توالي أزمات تونس يجّدد الدعوات إلى تغيير النظام السياسي

عبير موسي تدعو إلى نظام رئاسي معدل يمنح صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية ويمكن من محاسبة الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية.
الخميس 2020/12/03
نظام سياسي متذبذب

تونس – جدّد الحزب الدستوري الحر في تونس دعوته إلى تغيير النظام السياسي مؤكدا فشل النظام الحالي ما أدى إلى تشتت القرار السياسي وتضاربه بين 3 محاور كبرى تحاول التحكم بدفة القيادة وهي البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية.

وأعربت رئيسة الحزب عبير موسي عن رفضها للنظام السياسي والانتخابي الحالي، قائلة إنها تدعم نظاما رئاسيا معدلا تكون للرئيس فيه صلاحيات تعيين الحكومة والمصادقة عليها دون الرجوع إلى البرلمان.

وكانت موسي أعلنت في عدة مناسبات موقف الحزب الدستوري من النظام السياسي في تونس، الذي يعتمد على تعدد رؤوس السلطة، بين برلمان وحكومة ورئاسة للدولة، وهو ما يشتت القرار السياسي ويسبب تضاربا بين رؤوس السلطة وعدم تنسيق بينها.

وقالت إن هذا التضارب يؤول إلى عدم الفعالية في اتخاذ القرارات السياسية وعدم اتباع منهجية واستراتيجية واضحتين على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما أضر بالدولة التونسية.

وأكدت رئيسة الحزب الدستوري "لدينا رؤية لنظام سياسي رئاسي معدل، يكون فيه الرئيس منتخبا مباشرة وبصفة ديمقراطية حرة من الشعب التونسي، ويقوم الرئيس بتعيين الوزير الأول (رئيس الحكومة)، ويقوم الوزير الأول بتشكيل الحكومة وعرضها على رئيس الجمهورية للمصادقة والتعيين دون الرجوع إلى البرلمان".

واعتبرت أنه "في هذه الحالة، الرئيس الذي يتمتع بشرعية انتخابية مباشرة من الشعب التونسي يكون بإمكانه أن يحدد الكفاءات التي ستطبق برنامجه، والحكومة تكون أيضا مسؤولة عن برنامجها بعيدا عن التجاذبات السياسية، ويكون بالإمكان وضع الأشخاص المناسبين في المكان المناسب، بمنأى عن التجاذبات الحزبية".

وتعيش تونس منذ 2011  أزمة اقتصادية، وأرهقت سياسات الحكومات المتعاقبة لتجاوزها، التونسيين، اقتصاديا واجتماعيا. ودفعت صراعات الرئاسات الثلاث في ما بينها ودخول تونس دوامة تعيين وإقالة حكومات الواحدة تلو الأخرى، عددا من التونسيين إلى الحنين للنظام السياسي السابق، الذي يمنح صلاحيات كبرى لرئيس الجمهورية.

وأطلقت بعض الشخصيات السياسية والأمنية التونسية على مواقع التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، تحذيرات من خطورة ما قد يؤول إليه الوضع في تونس في ظل تصاعد التوترات الاجتماعية في مختلف المحافظات والجهات والتي تنذر بتفكك الدولة وإمكانية تفجر ثورة جديدة قد تجرف الطبقة السياسية الحالية برمتها.

وكتب غازي الجريبي وزير الدفاع التونسي السابق على صفحته بموقع فيسبوك "الوضع ينذر بالخطر، والانفلات الكلي على مرمى حجر، والسلطة في مهب الرياح، فهل انتخبنا قادة أم أشباحا".

وانتقدت موسي النظام الانتخابي المعتمد في تونس قائلة إنه "لا يسمح لأي حزب سياسي بأن يتحمل مسؤوليته عندما ينتخبه التونسيون، وينفذ برنامجه ثم تتم محاسبته عبر الصندوق، وهو ما أدى إلى ارتهان الحكومات والسلطة التنفيذية للقوى التي ستمنحها الأغلبية".

رفض للنظام الحالي

وأشارت إلى أن 109 أصوات تتحكم في اختيار الحكومة، وهو ما أدى إلى عدم قيام الحكومات على مقياس الكفاءة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

وشددت على أن هذا النظام السياسي أدى إلى تحديد توجهات الدولة، ومصلحة الوطن من خلال التوافقات الحزبية الضيقة والتجاذبات السياسية والصفقات التي تتم في الغرف المغلقة، وهذا أدى إلى التلاعب بالمسائل الحيوية في تونس.

وأكدت موسي أنه "يجب أن يكون النظام السياسي به حد أدنى من الصلاحيات الواضحة لكل سلطة وفي هذا النظام يكون هناك استقلال تام للقضاء بما يمكن من إرساء العدل والعدالة والقيام بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية اللازمة في ظل نظام ديمقراطي".

ويواجه النظام السياسي المعمول به في تونس منذ الانتفاضة التي أدت إلى خلع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، انتقادات حادة، إذ لا يسمح لحزب أو فصيل سياسي محدد بالسيطرة على الحكم. كما أفرزت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تونس العام الماضي برلمانا منقسما للغاية، لا يحظى فيه أي حزب سياسي بالأغلبية.

وتعاني السلطة التونسية بأقطابها الثلاثة من أزمة اتصالية تزيد من حالة الغليان الشعبي، مما ينذر بأن تتحول الاحتجاجات التي اتخذت أبعادا جهوية إلى تهديد لوجود الدولة نفسها.  

وكشف استطلاع رأي لمعهد إمرود كونسلتينغ، سبتمبر الماضي، صعودا كبيرا لشعبية الدستوري الحرّ الذي تترأسه عبير موسي، بحصوله على 36 في المئة من تصويت التونسيين، في مقابل تراجع مستمر في شعبية حركة النهضة الإسلامية ورئيسها راشد الغنوشي التي حصلت على 23 في المئة.

وعزا متابعون الفارق بين الحزبين إلى وضوح مواقف "الدستوري الحر" من المنظومة السياسية التي جاءت بعد الثورة، وخاصة موقفها من تغلغل تيار الإسلام السياسي، في مقابل براغماتية حركة النهضة التي تذهب حد الانتهازية السياسية.

وينتقد معارضو النظام السياسي الحالي النظام الانتخابي الذي ساهم في حدوث تشتت داخل البرلمان التونسي، وهو ما جعل مختصين في القانون الدستوري يرجحون أن الحل لهذه المعضلة يكمن في الدفع نحو تنقيح القانون الانتخابي.

ورغم تواتر الدعوات إلى عقد حوار وطني يطفئ فتيل التجاذبات ويخرج تونس من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن البعض من السياسيين والمجتمع المدني اعتبروا أنها دعوات تخدم مصالح أحزاب سياسية بغية إنقاذ النظام الحالي والحفاظ على مكاسبها.

ويرى مراقبون أن هناك مجموعة من العوامل المتداخلة تمهد لتفجر الوضع في تونس منها الطبقة السياسية التي تسيدت المشهد طيلة السنوات الماضية، ويعتبرون أنها المتسبب الرئيسي في ما يحصل نتيجة سياساتها وخياراتها، ومنها النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوافقات، والذي شرعن الفساد ووسع دائرته مما أدى إلى عدم الاستقرار الحكومي.

ويقوم النظام السياسي في تونس، الذي حدده دستور 2014، على منح صلاحيات واسعة للبرلمان المناطة به مهام تزكية الحكومة وتمرير مشاريع القوانين، بينما تقتصر مهام رئيس الجمهورية على ملفات الأمن القومي والعلاقات الخارجية.

وأدت حكومة رئيس الوزراء الحالي هشام المشيشي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب التونسي في الثاني من سبتمبر الماضي، بعد أزمة سياسية حادة بين البرلمان ورئاسة الجمهورية والحكومة، وهي الحكومة الثالثة منذ انتخاب مجلس النواب الحالي في أكتوبر العام الماضي، بعد استقالة الحكومتين السابقتين.