توافقات وخلافات الثلاثي الروسي الإيراني التركي

القمة الثلاثية التي عقدت في طهران تمخضت عن تصميم روسي على استمرار قتال ما يعتبر جماعات إرهابية، مع كلام عن عدم استهداف المدنيين، وعن تلاعب إيراني.
الثلاثاء 2018/09/11
الخلافات أكبر من التوافقات

لعل أهم ما يمكن ملاحظته من وقائع القمة الثلاثية، التي عقدت في طهران، الجمعة الماضي 7 سبتمبر، والتي جمعت كلا من رؤساء روسيا، فلاديمير بوتين، وتركيا، رجب طيب أردوغان، وإيران، حسن روحاني، والتي خصّصت لمناقشة الوضع في المدينة السورية إدلب، أولا، أن السوريين، نظاما ومعارضة، باتوا خارج المعادلات المتعلقة بتقرير مستقبل سوريا، أي مصير شعبها ونظامها السياسي، إذ لم يكن لهم أي حضور على الطاولة، ولا حتى بالوكالة، لأن الأطراف الحاضرة تمثل نفسها ومصالحها، قبل أي أحد آخر.

ثانيا، أفادت مخرجات القمة بأن الخلافات بين حكومات الدول الثلاث المنخرطة في الصراع السوري أكبر من التوافقات بينها، إذ ثمة لكل دولة، من تلك الدول (روسيا وإيران وتركيا)، أجندات وأولويات ومصالح ورؤى تختلف عن الدولتين الأخريين، وهذا ما تمت ملاحظته من التوتر الذي ظهر بين كل واحد من الرؤساء الثلاثة، سيما الروسي والتركي بخصوص الهدنة والمصالحة.

ثالثا، يتّضح من هذا المؤتمر أن ثمة فراغا كبيرا في طاولة المتباحثين، لا يمكن جسره، ولا المرور عنه ببساطة، وهو المتمثل في غياب الولايات المتحدة الأميركية، التي تملك وحدها الإمكانيات والقدرات اللازمة لحسم الصراع السوري في أي اتجاه كان، وتاليا هي التي تملك الإمكانيات والقدرات، أيضا، لتحقيق الاستقرار وإعادة البناء في هذا البلد، بعد ثماني سنوات تقريبا من الصراع الضاري والمدمر، مع إضافة “بسيطة” مفادها أن الولايات المتحدة تلك تسيطر على ثلث الأراضي السورية بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، ولا سيما شرقي الفرات، وعلى الحدود السورية-العراقية، وهي البقعة التي تضم المنطقة الأكثر امتلاكا للموارد في سوريا.

رابعا، رغم كل ما تقدم من المفترض أن الملاحظات المذكورة لا تغفل فاعلية الدور الإسرائيلي، فهذه الدولة الصغيرة، تمتلك في ذاتها من عوامل الضغط، كما تمتلك تأثيرا على الدولتين العظميين (الولايات المتحدة وروسيا)، أكثر بكثير مما تملكه الدولتان الكبيرتان الأخريان، أي تركيا وإيران، وذلك بحكم نفوذها السياسي وقوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية، إلى الدرجة التي لا يمكن معها التقرير بمستقبل سوريا، دون ملاحظة دور العامل الإسرائيلي، إن المباشر أو غير المباشر، أي عبر الولايات المتحدة وروسيا.

تركيا تقف في وضع حرج سواء إزاء توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة، أو إزاء خذلانها من قبل الطرف الروسي، الذي بدا مصمما على إنهاء الوضع في إدلب بالسلاح

بعد هذه الملاحظات قد يجدر بنا التذكير هنا بأن هذه القمة هي الثالثة من نوعها، بين الرؤساء الثلاثة، التي تخصّص لبحث المسألة السورية، منذ إطلاق مسار أستانة التفاوضي مطلع العام الماضي، والذي تمخّض عنه ما سمي “مناطق خفض التصعيد”، والتي نجم عنها انحسار نفوذ كيانات المعارضة السورية العسكرية، واستعادة النظام لسيطرته على المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، وهو الأمر الذي حصل بفضل التدخّل العسكري الروسي المباشر، وبواسطة القصف الجوي تحديدا (منذ سبتمبر في العام 2015)، أي منذ ثلاثة أعوام.

القصد مما تقدم هو القول إن التوافقات التي كانت توصّلت إليها الأطراف الثلاثة، خلال العام الماضي، إنما كانت تعبّر عن علاقات القوة بينها، أكثر مما تعبر عن توافقات سياسية ومصلحية، فضلا عن أنها لا تعكس الواقع تماما، في ظل تعمّد الولايات المتحدة ترك الأطراف المعنية للتنافس في ما بينها وتدبّر وضعها في الصراع السوري، خاصة مع قيام إسرائيل في كل فترة بتوجيه ضربات عسكرية، سواء للقوات الإيرانية أو للميليشيات التابعة لها، أو لقواعد النظام، مع التأكيد على وضع خطوط حمراء، تمنع تلك القوات من الاقتراب من الحدود مع العراق، أو من العبور إلى شرقي الفرات، أو الوصول قرب الحدود مع إسرائيل في الجنوب السوري، ولذلك فإن الحديث يدور الآن عن ابتعاد تلك القوات إلى مسافة تقدر بـ80 كلم.

في كل الحالات فإن الأطراف الثلاثة المشاركة في القمة لديها أزمة بينية ومع الأطراف الأخرى، خاصة الولايات المتحدة، كما لديها مشكلة تتعلق بكيفية فرض الاستقرار في سوريا وعودة اللاجئين وإعادة الإعمار.

على ذلك، فإن روسيا مثلا، لا تستطيع أن تعزز مكانتها من دون التفاهم مع إيران وتركيا، كما لا تستطيع عمل شيء لإعمار سوريا، وهي منهكة اقتصاديا بسبب تردي أسعار النفط، والعقوبات الأميركية المفروضة عليها، فما الذي ستفعله روسيا كي تستطيع استثمار دورها في سوريا، بمعزل عن التوافق مع الإدارة الأميركية؟

ومن جهتها فإن إيران تعاني كثيرا من إنهاء الولايات المتحدة الاتفاق في الملف النووي، كما من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والمتوقع أن تشتد في نوفمبر القادم، ناهيك أنها مستنزفة كثيرا اليوم في العراق وسوريا.

القمة هي الثالثة من نوعها، بين الرؤساء الثلاثة، التي تخصّص لبحث المسألة السورية، منذ إطلاق مسار أستانة التفاوضي مطلع العام الماضي

أما تركيا، فإنها تقف في وضع حرج سواء إزاء توتر علاقاتها مع الولايات المتحدة، أو إزاء خذلانها من قبل الطرف الروسي، الذي بدا مصمما على إنهاء الوضع في إدلب بالسلاح، من دون تقدير لحساسية الموقف التركي، ناهيك عن شعور تركيا بأن موقفها من القضية السورية بات يفتقد للصدقية، مع انخراطها في هذا التحالف الثلاثي، والذي تحدث عنه الرئيس أردوغان بمرارة، حينما خاطب الطرفين الآخرين في اجتماع القمة بأن مناطق خفض التصعيد انتهت بتمكين النظام من إعادة السيطرة عليها وأنه لم يبق إلا منطقة ادلب، محذرا من كارثة إنسانية في حال تم استهدافها، مطالبا روسيا وإيران بتفهم ذلك، ووقف أي عمل عسكري، وإقامة نوع من هدنة تمكن تركيا من العمل في هذه المنطقة وفرض المصالحة، وإنهاء الجماعات الإرهابية.

باختصار، فإن القمة تمخضت عن تصميم روسي على استمرار قتال ما يعتبر جماعات إرهابية، مع كلام عن عدم استهداف المدنيين، وعن تلاعب إيراني، إذ أن إيران تريد أن تمسك العصا من الوسط، أي لا تريد أن تنتهي المسألة، ولا أن تعقد هدنة، وإنما تريد استمرار الصراع، لأن إنهاء روسيا للوضع في إدلب سيعزز الوضع الروسي على حساب إيران، كما أنه سيضعف الدور الإيراني. أما عقد هدنة فهذا لا يفيد إيران لأنه سيعزز موقف تركيا على حسابها. ويبقى أن تركيا في هذا الاجتماع بدت في موقف ضعيف، ومخذولة من الشريكين الآخرين في مسار أستانة، إذ لم تتم الاستجابة لحساباتها ولا لحساسية وضعها في إدلب. وفي المحصلة فقد اختزلت القضية السورية في تلك القمة باعتبارها قضية محاربة إرهاب، ومشكلة لاجئين، وتأمين حاجات إنسانية.

ولعله من باب السخرية والغطرسة أو الاستخفاف بالعقول، تضمّن البيان الختامي للقمة العبارة الآتية “اتّفقت الدول الضامنة لمحادثات أستانة، إيران وروسيا وتركيا، في ختام قمة طهران على أن الصراع السوري لا يمكن أن ينتهي سوى بعملية تفاوض سياسية وليس بوسائل عسكرية”.

9