيدة جدا عن التوقعات. ومن المفترض أن يكون المدربون الأميركيون قد صقلوا 24 ألفا من الجنود العراقيين، بيد أن الرقم الحقيقي إلى حد الآن يقال إنه لم يتجاوز تسعة آلاف.

وبالنظر إلى التدريب الذي وفرته الولايات المتحدة في العراق منذ سنة 2003، من الصعب تصوّر أن الكثير من الشباب لم يفكروا في إمكانية الالتحاق بالجيش، ولا يوجد سبب وجيه يجعل الأميركيين يفترضون أن العراقيين سيقدّمون أنفسهم للتطوع لمجرد أن واشنطن فتحت المزيد من معسكرات التدريب. والسؤال المترتب عن ذلك كيف للمزيد من المدربين الأميركيين أن ينجزوا في فترة أقصر ما فشل في إنجازه عدد كبير منهم على مدى كل هذه السنوات؟

الجنود على الأرض

مأزق الموصل: من سيتولى الأمر بعد استعادتها

بغداد- انتقد تقرير صدر حديثا عن معهد كارنيغي تعثر جهود التحالف الدولي لاستعادة مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى (شمال)، مشيرا إلى أن قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة اضطرت إلى توجيه أنظارها بعيدا عن الموصل بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مركز مدينة الرمادي.

ونشر العراق قوات إضافية في محافظة الأنبار التي تعتبر حيوية لضمان أمن العاصمة بغداد.

وكان تنظيم داعش سيطر على مدينة الموصل، في 10 يونيو 2014، قبل أن يوسع سيطرته على مساحات واسعة في شمال وغرب وشرق العراق، وكذلك شمال وشرق سوريا، وأعلن في نفس الشهر، قيام ما أسماها “دولة الخلافة”.

ومنذ ذلك التاريخ، تعمل القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي الشيعية الموالية لها، وقوات البيشمركة الكردية (جيش إقليم شمال العراق) على استعادة السيطرة على المناطق التي سيطر عليها داعش، وذلك بدعم جوي من التحالف الدولي، الذي يشن غارات جوية على مواقع التنظيم منذ أغسطس الماضي.

وأشار المعهد إلى بعض العقبات العسكرية والسياسية التي تعيق جهود استعادة الموصل، منها ضرورة السيطرة على مدينة بيجي ومصفاتها النفطية، التي تتوسط الطريق مع بغداد ويستغلها تنظيم داعش كعقدة اتصالات مهمة تربط قواته في الأنبار ومحافظة الرقة السورية، والتي أضحت محطة استنزاف كبيرة للجيش العراقي وحلفائه على الرغم من دعم طيران التحالف الدولي.

واعتبر المعهد أن استعادة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، تشكل تحديا كبيرا للولايات المتحدة نظرا لغياب القوى الفاعلة التي ستحتفظ بها بعد استعادتها.

يعتبر السيناتور جون ماكين، الذي يرأس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، أكبر داعم لمبدأ الأمن الوطني الكلاسيكي للولايات المتحدة، المؤيّد لإرسال الجنود الأميركيين. وماكين ليس الوحيد في ذلك، فسكوت والكر، حاكم ولاية ويسكونس، قال إنه لو كان رئيسا لفكّر في إعادة غزو العراق على نطاق واسع؛ ومثله حث الجنرال أنطوني زيني، الرئيس السابق للقيادة المركزية، على إرسال الكثير من الجنود. ومن بين الحشد الداعي أيضا لإرسال الجنود على الأرض بعض الجنود الذين حاربوا في العراق زمن جورج بوش الابن، ويدّعون أن المطلوب اليوم هو إعادة إرسال المزيد من الجنود الأميركيين إلى العراق. لكن، بعد أن عجزت أكثر من 10 سنوات من الجهود و166 ألف جندي والثقل الكامل للقوة العسكرية الأميركية عن إنجاز المهمة، ماذا يمكن لموارد أقل أن تفعل؟

إقامة شراكة مع إيران

في الوقت الذي تتردد فيه الولايات المتحدة في استخدام القوات البرية في العراق بسبب اختلاف وجهات النظر في الساحة السياسية، أصبح العمل عن قرب مع إيران الخيار الافتراضي المطروح. وفي أعقاب استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل ومدن عراقية أخرى في سنة 2014، قامت طهران بتكثيف دورها عبر إرسال المدربين والمستشارين والأسلحة وقوّاتها لدعم الميليشيات الشيعية التي رأت بغداد أنها أملها الوحيد. وفي البداية تغاضت الولايات المتحدة عن كل ذلك حتى في الوقت الذي أصبح فيه الإيرانيون مستفدين من الدعم الجوي الأميركي اللصيق.

ويوجد في واشنطن حاليا اعتراف متزايد، وإن كان صامتا، بأن المساعدة الإيرانية هي أحد الخيارات التي يمكن أن تدحر تنظيم الدولة الإسلامية دون الحاجة إلى جيش البر الأميركي. ففي المعركة من أجل استرجاع تكريت مثلا قامت الولايات المتحدة بطلعات جوية لدعم الميليشيات الشيعية، وبرر المسؤولون ذلك بأن الميليشيات كانت تعمل تحت سيطرة الحكومة العراقية، وليست الإيرانية.

وفي هذا الاتجاه علّق متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية في حديثه عن معركة استعادة مدينة الرمادي بقوله “سنوفّر التغطية الجوية لكل القوات التي تخضع لقيادة الحكومة العراقية وتحكمها”. قناة بلومبرغ أكدت أن كلا من الجنود الأميركيين وجماعات من الميليشيات الشيعية يستخدمون قاعدة تقادم العسكرية، وهو المكان نفسه الذي أرسل إليه الرئيس أوباما آخر دفعة من الموظفين العسكريين الأميركيين المتكونة من 450 شخصا.

لكن، مساعدة إيران لن تؤدي إلا لتهيئة المعركة المقبلة التي ستقع فيها الولايات المتحدة نظرا للغطرسة الإيرانية المتزايدة في المنطقة، وربما تكون هذه المعركة في سوريا. والسطوة الإيرانية هي التي تعيق المخطط الأميركي لهزم تنظيم الدولة الإسلامية عبر تسليح العشائر السنية مباشرة على طريقة حركة “صحوة الأنبار” في سنوات الاحتلال؛ حيث تخشى الحكومة المركزية المؤيدة لطهران تسليح العشائر، ماعدا عدة وحدات رمزية لإسكات الأميركيين، فالشيعة خير من يعلم ما تستطيع حركة تمرد فعله لهزم قوة أكبر وأفضل تسليحا.

سلاح الأكراد

مثل الأكراد الأمل الكبير لواشنطن في العراق، وهو حلم ينسجم تماما مع السياسة الخارجية الأميركية. فبالنسبة إلى الجناح اليميني يذكّرهم الأكراد بوينستون شيرشل في الحرب العالمية الثانية حين صرخ “فقط أعطونا الوسائل وسنهزم هتلر”. وتقول عنهم وسائل إعلام هذا الجناح المتشدّد إنهم “مقاتلون شجعان وأوفياء للولايات المتحدة، وهم ‘أنذال’ أقوياء يعرفون كيف يقفون ويؤدون مهمتهم على أحسن وجه. لو أعطيناهم المزيد من الأسلحة سيقتلون المزيد من أشرار الدولة الإسلامية من أجلنا”.

وهناك بعض الحقيقة في هذا التصوّر، إذ قام الأكراد فعلا بعمل جيد في دفع المقاتلين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية خارج مساحات من شمال العراق وكانوا سعداء بالمساعدة الأميركية في إيصال مقاتلي البيشمركة إلى الحدود التركية عندما كان القتال مركزا على مدينة كوباني.

بالنسبة إلى واشنطن يتمثّل المشكل في أن المصالح الكردية تبقى محدودة بشكل واضح فيما يتعلق بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. فعندما تعرّضت حدود كردستان بحكم الواقع للتهديد المباشر قاتلوا بحماس كبير، وعندما جاءت الفرصة للسيطرة على مدينة إربيل المتنازع عليها ــ كانت الحكومة في بغداد متحمسة للإبقاء عليها ضمن مجال نفوذها ــ لاحق الأكراد تنظيم الدولة الإسلامية حتى كادوا يقضون عليهم.

لكن عندما تعلق الأمر بالسكان السنة لم يكترث الأكراد طالما أن الخطر بعيدا عن كردستان، فهذه المناطق الاستراتيجية التي يسيطر عليها تنظيم داعش حاليا تبعد مئات الكيلومترات الفعلية وملايين الكيلومترات السياسية عن كردستان. ولهذا فإن تسليح الأكراد، لا ينتظر منه أي دور استراتيجي ضد تنظيم الدولة الإسلامية خارج مناطق اهتمامهم. وإن كان الدعم الأميركي استراتيجية رابحة بالنسبة إلى الأكراد فإنها لا تترجم بالضرورة إلى استراتيجية رابحة بالنسبة إلى الولايات المتحدة في العراق.

الحل السياسي

لم يتقدّم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تعوّل عليه واشنطن، ولو خطوة نحو هدف المصالحة السنية الشيعية، وذلك لأنه لا خيار أمامه غير التعويل على الميليشيات الشيعية المستعدّة للقتال في الوقت الذي يتقاعس فيه جيشه العاجز والفاسد، والذي لم يرى منه غير الاقتراب أكثر من إيران. وهذا ما يعني أن أي محاولة أميركية لإدخال السنة في العملية السياسية كطرف في حكومة موحّدة في دولة موحّدة ليس سوى حلم.

بيتر فان بورين: داعش ليس إلا عارضا من عوارض الحرب الأهلية وليس تهديدا منفردا

وتوازن القوى هو شرط مسبق لعراق فيدرالي شيعي- سني- كردي لتنجح المفاوضات. فعندما اقترح السيناتور جو بايدن لأول مرة فكرة عراق متكون من ثلاث دول في سنة 2006، ربما كان ذلك الحل ممكنا، لكن بعد أن بنى الايرانيون دولة شيعية عراقية في بغداد تابعة لهم ثم قاموا في سنة 2014 بإطلاق الميليشيات كأداة للسلطة الوطنية ضاعت تلك الإمكانية. ومع تمدد السطوة الإيرانيية، لم يجد الكثير من السنة خيارا غير مساندة تنظيم الدولة الإسلامية كما فعلوا مع تنظيم القاعدة في العراق في السنوات التي تلت الغزو الأميركي في 2003. ومردّ ذلك، سبب وجيه، يتعلّق بالممارسات الطائفية للميليشيات الشيعية، فمثلا، تصف الروايات مدينة تكريت، ذات الغالبية السنية، حيث هزمت قوات عراقية حكومية بقيادة الميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية، بأنها “مدينة أشباح يحكمها مسلحون”.

وفي سياق متصل تتحدّث التقارير عن عمليات تطهير عرقي في مدينة جرف الصخر الواقعة في وادي الفرات. ويبقى هناك خوف في بقية المحافظات، ذات الأغلبية السنية، أيضا من مذابح وتطهير إذا دخلت الميليشيات الشيعية هذه المحافظة بالقوة، ففي هذه الحالة سيكون هناك دائما مكان لتنظيم على شاكلة القاعدة أو الدولة الإسلامية أو غيرهما مهما كان متوحّشا، من أجل الدفاع عن السكان السنة المضطهدين. ويبدو أن الشيء الذي يفهمه الجميع في العراق، ولا يفهمه أحد في الولايات المتحدة، هو أن تنظيم الدولة الإسلامية ليست إلا عارضا من عوارض الحرب الأهلية وليس تهديدا منفردا.

السبب الحقيقي لعدم نجاح أي مسعى

المشكل الأساسي الذي يكمن وراء كل وجه من أوجه السياسة الأميركية تجاه العراق هو أن “النجاح” مثلما تعرّفه واشنطن يتطلب من كل الفاعلين العمل ضد رغباتهم وحوافزهم وأهدافهم لتحقيق الأهداف الأميركية. السنة في حاجة إلى حام وهم يناضلون من أجل موقع لهم في الحياة السياسية، إن لم نقل من أجل أسباب البقاء الدنيا، في عراق من طراز جديد، والحكومة الشيعية في بغداد تسعى لغزو المناطق السنية والسيطرة عليها. بينما نجد أن إيران ترغب في تأمين أن يكون العراق دولة تابعة وتستعملها للوصول إلى تحقيق نفس السيناريو في سوريا. أما الأكراد فيريدون دولة مستقلة.

وعموما لكي ينجح “المخطط” الأميركي، على أبناء العشائر السنية أن يقاتلوا السنة التابعين لداعش لدعم حكومة شيعية التي قمعت احتجاجاتهم السلمية وأقدمت بمساعدة إيرانية على نبذهم وقتلهم. أما الأكراد فعليهم القتال في سبيل دولة وطنية عراقية هم يريدون الاستقلال عنها. وهذا ما لا يمكن أن يكون.

7