تواطؤ السياسي العراقي بذريعة الطائفة

الأربعاء 2016/11/09

كانت سنوات حزينة وسيئة، ولم تزل، تلك التي قدمت بعد عام 2003. لا فقط لجهة احتلال العراق والتداعيات التي خلفها، ولا الخراب الذي لحق بمنظومة الأمن العربي، وإنما لجهة ممارسات ذات طبيعة إكراهية ألزمت الواقع العراقي بها وعملت على ترسيخها منذ ذلك التاريخ. تشخص إحداها محاولات التأكيد على ميول “الطائفة” بكونها حلا سياسيا، وهوية مجتمعية تعرّف بصفة المواطنة، والموالاة للآخر، الأجنبي، بذريعة توطيدها. ذلك ما عملت عليه أحزاب الإسلام السياسي مجتمعة، تلك التي شاركت في تأثيث المشهد السياسي وأدارته، منذ ذلك العام وإلى الآن.

لم تعد “الطائفة” في صورتها الاجتماعية، علاقة تؤثث مبدأ التكافل المجتمعي، أو رافعة للسلم الأهلي، كما كان عليه العراق في السابق، بل باتت عنوانا سياسيا بتوظيف ديني، حشرت فيه المصالح والنزاعات والثأر، ومدعاة للتباهي والاستقواء وفرض تمثيلاتها بالقوة في المؤسسات كما في الفضاء المديني، كما توصلت إلى أن تصبح أحد أوجه التبعية والتواطؤ مع الآخر المماثل، والمجاهرة بالاحتماء به.

عبر هذا التصنيف، الطائفي، سيصار إلى تأطير المشهد السياسي العراقي ومأسسته، واختزاله بوصفه تعبيرا عن ميل عقائدي راسخ لا يمكن الفكاك منه، ومؤهل كي يحكم بإطلاقيته التنويعات الجمعية للمجتمع، وليتم من خلاله توجيه التنازعات السياسية والانتماءات الإثنية والمصالح الفئوية، ووصم العراق بها كحقيقة لا يمكن تجاوزها، بوصفها بنية الهوية الوطنية الجامعة، أي بما يساوي الحقوق ومبادئ العدالة والمساواة وانتماءات المواطنة والدفاع عنها.

هكذا أرادت الأحزاب المتأسلمة الحاكمة في البلد، أن تكون المنهجية الطائفية التي تغذّت من فساد المال السياسي، هي الموجهة في العراق الراهن، ودلالة تعبير كلية عنه.

مثل هذه الطائفية، باتت الآن مختلفة تماما، لقد تخطت مرجعياتها الداخلية، وتوسعت بأثر تداعيات معركة استعادة الموصل، إلى صبغة إقليمية، طرفاها كل من إيران وتركيا.

لا علم لأحد، حول كيفية توكيل تلك الأحزاب لأنفسها اختلاق فرصة يكون فيها العراق مرتهنا كساحة صراع، بمصالح كل من تركيا بذريعة تمثيل السنة والأقلية التركمانية والخشية عليهم من بطش أذرع إيران، بلد الولي الفقيه الذي يحتفظ بدور مماثل يدعي حمايته للشيعة؟ صورة الاختلاف هذه، باتت واضحة في ميدان حديث، هو معارك استعادة الموصل، التي قد تبدو في نتائجها اللاحقة مؤشرا يعزّز من تقاسم خارطة تحالفات تلك الأحزاب وسياسييها ما بين الدولتين، ما يعني وضع اليد على صناعة القرار في العراق عبر ولاءات متبادلة يتقدمون بها، وإلى أجل غير معلوم، وبما يجعل البلد يكشف عن نفسه ثانية، كساحة لصراع آخر مرتقب، لكنه من نوع آخر.

الكثير من السياسيين العراقيين يذهبون إلى طهران لكسب ودّها، وقلة مثلهم يتملقون تركيا لكسب ود مماثل، والتي تزاحم، بدورها، على احتلال موطئ قدم في الواقع العراقي.

إيران الشريك الذي يوازي تأثير أميركا في إدارة أزمات العراق منذ احتلاله، والموجه لسياسييه بالقوة أو بالفعل، بات يستشعر خطر الوجود التركي، في محاولة لاقتسام النفوذ. هذا الخطر الذي لم يكن في حدود السياسة والاستشارة العسكرية والحضور الرمزي الخفي، المتمثل بقيادات ومجاميع من الحرس الثوري الإيراني، بل في شكل قوة عسكرية، بواقع الآلاف من المقاتلين في قاعدة بعشيقة، مع حليف يتألف من الآلاف من المقاتلين الآخرين من أهالي الموصل، تم تدريبهم من قبلها وبمسمى “الحشد الوطني”، والذين يشرف عليهم محافظ الموصل المقال أثيل النجيفي. يضاف إلى هذا الوجود العسكري نشر وحدات مدرعة الأسبوع الماضي، في محافظة سيرناك الجنوبية المحاذية للحدود مع العراق، والتي صرح خلالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن “رد أنقرة سيكون مختلفا” للفصائل الشيعية المسلحة، إذا قامت الأخيرة “بالتسبب في الإرهاب” في بلدة تلعفر التي تسكنها أغلبية تركمانية.

وجود تم إعادة تبريره ودعمه، كذلك، حينما طالب المشاركون في مؤتمر “نداء الموصل.. معركة الموصل وتداعياتها على المنطقة” الذي نظمه المنتدى السياسي الدولي، الأسبوع الماضي، في مدينة إسطنبول بمشاركة تركيا في معركة استعادة محافظة نينوى، معتبرين مشاركتها “ضمانة” لعدم حصول صراع طائفي في المدينة، ومنع الممارسات الطائفية ضد “السنة”، ومعبرين عن “رفضهم الممارسات الطائفية بحق أهل السنة في العراق، والتي اتخذت صوراً عدة من بينها القتل والتهجير القسري والتهميش ما أدى إلى نزوح عدد كبير منهم”، فيما يواصل قياديون في ميليشيا الحشد الشعبي إطلاق تصريحات تدعي أن الإيرانيين قدمّوا للعراق السلاح والدم من أجل الانتصار على داعش، وحماية شيعة العراق من أفعالهم الإرهابية، مبررين عبر هذه الأقاويل تدخلات الحرس الثوري في شخصية قاسم سليماني ومستشاريه الإيرانيين، والذي يتواجد على الأراضي العراقية بطلب من حكومتها كما يدعي نائب رئيس ميليشيا الحشد الشعبي، الذي وصف، بدوره، تواجد القوات التركية في العراق بكونها قوات محتلة. وهو الرأي الذي تشترك فيه حكومة بغداد.

صورة “إيران” التي تدعي مناصرتها لشيعة العراق، تقابلها “تركيا” الداعمة لسنته، كما صرح مسؤولوها بذلك. صورتان تكشفان عن استعدادات لصراع بات مرتقبا في العراق، بأثر الهيمنة عليه، والأخيرة (تركيا) لم تعد تألو جهدا في التقدم كي لا تتأخر في تأثيث هذه المشاهد بمكاسب قادمة، قد تتحقق من الموصل إلى شمال سوريا، ما يعني تقليص مناطق النفوذ لدى إيران.

مثل هذا التنافس أو الصراع، سوف لن يخلو من استعادة السياسي العراقي، لشهيته الطائفية مرة أخرى، والتي تم تأجيلها قليلا منذ احتلال داعش ثلث البلد قبل عامين، والتي ستمنح لتلك المواجهة المرتقبة وتداخلاتها بين تركيا وإيران شرعيتها، بذريعة الحفاظ على الطائفة، وليس النظر إليها على أنها تدخلات دول أجنبية. ذلك ما يشكل مناسبة لهم، كذلك، لتعزيز وجودهم السياسي، الذي أصبح في نظر العراقيين محنة تستدعي التخلص منها. جميع السياسيين هؤلاء، بانتظار ما ستسفر عنه معركة استعادة الموصل، كي يستعيدوا فاعليتهم في التواطؤ خارج الحدود بذريعة الطائفة، حتى وإن كان الثمن هو العراق، خاصة وأنهم على أعتاب انتخابات قادمة في العام القادم.

كاتب عراقي

8