تواصل طعامي

الأربعاء 2018/01/24

الأكل ليس سمة بهيمية دائما، وحين تجعله المعارف والثقافات محورا للتأمل والتمثيل فلتجاوز لحاءاته الحسية، لهذا لم انحز يوما لتلك الأمثال العربية التي تجعل الطعام في عداء مع الكتب، ولا لتلك المأثورات التي تعارض بين الذهنيات والكؤوس والصحون، وبين الذكاء والولع بالوصفات الرفيعة.

صحيح أن الغواية الطعامية ليست موضوعا فنيا أثيرا، فالمثير هو ما يقترن بها من غرائز وفتن وزيغ سلوكي؛ ذلك أن لحظات الجلوس إلى الموائد، والتقطيع والتناول، لم تسترع اهتمام الروائيين والسينمائيين والمسرحيين بوصفها تفاصيل انسانية مقيمة، إلا في اقترانها بالسجايا الأخلاقية، أي بما هي سند لتخييل كياسة أو توحش، وتسويغ طبع أو تصرف،…

بيد أن الشيء الأكيد أن علاقتنا بما قد يوضع أمامنا في مأدبة، أو نقدمه للآخرين الضيوف، هو أجلّ من مجرد استعراض لمهارة وذوق، إلى استبطان كنه علاقتنا برمزيات الجامد المثير والضامن للحياة.

ولعل ما يبدو لافتا للانتباه منذ الوهلة الأولى في اللوحات التي سعت لتمثيل لحظة “العشاء الأخير” للسيد المسيح، وهي من أكثر الصور تداولا في اللاهوت المسيحي وتاريخ الفن، أنها لم تستهدف تمثيل التواصل الطعامي فحسب، وإنما سعت في أغلب نماذجها الفنية الشهيرة منذ ليوناردو دافيشي، إلى تشخيص لحظة انتقال الطعام من الماهية الجسدية إلى الروحية، وتبعا لذلك كفت عن قرن الأكل بحسية مبتذلة، وشحنته بإيحاءات عاطفية ملغزة، تلك التي سترتقي بعد ذلك لتجعل الخبز جسد المسيح والنبيذ دمه.

لكن سرعان ما سنكتشف مع تواتر روايات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الأوروبية، أن الغواية الطعامية شيء مختلف عن الفتنة الجنسية التي تسبر لذاتها، ولما تستنفره من سجايا أسلوبية متغايرة، وستتجلى لحظات الأكل غالبا بوصفها فرصة لتصوير الاختلال، وما يفضي إليه من مآرب السخرية والهجاء والتمثيل التهكمي.

بينما سيختصر الطعام السينمائي منذ النصف الأول من القرن الماضي بما هو فجوة توتر كلامي وانفعالي عابر، فالطعام لا يوضع إلا ليكون جسر تواصل رمزي، كما في الفيلم الفرنسي- الإيطالي الأشهر “الوليمة الكبرى” لماركو فيريري، حيث يتحول الأكل إلى معبر للموت السعيد.

وحين استفحلت في الآونة الأخيرة حفلات الاستقبال التي تمد فيها الأسمطة على هامش الندوات والمؤتمرات الثقافية والمعارض الفنية، فلأنها أضحت عتبة للتمييز بين الأهواء والطبائع والطبقات والثقافات، بقدر ما باتت الحلقة الأكثر إنتاجا للتواصل السلس، والتخفف من جهامة المنصات، بوجودها تنجح البرامج وبغيابها يغيب الجمهور، وقد يقال فيها كل شيء، لهذا غالبا ما تنطوي الأنشطة بعد رفع الأسمطة.

كاتب مغربي

15