توافق صيني روسي لخلق توازن عسكري عالمي جديد

تعمل روسيا والصين على تجاوز الخلافات التقليدية بينهما من أجل حسن استثمار الوضع العالمي الراهن وتأثيره على غريمتهما الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا السياق تفيد أحدث التقارير الاستخباراتية الصادرة عن مركز ستراتفور أن موسكو وبكين تخطّطان لمنافسة واشنطن في أكثر مجالاتها قوة وتفرّدا وهو المجال العسكري.
الجمعة 2015/08/28
مناورات عسكرية ضخمة ومكثفة بين روسيا والصين.. استعراض للقوة ورسائل موجهة للولايات المتحدة وحلفائها

موسكو - تعمل روسيا والصين على استغلال سياق الأزمة الأوروبية وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط والنزاعات في بحر الصين الجنوبي لتغيير أوجه التنافس بينها وبين الولايات المتحدة، والتقليص من نفوذها على صناعة القرار في العالم. ولعلّ من أبرز الدلائل على أن خصوم الولايات المتحدة أصبحوا أكثر جاهزية لمنافسة التحرّكات الروسية الأخيرة في الشرق الأوسط، سلسلة الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين روسيا ودول عربية مؤثرة إقليميا.

ولا تختلف السياسة الصينية كثيرا عن نظيرتها الروسية، في هذا الشأن، حيث تثبت التقارير الاقتصادية حركية كبيرة في مستوى التبادل الاقتصادي الصيني الخليجي، بما يفتح الباب أمام تطور العلاقات على مستويات سياسية ودبلوماسية. وتعتبر الصين أكبر الدول المستوردة لنفط الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تزداد واردات الصين النفطية لتتجاوز الولايات المتحدة في العام 2030 من حيث واردات نفط الشرق الأوسط.

ويلقى التعاون الصيني الشرق أوسطي ترحيبا كبيرا من طرق حكومات دول الشرق الأوسط، وذلك لعدم تدخلها في الشؤون الداخلية لتلك الدول؛ فقد اقتصر التعاون الصيني ودول المنطقة على الأعمال التجارية فقط، إلا فيما ندر على الملف السوري.

وبقدر ما تحمله العلاقات مع دول الشرق الأوسط من مزايا اقتصادية واستثمارية وسياسة، لكل من روسيا والصين، تحمل أيضا بعدا استراتيجيا وتاريخيا خاص بهاتين القوتين يتعلّق بمنافستهما للولايات المتحدة الأميركية؛ فمعروف أن الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم أهمية لدى الولايات المتحدة الأميركية، ومعقلا رئيسيا لنفوذها وتطبيق نظام القطب الأوحد؛ وأي محاولة لضرب هذا النفوذ وخلق توازن عالمي جديد بين القوى يجب أن يكون بمزاحمتها في هذه المنطقة.

حجم ونطاق ووتيرة التدريبات الروسية تدل على جدية الجيش الروسي في أن يكون منافسا نديا لنظيره الأميركي

وتهدف كل من الصين وروسيا في علاقاتهما إلى الحد من الهيمنة الأميركية من خلال دور أقوى لمجلس الأمن الدولي، الذي تملك موسكو وبكين فيه حق النقض، في التعامل مع القضايا الأمنية الملحة، فضلا عن لعبهما دورا أكبر في عالم متعدد القطبية تستطيعان فيه حماية مصالحهما ومصالح الدول الصديقة لهما.

تهديد الانفراد الأميركي

تدرك الصين وروسيا أن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وحدها لن تكون كافية لتحقيق خطوات ملموسة في سباق فرض الندية مع الولايات المتحدة الأميركية، فهذا الأمر يحتاج، بالأساس، إلى تحقيق التقارب على مستوى الجاهزية العسكرية. فمنذ الحرب الباردة يتصدّر الجيش الأميركي قائمة الجيش الأقوى عالميا ودون منازع لما يتميّز به من الدقة والتطور المستمر على مستوى التدريبات التي يخضع لها والتي أهلته لاحتلال الصدارة.

لكن السنوات الأخيرة باتت تنذر بلحاق الغريمين الروسي والصيني بركب الولايات المتحدة الأميركية عسكريا وخلق منافسة شرسة وحقيقية قد تهدد تفرّد الجيش الأميركي، وفق ما ورد في دراسة لمركز ستراتفور للدراسات والأبحاث الاستراتيجية.

لا يزال المحللون والمراقبون يؤيدون فرضية أن الجيش الأميركي أقوى الجيوش في العالم على الإطلاق بالنظر إلى عدة اعتبارات يقدمها هذا الجيش تباعا. فمن جهة هو الجيش الأعلى تدريبا مقارنة بأعدائه، ما يؤهله لضمان النصر في مختلف حملاته الموزعة بربوع كثيرة من العالم. ومن جهة أخرى أن ما ينفق على هذا الجيش من المليارات يجعله الأوسع انتشارا ونفوذا في العالم، إذ تفيد الإحصائيات عن إنفاق الميزانية الأميركية لما يقارب 600 مليار سنويا على الجيش والدفاع الوطني، والأكيد أن مثل هذه الميزانية كفيلة بخلق جيش هائل النفوذ.

روسيا والصيني يلحقان بركب الولايات المتحدة الأميركية عسكريا

وقد حمل الثقل العسكري الأميركي الغريمين الروسي والصيني إلى الاعتراف بقيمة التدريبات العالية للقوات العسكرية. واتجها إلى تكثيف وتجديد برامجهما التدريبية لاسيما في السنوات الأخيرة.

ورغم أن القوتين لن تكونا قادرتين على تجاوز الهيمنة العسكرية التقليدية للولايات المتحدة على المدى القريب، إلا أن النتائج الأخيرة لسياق التطور العسكري المطّرد لكل من موسكو وبكين يحتم على الولايات المتحدة الاستعداد لمواجهة الخصوم الذين يتم تدريبهم على نحو أفضل مما واجهته منذ الحرب العالمية الثانية.

رغم أنه لا يمكن المجادلة حول أفضلية الجنود والطيارين والبحارة الأميركيين على مستوى التدريب، بل إن الجيل الحالي من الجنود الأميركيين قد يكون الأفضل من بين الذين قدمتهم الولايات المتحدة على مر العصور، إلا أن روسيا والصين تداركتا الأمر وانطلقتا في إعداد مخطط للحاق بالولايات المتحدة، حيث اتخذتا خطوات لإصلاح وتوسيع البرامج التدريب العسكرية، بنسق يؤكد تصميمهما على الحفاظ أو حتى تسريع هذا الاتجاه في المستقبل.

في السنوات الأخيرة، سخّرت روسيا إمكانيات ضخمة من أجل دفع قواتها العسكرية إلى الأمام وتطوير آلياتها في التدريب بما يجعلها على نفس خطى غريمتها الأميركية. وضخت أموالا طائلة حيث ذكرت أحدث التقارير أن روسيا احتلت المرتبة الثالثة في قائمة الإنفاق العسكري بميزانية قدرت بـ84.5 مليار دولار.

بدروها، اعتمدت الصين على استراتيجية “الحرب الشعبية”، منذ ولادة جمهورية الصين الشعبية حتى نهاية الحرب الباردة. وتدعو هذه الاستراتيجية إلى الاستفادة من دعم السكّان لهزم قوّات مدربة ومجهزة بشكل أفضل. وكان وضع الجندي الصيني غير ملائم من حيث تلقي تدريب متميز في الحروب التكنولوجية الحديثة.

فرص جديدة لدول الخليج على طول طريق الحرير الصيني
بكين - توجه دول الخليج أنظارها إلى الشرق من خلال السعي إلى زيادة حجم التبادل التجاري مع دول تلك المنطقة، وبالمثل تتطلع الصين إلى زيادة الاستثمار غربا، وقد تمت ترجمة الرغبة الصينية عبر مبادرة “حزام واحد، طريق واحد” (أوبور).

ويذكر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن مبادرة “أوبور” تهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية مع حوالي 60 بلدا في آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط. ولهذه المبادرة هدف واحد هو السماح للشركات الصينية، بما فيها الحكومية، بتوسيع استثماراتها وعملياتها على طول هذا الطريق، الذي يمتد إلى شمال أفريقيا.

وأنشأت الحكومة الصينية، الداعم الرئيسي للمبادرة، صندوق طريق الحرير في فبراير عام 2015، بقيمة 40 مليار دولار أميركي.

ويمكن لدول مجلس التعاون الخليجي استخدام مبادرة أوبور لزيادة نفوذها خارج منطقتها باعتبارها مساهما هاما في الاقتصاد العالمي، وتزيد من الفرص الجاذبة للاستثمارات الأجنبية.

وفي السنوات الأخيرة شهدت صادرات الخليج العربي تغييرا كبيرا في اتجاهها من أميركا الشمالية وأوروبا الغربية نحو آسيا. وأصبحت الصين سوقا ذات أهمية متزايدة بالنسبة إلى الدول الخليجية المصدرة للنفط.

لكن القادة الصينيين أدركوا سريعا أن جيشهم يحتاج للخضوع إلى تغييرات كبيرة ليكون قادرا على مواجهة القوى الحديثة القوية مثل الولايات المتحدة وحلفائها. ومنذ أواخر التسعينات، تكثف التركيز على العقيدة وإدماج التكنولوجيا الحديثة بشكل مطرد في تدريبات الجيش الصيني. وهو ما يفسر ارتفاع ميزانية الدفاع الصينية بنسبة 10 بالمئة عام 2015 وبلغت نحو 145 مليار دولار.

منافسة شرسة

رغم الخلافات بينهما، إلا أن القوات الروسية والصينية تتجهان إلى التعاون فيما بينهما. إذ شهد العام الجاري أكبر المناورات البحرية المشتركة في تاريخ البلدين، والتي من المقرر أن تنتهي اليوم 28 أغسطس.

وفقا للأرقام التي جمعها المجلس الأطلسي، عقد الجيش الروسي ما لا يقل عن ست مناورات عسكرية كبرى تضم بين 65 ألفا و160 ألف فرد بين بداية عام 2013 وحتى نهاية العام 2014. وخلال الفترة ذاتها، لم تتجاوز أكبر مناورة للناتو 6 آلاف فرد. وبما أن حجم التمرين يحدد نوعية التدريب والتعليم، فإن حجم ونطاق ووتيرة التدريبات الروسية تدل على جدية موسكو في أن تكون منافسا حقيقيا للجيش الأميركي.

من جهتها بدأت القوات الجوية للجيش الصيني بإدماج عمليات تدريب متباينة. ومكّنت المناورات مع الجيوش الأجنبية من توفير معلومات قيّمة وتعزيز مناهج التدريب للفروع العسكرية الصينية. ومن غير المرجح أن تخفف الصين من الضغط من أجل الوصول إلى مستوى تدريب أفضل في وقت قريب.

دقّ القادة العسكريون الأميركيون ناقوس خطر حول تضرّرهم من المسائل المتعلقة بالميزانية والتشريعات، وخاصة عمليات العزل، التي تتعرض لها القوات المستعدة ودورات التدريب في السنوات الأخيرة. وفي الوقت الذي يبدو فيه أنه من حقهم أن يعربوا عن قلقهم، من المحتمل جدا أن تخفف طبيعة التكيّف للجيش الأميركي من الآثار السلبية للكونغرس في واشنطن.

وفي ظلّ التطورات الحاصلة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها بتنامي الإرهاب وتغير معادلات وموازين القوى التي خرجت عن نطاق القرار الأميركي المطلق، باتت اليوم أسطورة القوات العسكرية الأميركية، التي لا تقهر ولا يدانيها أحد، في مواجهة خصوم يعملون بوتيرة قياسية ومدربون جيّدا لمجابهة صراعات المستقبل.

ويخلص ستراتفور إلى أنه على الرغم من أن القراءات الأولية ترجّح استمرار الولايات المتحدة في التمتع بميزة التدريب المطلق عالميا في المستقبل، إلا أن التنامي الكبير والمتواصل للمشروعين العسكريين، الروسي والصيني، ينبئ باحتمال اهتزاز هذه المكانة. حيث تعتزم كل من روسيا والصين مواصلة الاستثمار في تطوير قواتهما، على الرغم من تزايد القيود المالية المفروضة عليهما. ومن المرجح أن يستمر التدريب والتعليم لتكون له الأسبقية على غيرهما من المجالات.

6