توافق مشبوه بين البرلمان والإخوان لتأجيل الانتخابات الليبية

عقيلة صالح وخالد المشري يدفعان لتمديد السلطة الانتقالية القادمة.
الجمعة 2021/01/22
هل تكرس مسودة الدستور دولة الميليشيات في ليبيا

تتوجّس أوساط سياسية من إمكانية العودة بالأزمة الليبية إلى مربع الصفر، بعد اتفاق الأطراف الليبية في مدينة الغردقة المصرية، الأربعاء، على إجراء استفتاء حول الدستور قبل الانتخابات المرتقبة يرفضه الجيش الوطني الليبي والقبائل. وترى هذه الأوساط أن الاتفاق يخدم بدرجة أولى مصالح الإخوان والبرلمان برئاسة عقيلة صالح، حيث يدفعون إلى تمديد السلطة الانتقالية القادمة وتأبيد الأزمة لضمان استمرارهم في الحكم.

طرابلس – تواجه الأزمة الليبية نذر العودة إلى المربع الأول، بنسف إمكانية تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في موعدها المقرر يوم 24 من ديسمبر القادم، وذلك بعد توصل اللجنة الدستورية خلال اجتماعاتها التي اختتمت، الأربعاء، بالغردقة المصرية إلى اتفاق حول تنظيم استفتاء على مسودة الدستور المرفوضة من البرلمان وقيادة الجيش الوطني الليبي والقبائل والأقليات.

وجاء الاتفاق على هذه الخطوة بناء على القانون الصادر من مجلس البرلمان رقم 6 لسنة 2018، المعدل بالقانون رقم 1 لسنة 2019، مع تعديل المادة السادسة باعتماد نظام الدوائر الثلاث (50 في المئة+1) فقط وإلغاء المادة السابعة منه.

وفيما رحبت الخارجية المصرية، وقالت إنها “تتطلع إلى استضافة الجولة الثالثة والأخيرة للمسار الدستوري في فبراير المقبل بحضور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا لوضع خارطة الطريق لكل من الاستفتاء والانتخابات”، أكدت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن “الهدف من الاتفاق المعلن هو تأجيل الانتخابات، وتمديد الفترة الانتقالية الجديدة التي ستشرف عليها السلطات التنفيذية المنتظر انتخابها قريبا وفق الآلية المصادق عليها من قبل لجنة الحوار”.

وقالت المصادر إن الطرف المستفيد من اتفاق الغردقة هو الطامع في تأجيل الانتخابات والاستمرار في الحكم، في إشارة إلى مجلس البرلمان برئاسة عقيلة صالح الساعي لتقلد منصب رئيس للمجلس الرئاسي القادم، ومجلس الدولة الاستشاري برئاسة خالد المشري الخاضع لسلطة الإخوان غير الراغبين في تنظيم الاستحقاق الانتخابي.

ورجّحت المصادر أن “هناك توافقات بين صالح والمشري تحت رعاية إقليمية للإطاحة بخارطة طريق البعثة الأممية ورئيستها بالوكالة ستيفاني ويليامز، وترحيل الملف إلى طاولة المبعوث الأممي الجديد يان كوبيتش”.

وكانت ويليامز قد وصفت الأربعاء، الطبقة السياسية في شرق البلاد وغربها بالديناصورات “المرتبطين بقوى ما قبل العام 2011”.

مصادر ترجح وجود توافقات بين عقيلة صالح وخالد المشري تحت رعاية إقليمية للإطاحة بخارطة طريق البعثة الأممية ورئيستها ستيفاني ويليامز

وأكدت في مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية أن “هذه الطبقة الممتدة عبر خطوط الصراع بين الشرق والغرب في ليبيا مصممة على الحفاظ على الوضع الراهن والوصول المتميز إلى خزائن الدولة محذرة من الدول الأجنبية التي تتحدى الموعد النهائي لسحب قواتها ومرتزقتها”.

ويتهم المتابعون أصحاب المصلحة من تأبيد الأزمة بالوقوف وراء إقرار الاستفتاء على مسودة الدستور، ومن بينهم جماعة الإخوان غير المستعدة لوضع رصيدها في ميزان الاختيار الشعبي.

وتزامن الإعلان عن الاتفاق مع تسريب تسجيل صوتي، اعترف فيه رئيس حزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان محمد صوان، بتورط الجماعة في حرب فجر ليبيا في العام 2014 التي تسببت بفوضى المؤسسات وانقسامها، وبتوريط الليبيين في اتفاق الصخيرات، وأنها ماضية في استنساخ التجربة نفسها الآن، مشيرا إلى أن الجماعة ترفض الانتخابات وتشكك في جدواها كون كل الاستطلاعات تشير إلى استحالة فوزها ديمقراطيا.

ويرى مراقبون أن جماعة الإخوان، التي تفتقد إلى الحاضنة الشعبية وشرعية الشارع في أغلب مناطق البلاد، تعمل إلى الدفع بوزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا إلى الإمساك بمقاليد السلطة كرئيس لحكومة تحتكر أغلب الصلاحيات التنفيذية. وتتطلع الجماعة إلى التخفي وراءه من منطلق جهوي، باعتباره ينتمي إلى مدينة مصراتة التي تنحدر منها أغلب عناصرها القيادية، ومنح المنطقة الشرقية منصب رئيس المجلس الرئاسي الذي سيكون ضعيفا وفاقدا للصلاحيات المهمة.

ويضيف المراقبون أن جماعة الإخوان تدرك أن أي استفتاء منتظر على الدستور، سيواجه عددا من العراقيل نظرا لرفضه من أغلب فعاليات المجتمع الليبي.

وفي حالة تنظيم الاستفتاء ستكون (الجماعة) أمام أمرين كلاهما جيد بالنسبة إليها، فتمريره يخدم مصالحها بمنحها شرعية العمل السياسي وتشتيت مراكز الحكم كما هو الحال بالنسبة إلى الدستور التونسي الذي يخدم مصالح حركة النهضة، أما رفضه، فيعني تأخير الانتخابات إلى أجل غير مسمى، بما يمنحها فرصة الاستمرار في ما هي عليه منذ سنوات من السيطرة على مفاصل الحكم عبر أدواتها الداخلية وحلفائها الإقليميين.

وستنعقد الجولة الثالثة من اجتماعات اللجنة الدستورية بمدينة الغردقة في الفترة من 9 إلى 11 من فبراير القادم، والتي ستُدعى لها المفوضية العليا للانتخابات لبحث الإجراءات التنفيذية للاتفاق الذي تم التوصل إليه.

وقال عضو مجلس النواب صالح افحيمة إن “موعد إجراء الانتخابات وفقا للدستور الجديد سيتجاوز الموعد المقرر ما يعني إطالة أمد الأزمة”، فيما أبرز عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور عبدالحميد جبريل أن “سرعة توافق اللجنة الدستورية بشأن المسار الدستوري المؤدي إلى الانتخابات المرتقبة أمر يدعو إلى الاستغراب”. وأوضح جبريل أن “الاستفتاء على مشروع الدستور ليس بالأمر السهل واليسير بل هو في غاية الصعوبة والتعقيد، وأن المسألة تواجهها الكثير من العوائق”.

ويرى عضو البرلمان إبراهيم الدرسي أن قرار اللجنة الدستورية سيدفع نحو إضاعة المزيد من الوقت، وسيكون هناك الكثير من اللغط حوله بين إقليم يرفض وإقليم يؤيد وأصوات يطعن بها كما أن النسب تتعرض للطعن القضائي.

ويعني هذا بحسب الدرسي أن “الأجسام ستظل في مكانها ما يؤكد أن الانتخابات المقرر إجراؤها نهاية العام لن تتم”. وأشار إلى أن “الكرة ستعود إلى ملعب لجنة الستين أو البرلمان لصياغة مشروع جديد وسيأخذ ذلك أشهرا أخرى ما يجعلنا ندور في نفس الحلقة المفرغة”.

Thumbnail

وبدأت الأصوات ترتفع من جديد ضد الاستفتاء على الدستور، وأعلن المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا الخميس عن رفضه القطعي للنتائج التي توصلت إليها اللجنة الدستورية، معتبرا إياها منزلقا خطيرا وعملا عدائيا وتصعيدا غير مسبوق ضد أمازيغ ليبيا.

وأكد المجلس في بيان له على مقاطعته للاستفتاء المزعوم وعدم الاعتراف بالنتائج المترتبة عنه، داعيا جميع الأعضاء والبلديات التي تقع ضمن نطاق عضوية المجلس إلى عقد اجتماع عاجل.

وقبل ذلك، أعلن مكون التبو وممثلوه المقاطعون في هيئة الدستور أنهم يرفضون رفضا قاطعا طرح مسودة الدستور للاستفتاء. كما دعا ممثلو الطوارق إلى اتباع الآليات التي أقرها الإعلان الدستوري لإشراك الجميع والابتعاد عن فرض منطق المغالبة، لأن إنجاز دستور توافقي يجد فيه كل ليبي نفسه خطوة أساسية تساهم بشكل فعال في انتشال البلاد من حالة الفوضى التي تعمها، وتساهم في تكاثف الجهود من أجل البناء على المشترك، وتبعد شبح الفوضى والتقسيم وتقطع الطريق أمام القوى التي تتربص بوحدة وأمن واستقرار وتقدم ليبيا.

وحذرت أربع منظمات ليبية الأسبوع الماضي من مقترحات الإخوان وتمسكهم بالاستفتاء على الدستور ما يعني تعطيل الانتخابات إلى عام 2022، معتبرة أن تلك المقترحات إنما تعني المماطلة المتعمّدة بعد الإعلان الأممي عن موعد الانتخابات المقرر في ديسمبر القادم.

وقالت المنظمات، وهي الحراك الوطني الليبي، وتكتل إحياء ليبيا، والتكتل المدني الديمقراطي، وتيار شباب الوسط، إن البحث عن قاعدة دستورية لتلك الانتخابات المقرر إجراؤها أمر محسوم أصلا، ولا يحتاج إلى فتح باب جدل جديد؛ وذلك لوجود أساس دستوري جاهز لتلك الانتخابات (وهو القرار رقم 5 لعام 2014، والإعلان الدستوري بتعديلاته المتضمنة لمقررات لجنة فبراير) وذلك منعا لأي مماطلات أو مماحكات إضافية تستمر في حرمان الشعب الليبي من ممارسة حقه الأصيل والمشروع في اختيار قياداته وتجديد الشرعية في بلاده.

وأشارت المنظمات إلى أن القرار رقم 5 لعام 2014 لا يزال ملزما كونه بنصاب صحيح وأغلبية مطلقة، ولم يصدر عن الجسم التشريعي الشرعي ما يبطله. ولفتت إلى أن “الإعلان الدستوري كان كافيا لإقامة الانتخابات الليبية مرتين من قبل في سنتي 2012 و2014، إضافة إلى حسم لجنة فبراير لكل مسائل فصل السلطات وتبيين صلاحيات كل منها”. واختتمت بيانها بالقول “يغنينا كل ما ذكرنا عن المزيد من التأخير باصطناع إشكالات مفتعلة عن القاعدة الدستورية”.

وينظر أستاذ القانون الدولي محمد الزبيدي إلى أن “مشروع الدستور معيب من كل الجوانب وتكريس لدولة الميليشيات ولجماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي تحديدا، حيث يتضمن العديد من البنود والمواد التي تقصي التيار الوطني عن الانتخاب وعن المشاركة في العملية السياسية بشكل تام”. ولفت الزبيدي في تصريحات صحافية إلى أن “الهدف من فكرة الدستور هو الإيحاء بأن ليبيا دولة ديمقراطية”.

وحسب اعتقاده، فإن “هذا الدستور وصمة عار في تاريخ ليبيا”، مبيّنا أنه “لا يوجد دستور في العالم بهذا الكم الهائل من المواد التي يغلب عليها طابع الشرح المطول والدخول في اختصاصات اللوائح والقرارات”. وأشار إلى أن “دستور الولايات المتحدة يضم ست مواد لا أكثر، والدستور الفرنسي ونظيره المصري عبارة عن 60 مادة ويراها الفقهاء مطولة جدا، بينما مسودة الدستور الليبي تتضمن 360 مادة”.

4