توافق ضمني على الانقسام في مصر

الاثنين 2015/06/22

في كل دول العالم التي تمر بمراحل انتقالية، عقب حروب أو ثورات، تحدث مشاحنات وتجاذبات، تصل أحيانا إلى حد الانقسام بين القوى السياسية، ثم تقوم الأغلبية بالالتفاف والتوافق حول خطوط عريضة لمشروع وطني معين، لكن في مصر يبدو أن الخصال السابقة تمكنت بصورة أصبح من الصعب اقتلاعها من جذورها.

مر على الخلافات السياسية أكثر من أربع سنوات، ولا تزال متحكمة في عدد كبير من الحسابات، حتى المشروع الوطني الذي حملت نسماته ثورة 30 يونيو 2013 تعرض لقدر من التآكل، أدى إلى تفتت في جسم القوى الرئيسية التي التفت حولها، ودخلت عناصرها في معارك حقيقية وأخرى وهمية، بطريقة زادت الموقف العام ارتباكا، وقادت تداعياته إلى درجة خطيرة من التفسخ، بدأت تجني ثمارها قوى معادية لثورة يونيو.

المشكلة أن مشهد الانقسام طال مؤسسات كثيرة في الدولة، فالأحزاب السياسية دخلت مرحلة حرجة، جعلتها عاجزة على التفاهم حول رؤية محددة لقانون الانتخابات مثلا، الذي تمت حوله نقاشات مستفيضة برعاية الحكومة، ولم تخرج بنتيجة تشي بالوصول إلى مشروع جامع، يصلح لأن تجرى الانتخابات البرلمانية المقبلة بموجبه، وبدلا من التفرغ لتقديم رؤية شاملة لمشروع قانون، انصبت الاهتمامات على تصفية الحسابات.

الأخطر أن التباين بدأت تجلياته تظهر بصورة فاضحة داخل الكثير من الأحزاب المصرية، وأضحت المعارك السياسية عنصرا مشتركا في غالبيتها، ليس فقط بسبب آليات التعامل مع القضايا المطروحة، لكن بسبب تصاعد التراشق بين القيادات الحزبية، كأن هناك من يغذيها لإضعافها جميعا، حيث بدت الخلافات سمة مشتركة داخل هياكل القوى الحزبية، بما حال دول تشكيل قائمة موحدة لدخول الانتخابات، بل حال أيضا دون نجاح كل حزب بتكوين قائمة بمفرده، حتى أنهكت المعارك معظم الأحزاب، ولم تمهلها فرصة للتفكير في المستقبل، وسط حالة من السيولة لحقت بكثير من الهيئات في الدولة.

إذا كان حال الأحزاب مليء بالمناورات والصراعات التي تنخر في مواقفها وأفكارها أسبابه مفهومة، حتى الأحزاب الحديثة انتقلت إليها الأمراض التاريخية ذاتها، من عجز وقصر نظر سياسي، فإن ما يصيب بالحيرة أن الانقسامات ارتفعت بشكل مثير في الجسد الإعلامي، ونشأت سلسلة من الحروب بين عدد من الإعلاميين، كشفت عن حجم كبير من العورات القانونية والمهنية، سمحت للبعض بارتكاب تجاوزات خيالية، وصلت إلى درجة عدم احترام الخصوصيات، والنيل من الحريات الشخصية، وركزت بعض البرامج على إذاعة مكالمات بين سياسيين وقوى شبابية وإعلاميين أيضا، وتوزيع اتهامات بالخيانة والعمالة، الأمر الذي ضاعف الهوة، وساهم في شيوع أجواء من التربص، وصلت إلى ساحات المحاكم.

الحاصل أن إشاعة مناخ الخلافات يبدو أنه تحول إلى مطلب جماعي، من قبل قوى مختلفة، وجهات رسمية متعددة، فقد وجدوا فيه مصلحة أو حاجة يمكن أن تلبي حزمة من الأغراض الخفية، لذلك هناك دوائر تعمل على تغذية الانقسام، بشكل مباشر وغير مباشر، حتى يتسنى تشكيل خريطة سياسية تتناسب مع تطلعات كل فريق، فهذه السمة (الانقسام) أصبح لها مريدون يرعونها ويعملون على تعميقها، وإن اختلفت الدوافع والأهداف.

النظام الحاكم، الذي يملك رصيدا شعبيا جيدا، يفتقر إلى غطاء حزبي، ومع أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حرص منذ توليه السلطة على عدم الانشغال بتكوين مظلة حزبية، إلا أن بعض التقديرات السياسية رأت ضرورة وجود حزب أو أكثر يمثل رافدا للنظام، وبدأت عمليات جس النبض لتكوينه، لكنها أخفقت في الوصول لصيغة مرضية تصلح لتكون رديفا غير مباشر للنظام.

في ظل التباين الذي بدا واضحا حول فكرة الرافد، ظهرت مؤشرات لتكتلات حزبية جديدة يمكن أن تمثل منغصا للنظام الحاكم إذا اكتملت رؤاها السياسية، خاصة أن الدستور منح البرلمان القادم والكتلة التي سوف تنجح في تشكيل الحكومة صلاحيات واسعة، تناطح رئيس الجمهورية، لذلك استخدمت الحكومة الحالية صلاحياتها في الاستفادة من الوقت، والتمهل وعدم الاستعجال في إجراء انتخابات قد تفرز قوى برلمانية لها طموحات تتصادم مع أهداف النظام الحالي، وهو ما ساهم في اتساع نطاق الخلافات بين القوى الحزبية، كما تحول التأخير إلى عنصر سلبي يعمل ضدها، بدلا من أن يكون أحد عناصر الإضافة وإعادة ترتيب الأوراق على أسس إيجابية والتخلص من مخلفات الحقب السابقة.

علاوة على أن عددا كبيرا من الأحزاب تفرغ لتكسير عظام منافسيه، في محاولة لإضعاف موقفهم، أملا في السيطرة على أكبر كتلة برلمانية، وقد نشبت معارك بين قوى حزبية مختلفة، حسبت أن حظوظها جيدة في الحصول على نسبة مرتفعة من مقاعد البرلمان المقبل، غير أن حصيلة المناوشات انتهت بالإساءة إلى سمعة بعض الأحزاب أمام الرأي العام، خاصة أن هناك قوى يقف وراءها رجال أعمال يريدون فرض إرادتهم ورعاية مصالحهم، من خلال الاستحواذ على البرلمان.

الحاصل أن التفسخ الذي يخيم على المشهد السياسي العام في مصر، يفتح الباب أمام المزيد من الصراعات، لأن عدم وجود كتلة حزبية متماسكة، قد يخدم النظام الراهن وتمكينه من الإمساك بالخيوط الرئيسية، لكنه يكشف جملة من العورات، أهمها عدم الاستفادة من تجربة الفراغ الحزبي في عهد نظام حسني مبارك، والذي مكن جماعة الإخوان المسلمين أن تتحول إلى قوة محورية.

وهو ما ينذر بعدم استبعاد أن يستفيد التيار الإسلامي من هذا الفراغ مرة أخرى، ويعاد تكرار المشهد بطريقة أشد ألما، كما أن استمرار الخلافات سوف يفضي إلى تشكيل برلمان مشتت بين قوى كثيرة، الأمر الذي يعيق إصدار تشريعات طال انتظارها، وتدخل البلاد في دوامة متجددة من الانقسامات.

كاتب مصري

9