تواصل أزمة السيولة يهدد مستقبل الصناديق الاجتماعية في تونس

صرف رواتب المتقاعدين لا يعني إنهاء الأزمة، وخبراء يقولون إن تونس تأخرت في إصلاح المنظومة الاجتماعية.
السبت 2018/04/28
الضغوط الاقتصادية تؤرق كل الفئات العمرية في تونس

تونس – استكملت الحكومة التونسية صرف رواتب المتقاعدين بعد تحركات احتجاجية، في الآونة الأخيرة، نددت بتأخر الصناديق الاجتماعية في الالتزام بتعهداتها المادية تجاههم (المتقاعدون)، في خطوة وصفها خبراء بمجرد حلول مؤقتة لن تنهي الأزمة باعتبار ما تشهده البلاد من أزمة سيولة حادة.

وأعلن المدير العام للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية عماد التركي، الخميس، في تصريحات للوكالة التونسية الرسمية أنه “وقع إتمام صرف كامل رواتب التقاعد”، موضحا أن “تأخر صرفها يرجع إلى نقص السيولة التي يعاني منها الصندوق وارتفاع عدد المتقاعدين بـ1500 متقاعد جديد في غضون شهر واحد فقط”. وتقدر إحصائيات رسمية أن العدد الجملي للمتقاعدين في تونس من القطاعين العام والخاص يصل إلى حوالي 850 ألف شخص.

وكشف التركي أن “الصندوق تمكن من استكمال توفير المبلغ المالي اللازم لتأمين بقية الرواتب عبر الموارد الإضافية التي ضختها وزارة المالية بميزانيته والمقدرة بحوالي 35 مليون دينار”. ويعتمد الصندوق عادة على المساهمات المالية، التي يتحصل عليها من قبل مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية، من أجل توفير المبالغ المالية اللازمة الخاصة بالرواتب، لكن هذه المساهمات لم تتوفر في الأشهر الأخيرة، حيث تخلفت العديد من المؤسسات العمومية عن دفع مساهماتها لشهر أبريل الجاري.

واعتبر خبراء اقتصاد أن العجز في صرف الرواتب يعود إلى توزيع المساهمات المالية الخاص بالصندوق على نفقات أخرى كنفقات الطلاق في حين أنها مخصصة أساسا للمتقاعدين. ورأى الخبراء أن تغافل الحكومة عن هذا التمشي غير الناجع في استغلال المساهمات يهدد مستقبل المنظومة الاجتماعية ككل، كما يكشف أن الصندوق سيتخلف مجددا عن صرف الرواتب، الأمر الذي سيقود إلى احتقان اجتماعي جديد.

ويعتقد هؤلاء أن كل تخلف جديد عن الإيفاء بالحقوق المادية للمتقاعدين يعد خطوة غير أخلاقية في حقهم، وسيفقد الشعب الثقة في فريقه الحكومي الذي بات عاجزا عن صرف راتب هو حق طبيعي للمتقاعد، الذي اقتطعت على مدى سنوات طويلة أموال من راتبه الوظيفي لتوفير تأمين اجتماعي بعد إنهاء مشواره المهني.

وأوضح رضا الشكندالي أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية لـ”العرب” أن “تونس دخلت منذ سنوات في عجز هيكلي مرده سوء التصرف في المساهمات التي تدخل للصندوق وذلك لتكفله بنفقات أخرى على غرار صرف رواتب المتقاعدين”.

ودعا الشكندالي إلى “ضرورة ترشيد النفقات بصفة لا تكون على حساب المتقاعدين وإلى تدقيق مالي حتى يقع التعرف على أسباب العجز”. محذرا من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تونس والتي نجم عنها تراجع المساهمين.

وكشفت الحكومة عن عجز مالي كبير في الصناديق الاجتماعية والحاجة الملحة للبدء بإصلاحات عاجلة، في الوقت الذي تشكو فيه من ضغوط قطاعية أخرى لأجل زيادات في الأجور من بينها قطاعا التعليم والصحة.

رضا الشكندالي: لا يوجد منطق اقتصادي يبرر عجز الحكومة عن صرف رواتب المتقاعدين
رضا الشكندالي: لا يوجد منطق اقتصادي يبرر عجز الحكومة عن صرف رواتب المتقاعدين

وأردف “هذا جهدهم منذ سنوات ومن غير المعقول أن تقصر الدولة في حقهم.. وليس هناك منطق اقتصادي يبرر عجز الحكومة عن صرف رواتب المتقاعدين”. وشرح الشكندالي وجهة نظره قائلا “كان من المفروض مع زيادة الأجور أن تزداد معها المساهمة في تمويل الصناديق”.

واستدرك بقوله “لكن تبين أن الحكومة مقصرة وتتحمل المسؤولية”. وأضاف “لقد أسهمت الحكومة في الأزمة الحالية للصناديق فعلى المستوى الاقتصادي لا توجد إشكالية في صرف الرواتب لأن الصرف يتم عبر العملة المحلية أو عبر قروض داخلية، لذلك لا نجد مبررا يجعل الحكومة عاجزة في توفير الحقوق المادية للمتقاعدين”.

وأثارت مسألة تأخر صرف الرواتب استياء المتقاعدين، خاصة وأن قطاعا واسعا منهم يعيشون ظروفا اجتماعية واقتصادية صعبة، تتزامن مع موجة غلاء الأسعار في تونس. وسيؤدي تأخر صرف رواتب المتقاعدين إلى تردي أوضاعهم المعيشية وذلك لأن راتب التقاعد يمثل الدخل المالي الوحيد بالنسبة إليهم.

وأقرت الحكومة التونسية أن المنظومة الاجتماعية في خطر، وأنها تتطلب إصلاحات عاجلة، وأوضح رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن الصعوبات التي تعيشها المنظومة الاجتماعية “متأتية أساسا من وضعية الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”، إذ قال إن عجزهما “بلغ حدا غير مقبول تفرض تغطيته ضخ مبلغ شهري يقدر بـ100 مليون دينار”. وصرح الشاهد بأن تواصل هذا الوضع الصعب “سيتسبب في عدم القدرة على صرف رواتب المتقاعدين”.

لكن خبراء شككوا في قدرة الإصلاحات على احتواء الأزمة. واعتبر عزالدين السعيدان الخبير الاقتصادي في تصريحات لـ”العرب” أن “تونس تأخرت في إصلاح الصناديق الاجتماعية كما أن المفاوضات مع الطرف الاجتماعي لم تكن سهلة ولم تأخذ بعين الاعتبار الصعوبات المادية جراء أزمة السيولة الحادة”.

وتعول الحكومة لتجاوز هاته الأزمة على إقرار إصلاح شامل للصناديق الاجتماعية بدعم من الشركاء الاجتماعيين (اتحاد الشغل ومنظمة أرباب العمل)، وتعتقد أن ذلك سيضخ روحا جديدة في الصناديق الاجتماعية وتمكنها من مصادر مالية إضافية تساعدها على تجاوز الأزمة التي تتخبط فيها. ومن بين الإجراءات التي اقترحتها الحكومة الترفيع في سن التقاعد والرفع من المساهمات الشهرية للصناديق.

وبين سعيدان أنه “بسبب تراجع المساهمات وأزمة السيولة اضطرت الدولة إلى الاقتراض من البنوك التونسية حتى تستطيع صرف رواتب المتقاعدين”. لافتا إلى أن “الحكومة اقترضت في مارس الماضي 600 مليون دينار لصرف الرواتب و400 مليون دينار في أبريل الجاري”. وحسب سعيدان يدفع العجز المالي للحكومة إلى التساؤل عن قدرتها في مواصلة الالتزام بتعهداتها المالية سواء كانت داخلية أو خارجية. وقد اعترف مسؤلون، الخميس، أن التأخر في صرف الرواتب يعود إلى عدم استخلاص ديون تصل إلى 660 مليون دينار لفائدة بعض الوزارات والمؤسسات العمومية وهو ما أدى إلى اختلال ميزانية الصندوق.

كما يعزو المسؤولون اختلال ميزانية الصندوق إلى توقف الانتدابات منذ عام 2017 باعتبارها كانت مصدرا لاقتطاع المساهمات المالية من الأجور، تزامنا مع ارتفاع عدد المتقاعدين في ظل عدم إصلاح النظام العام لعملية التأجير. ويؤكد هؤلاء أن الحكومة ستناقش إجراءات عاجلة مع الأطراف الاجتماعية لحل أزمة الصناديق ولإعطاء نفس مالي جديد للصناديق الاجتماعية.

وتقول الحكومة إن ضمان صرف الرواتب شهريا يتطلب إصلاحا وتواصلا لمجهوداتها المشتركة مع وزارة المالية لدعم الصندوق، لكن في غياب ذلك ومع استمرار الوضع لما هو عليه، فإن مشكلة التأخير قد تتكرر مرة أخرى.

4