"تواشجات" علي رضا سعيد تعيد بناء واقع مختلف

معرض فني للفنان التشكيلي العراقي علي رضا سعيد يبرز تفاعلات الذات مع اليومي والسياسي.
الأربعاء 2020/03/04
لوحات تمزج بين الحياة وعوالمها

عدّ معرض "تواشجات معاصرة" للفنان العراقي علي رضا سعيد تأكيدا على العلاقة بين الإنسان والحياة ومثّل حالة مشرقة في وعي الذات المفتوحة على عصر تلاق وتمازج وانفتاح على الآخر في مختلف الممارسات الثقافية لاستكشاف الابتكار والتعدد والتنوع الفني.

ويرى الفنان علي رضا سعيد أن التواشج بين الفن والحياة يتجلى عبر الأعمال الفنية التي عرضها في معرضه "تواشجات معاصرة"، الذي أقيم نهاية فبراير الماضي في قاعة الأورفلي بالعاصمة الأردنية عمّان.

وكان المعرض بمرتبة مشاهد تتنوع وتتمازج فيها محاور وإحساسات وأفكار ولمحات لأماكن وأحداث متعددة لأزمنة مختلفة تعبر عن مفهوم الذاتية، وهي تلك الميولات والرغبات والأهواء والانفعالات ومختلف الاعتقادات والآراء الشخصية التي يميل إليها الإنسان.

فنان يتحيز للقيمة الإنسانية
فنان يتحيز للقيمة الإنسانية

فالمعرض مزج بين مقولات الحياة وعوالمها واللوحات الفنية التي حملت صورا لدلالات حسية ومرموزات نتلمسها عن طريق الامتلاء والاحتدام والتكرار والتواشج بين شخصيات اللوحة ليتمخض تقنيا هذا النسيج الفني، الذي يدعو إلى الصمت والتأمل لفضاء اللوحة وليعيد بناء حلم أو واقع لزمان مختلف.

وبالنسبة للوحات التي يغلب عليها الأسود والأبيض أو كما سماها الفنان العراقي (رماديات) فهي تخضع إلى توزيع مختلف في النور والظل، الذي لا ينفصل عن الحالة النفسية، التي يعيش تفاصيلها وهو ما يميز تجربته الفنية، التي لها خصوصيتها في التعبير وتقنياتها في التصوير، الذي يعتمد اللعب على استخدام الخطوط وتنوعها ومعالجة الملء والفراغ والظل والنور الذي يولد إيقاعات تترجم طاقة الفراغ إلى أشكال تحمل روحا وتعبر عن أحلام يقظة نتلمسها في تلاحم الأجساد وتواشجها مع بعضها لتذكر بأصولها الرافدينية القديمة التي تمثل مشاهد مشرقة في تاريخ الحضارات القديمة.

ويقول الفنان والناقد الأردني محمد العامري إن "الفنان علي رضا لم ينقطع عن التحولات الإنسانية على الصعيد العربي عامة وعلى الصعيد العراقي خاصة، فشكلت له الأحداث الإنسانية المؤلمة مادة خصبة لتحويلها إلى خطاب ثقافي بصري يتجلى في مجمل تجربته التي تقوم على أكثر من مسار، منها مسار التقنية التي أسهمت في وجود أحفورات بارزة وغائرة في جسد اللوحة، ومسار آخر يتجلى في منطقة الرسم والتلوين منتصرا بذلك لموضوعة المكان الممثلة في الغالب بصفات الجدار وثقوبه وذوبان الشكل الإنساني بعناصر المكان ورموزه".

ويتحيز الفنان علي رضا، الذي يقيم منذ غزو العراق في تونس، للقيمة الإنسانية من باب الرسالة العليا للفن، التي تكشف عورات السياسي ولصوص الأوطان، فهو ابن هذه التجربة فوجوده بعيدا عن مرابع الطفولة والذكريات جعل من لوحته مدونة بصرية تحمل الماضي وتنقد الحاضر، فهو فنان يكشف الفَقْد وما آلت إليه الحياة في الشتات.

وكانت موضوعة الحرب من المؤثرات الفاعلة في طبيعة العناصر المستخدمة في أعمال علي رضا سعيد، تحديدا الأعمال التي عنوانها "المدينة العتيقة" والتي تنتظم في سياق الذاكرة البعيدة وتجلياتها في المخيلة إلى جانب مقاربات الماضي التليد بالواقع اليومي الآن، فهي مخزون من الصور المتلاحقة التي تهجم على اللوحة ليقدمها الفنان عبر جمل جمالية مؤلمة.

يمكن القول إن الفنان علي رضا سعيد استطاع أن يقدم صيغة جمالية تخصه في تفرد صياغاته وعناصره وطرائق معالجتها وبنائها في العمل الفني، فأصبحت بصمته الفنية بائنة بلا مواربة، ولعل ذلك ما تنبأ به الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي، عندما زار المعرض الثالث للفنان، والذي أقيم في عمان أيضاً، سنة 1993، وكتب له: "معرض الفنان علي رضا سعيد رحلة لونية في فضاء الأشياء تشدك إليها هذه الخطوط العراقية المتعانقة المتداخلة من أجل النور والمزيد من النور"، أو ما وصف به الناقد والأديب جبرا إبراهيم جبرا أعمال الفنان التي عرضها في معرضه الثاني ببغداد سنة 1988، حيث قال "تخطيط قوي حركي شديد الإيحاء يستفيد منه الفنان منطلقا نحو شاعرية غنائية، فيها الكثير من المأساة والكثير من الحب وتبقى الحرائق رمزا لاصقا بعواطفه وإنسانيته، ومحفزا لرؤيتنا الداخلية وأحلامها".

Thumbnail