توافق مثالي بين الإمارات والسعودية: نحو خليج عربي قوي بعقلية جديدة

تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تشكيل لجنة مشتركة مع المملكة العربية السعودية في القضايا الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية بهدف تعزيز العلاقات والدفع نحو توحيد الخليج المنقسم وتمتين أواصر التعاون بين دول مجلس التعاون. وذلك عبر آليات وشراكات مختلفة وجديدة تكسر جمود المؤسسات الخليجية وتحولها إلى جهات مؤثرة ذات فعالية سياسية واقتصادية وأمنية ضمن رؤية تحترم خصوصيات كل دولة من دول المجلس، وترى أن التزام أعضائه بنظامه الأساسي وقواعده لا يمنع الشراكات الثنائية بينهم بل بالعكس قد تقود هذه التجربة إلى مستقبل أفضل إذا تم استغلال الأزمات الراهنة والاستفادة منها في بناء عقلية دفاعية جديدة تؤمّن السعودية والإمارات وتؤمّن أيضا منطقة الخليج العربي.
الخميس 2017/12/07
السير بخطى ثابتة وواثقة

الرياض - جاءت مخرجات القمة الـ38 لدول مجلس التعاون الخليجي، التي عقدت في الكويت، (الثلاثاء 5 نوفمبر 2017)، وسجلت أرقاما غير مسبوقة من حيث قصر مدتها وتدني تمثيلها، لتقدم دليلا ملموسا على صحة التوجه الإماراتي السعودي من ناحية إنشاء لجنة مشتركة للتعاون العسكري والاقتصادي ولتوحيد الخليج المنقسم.

كانت القمة عادية بروتوكولية، اعتبرها المراقبون تسجيل حضور لحفظ ماء وجه مجلس التعاون، رغم أنها انعقدت في ظل أزمات حادة تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وتطال بشكل كبير استقرار دول الخليج العربي.

وكان كافيا أن يتزامن انعقاد القمة، التي وصفت بأقصر قمة في تاريخ اجتماعات مجلس التعاون، مع جريمة تصفية الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على يد الحوثيين ليتأكد هذا الخطر وليتأكد صواب التوجهات السعودية الإماراتية نحو تعزيز التعاون.

 

انتقال إلى مرحلة متقدمة من التعاون

 

اكتفت القمة ببيان ولئن كان مطولا إلا أنه لم يتجاوز عتبة التنديد والرفض دون أن تكون هناك أي إشارة تشي بتحويل التنديد إلى فعل ملموس يحمي الأمن القومي الخليجي ويكون قاعدة صلبة يُبنى عليها مشروع الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.

لكن، حتى يتحقق ذلك فإن المجلس يحتاج إلى مراجعة تنتهي بتطوير العقيدة الدفاعية الشاملة (اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وأمنيا) بما يتوافق ومتغيرات اللحظة التي باتت تختلف كثيرا عن مرحلة الثمانينات من القرن الماضي حين نشأ مجلس التعاون لدول الخليج العربية (1981) بهدف توحيد الموقف في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الصاعدة التي كشفت عن اتجاه معاد للمنطقة.

لا يضمن المجلس بصيغته الحالية تحقيق أي تقدم في مواجهة التهديدات والمتغيرات الإقليمية والدولية، من هنا كان لزاما على دوله التي تطمح إلى الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما من السلم الاجتماعي والرفاه الاقتصادي أن تحمي أمنها القومي وفق ما تراه مناسبا.

وعندما تلتقي السعودية والإمارات ضمن رؤية مشتركة لإدارة المستقبل وبطريقة تضمن أمنهما وأمن الخليج العربي بشكل أشمل، فإن ذلك يحيل إلى وعي رسمي مفاده أن المنطقة مقدمة على مرحلة جديدة، لا مكان فيها لغير المؤسسات ذات الفعالية العسكرية والاقتصادية والسياسية وهدم رهن القرار الخليجي بسياسات خارجية قد تتضارب مع مصالحه وتضع أمنه على محك الفوضى الإقليمية.

 
شراكة شاملة لتعاون أوسع
 

 

وتمتلك السعودية والإمارات مقومات عديدة لإنجاح التنسيق المشترك، فضلا عن توافق سياسي واسع في القضايا الإقليمية والدولية بما يضمن نجاح المسعى الإماراتي لتشكيل لجنة للتعاون والتنسيق المشترك مع السعودية تهدف، وفق وزارة الخارجية الإماراتية، إلى “تعزيز العلاقات وتتولى التنسيق بين البلدين في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية وغيرها من المجالات التي تقتضيها مصلحة البلدين مع منحها كافة الصلاحيات اللازمة لتنفيذ وتسيير أعمالها”.

يأتي تكوين هذه اللجنة بعد سلسلة من التعاون في مجالات مختلفة، حيث وثقت السعودية والإمارات علاقتهما بشكل متين في السنوات الأخيرة، فالقوات الإماراتية مشاركة بقوة في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في حرب اليمن، كما تم مؤخرا التوقيع على خطة عمل اتفاقية المشغل الاقتصادي المعتمد بين الدولتين.

ووصف أحمد بن عبدالعزيز الحقباني مدير عام الجمارك السعودية، هذه الخطوة بأنها تأتي “لتكون ترجمة واقعية لمخرجات خلوة العزم المشتركة بين السعودية والإمارات”.

وكانت العاصمة الإماراتية أبوظبي احتضنت في شهر فبراير الماضي أعمال أكبر اجتماع تنسيقي سعودي إماراتي تحت اسم “خلوة العزم” بحضور ومشاركة أكثر من 150 مسؤولا حكوميا وعدد من الخبراء في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة في البلدين.

وقال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب الرئيس الإماراتي، حاكم دبي، في افتتاح الخلوة إنّ “توحيد الطاقات والإمكانات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية يمكن أن يخلق فرصا تاريخية للشعبين وللمنطقة بأكملها”، مضيفا “بتكاملنا وتعاضدنا وتوحّدنا نحمي مكتسباتنا ونقوي اقتصاداتنا ونبني مستقبلا أفضل لشعوبنا”.

ودخلت العلاقات الإماراتية السعودية خلال السنوات القليلة الماضية مرحلة جديدة من التعاون الوثيق الذي حوّل البلدين إلى قاطرتين للعمل الخليجي المشترك، فيما أكدت نشرة أخبار الساعة التي تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أن استراتيجيات التعاون المختلفة بين السعودية والإمارات لا تبتغي مصلحة ذاتية بقدر ما تهدف إلى مصلحة المنطقة ككل، حيث جاء في النشرة أن “مستقبل المنطقة وشعوبها خط أحمر لن تسمح الإمارات والسعودية للقوى المخرّبة بتجاوزه، وستواصلان حزمهما في صون أمانة الارتقاء بهذا المستقبل”.

يفند خبراء ومتابعون ما تردده بعض القرءات المسيّسة لهذا التحالف المتطور بين السعودية والإمارات بوصفه خطوة تهدد “بتقويض مجلس التعاون الخليجي”، مشيرين إلى أن البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر تعاونية بين دول الخليج سيعود على المنطقة بالمنفعة، وذلك من شأنه أن يسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها والتصدِّي بكل حزم وفاعلية لكل ما من شأنه أن يدنّس تاريخ شعوب المنطقة ويهدّد حاضرها ويغتال مستقبلها.

ونقلت وكالة دوتشي فيلله الألمانية عن المحلل المغربي إدريس لكريني قوله إنه “لا يمكن قراءة إنشاء هذه اللجنة على كونها تنصّل إماراتي سعودي من التعاون الإقليمي، فالانكباب على خلق تحالفات إقليمية لا يعني أن تتماهى السياسات الخارجية للدول الأعضاء مع هذه التحالفات، ففي الاتحاد الأوروبي، الذي يبقى من أقوى الأمثلة على هذه التحالفات، هناك دول تتفرّد بسياساتها الخارجية عن البقية”.وأضح لكريني أن الدول بشكل عام من حقها البحث عن آليات أحادية أو ثنائية لتحقيق مصالحها بغض النظر عن تكتلاتها الإقليمية، خاصة وأن السعودية والإمارات تمتلكان وزنا كبيرا في منطقة الخليج، وتريان في تعاونهما حماية لأمنهما القومي.

وذهب في ذات الاتجاه فايز النشوان، أستاذ العلاقات الدولية في الكويت، الذي نقلت عنه الوكالة الألمانية تأكيده أن “التقارب الإماراتي السعودي لا يهدّد مجلس التعاون، بل إن أيّ إمكانية لتوجه الدولتين نحو إنشاء اتحاد بينهما ستدعم مشروعا قديما، كان قد وُضع في أجندات مجلس التعاون ولم يُكتب له النجاح، يقضي بتحوّل التعاون إلى اتحاد”.

وشدد النشوان على أن ميثاق مجلس التعاون يدعو إلى التكامل بين أعضائه عبر تقوية التعاون بينهم في كافة المجالات، ومن ذلك الشراكات الثنائية كما يحدث حاليا بين الإمارات والسعودية، أو تلك التي أبرمتها الكويت مع أكثر من بلد في الخليج.

 
 

 

وكتب باتريك وينتور، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الغارديان البريطانية، قائلا إن التحالف الإماراتي السعودي الجديد من الممكن أن يعيد تشكيل العلاقات بين دول الخليج، واصفا الخطوة الجديدة بأنها “بمثابة التعويض عن الخلل الذي حدث بمجلس التعاون الخليجي”.

وأشار وينتور إلى أن “كلا الدولتين تملكان قوة عسكرية لا يجب الاستهانة بها”. ويوما بعد يوم، تعمل السعودية والإمارات على الاستفادة من هذه القوة وهي تتخذ نهجا أكثر حزما تجاه التهديدات ضمن وضع لم يعد يفيد فيه الاكتفاء ببيانات التنديد، ويحتاج إلى مواجهة تتولى زمامها قوى من داخل المنطقة.

 

ملامح فكر جديد

 

الواضح أن ملامح الفكر السياسي والاستراتيجي في الإمارات والسعودية بصدد التغيّر ضمن رؤية تزداد تشبيبا وترتكز على مقومات اقتصادية وأمنية مشتركة وقادرة على تحويل التطلعات إلى حقائق. ويلاحظ متابعون للشأن الخليجي تأثير التنسيق السعودي الإماراتي في بناء رؤية سياسية مشتركة بين دول الإقليم في ملفات مختلفة مثل الموقف من الأزمة القطرية التي لا تتعلق بالدوحة لذاتها، وإنما في سياق الموقف من الإرهاب وحظر الجماعات المتشددة التي ترعى قطر كيانات وأفرادا ينتمون إليها ومصنفين ضمن قوائم سوداء عربية. ويقول المتابعون إن التنسيق بين الرياض وأبوظبي يمثل النواة الأولى لتأسيس موقف خليجي وعربي مغاير تجاه الإرهاب، والتدخلات الإقليمية في شؤون المنطقة مثل ما تقوم به إيران وتركيا.

ويضيف هؤلاء أن ما يجمع بين السعودية والإمارات لن يقف عند تبادل المواقف والمنافع مثلما يجري في الشراكات التقليدية، وأنه قد يتعمق ليصنع ثقافة مشتركة تغادر دائرة المحافظة المنغلقة على ذاتها إلى الانفتاح على التغيرات العالمية مع الحفاظ على الخصوصية الخليجية.

ومؤخرا سنّت الإمارات والسعودية سلسلة من الإصلاحات لنظام الدعم تهدف إلى تقوية الاستقرار الاقتصادي في بلديهما بما يعزز السلم الاجتماعي ويدفع البلدين إلى لعب دور رئيسي في صناعة مستقبل المنطقة واستقرارها بما يلغي الصورة النمطية عن القيادة الخليجية التي تحصرها في دور المرتهن بالقرار الخارجي، فهذه الصورة طالما كانت مبالغا فيها وهي الآن بصدد التفسخ.

6