توبيخ السلطة اللبنانية… الاستقالة أشرف

قوى السلطة في لبنان تحشد لهذا اليوم المشهود، الذي سيفتح تصعيدا شعبيا كبيرا لأن أقنعة التكنوقراط لا تخفي من قادوا البلاد إلى الانهيار الشامل.
الثلاثاء 2020/02/11
الشعب اللبناني لا يساوم مع حقوقه

لبنان إلى المواجهة الكبرى، الجميع يستعد. السلطة عقدت جلسة لمجلس الدفاع الأعلى بحضور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكبار الوزراء والقادة العسكريين والأمنيين تحضيرا لانعقاد مجلس النواب اليوم الثلاثاء لمناقشة البيان الوزاري لحكومة حسان دياب لمنحها ثقة النواب إيذانا ببدء عملها. وبدأ تنفيذ إجراءات أمنية صارمة في محيط مبنى البرلمان، تشبه إلى حد كبير حالة الطوارئ.

أغلقت جميع الشوارع المحيطة بساحة النجمة حيث مبنى البرلمان بالأسلاك الشائكة والجدران الأسمنتية المطلية بالشحوم ليصعب على المتظاهرين اعتلاءها. ولم تُترك سوى مداخل قليلة ليتسلل منها النواب.

في أول اختبار للإجراءات الأمنية، هبط الرؤساء الثلاثة وعدد من الوزراء والنواب والسياسيين، الأحد، إلى كنيسة مار مارون وسط بيروت للمشاركة في قداس عيد مار مارون شفيع الطائفة المارونية. ولجأت القوى الأمنية والجيش إلى إبعاد متظاهرين رفعوا يافطات كتبوا عليها “لا ثقة” تعبيرا عن رفضهم لحكومة حسان دياب.

وكانت المفاجأة في العظة التي تلاها المطران بولس عبدالساتر، راعي أبرشية بيروت للطائفة المارونية، في القداس والتي ندد فيها بمجمل السياسات التي اتبعتها قوى السلطة حتى الآن، وأدت ولا تزال تؤدي إلى إفقار الشعب وتهجيره إلى جهات الأرض الأربع بحثا عن العيش الكريم الذي يفتقده في بلاده.

لقد صب المطران في خطبته شلالا من الماء البارد على رؤوس القوم، فاسودت وجوههم، ما جعل رئيس الجمهورية يغادر فور انتهاء القداس دون المشاركة في تقبل التهاني إلى جانب المطران كالعادة. أما رئيس مجلس النواب فغادر دون أن يرد على أسئلة الصحافيين.

السلطة بكافة قواها تستعد. استنفرت كافة المؤسسات وأعطت الأوامر للجيش والأجهزة الأمنية للضرب بيد من حديد على رؤوس المتظاهرين الذين سيعمدون إلى إغلاق الطرق ومنع النواب من حضور جلسة الثقة.

وجاء في البيان الصادر عن مجلس الدفاع الأعلى، الذي اعتبره المتابعون البيان الوزاري الحقيقي والوحيد لحكومة دياب الأمنية، وبالحرف “عدم التهاون مع أي محاولة للنيل من هيبة الدولة ومؤسساتها ومقراتها الرسمية”. ما يعني أن أبواب القمع ستشرع في وجه كل تحرك يستهدف مؤسسات الدولة والمجلس النيابي والنواب الذين سيحاولون الوصول إليه لتأمين النصاب لجلسة الثقة.

وقد تبع هذا البيان تصريح لرئيس الحكومة حسان دياب، الذي ينتظر ثقة النواب بفارغ الصبر، قال فيه إن “المطلوب في هذه اللحظة الإسراع في توقيف المعتدين والمحرضين لردع كل من تسول له نفسه استهداف هيبة الدولة”.

في المقابل، تستنفر ساحات الانتفاضة كل جهودها في معركتها لإسقاط حكومة حسان دياب. واجتاح وسم “لا ثقة” وسائل التواصل الاجتماعي ودعوات كثيفة إلى الإضراب العام والاحتشاد في وسط بيروت فجر الثلاثاء. وقد وضعت الخطط والخرائط لتوزيع الجهود على المعابر التي سيسلكها النواب إلى البرلمان.

نشطاء الانتفاضة استبقوا إغلاق الطرق الرئيسية في وجوه المتظاهرين القادمين من خارج بيروت لمنعهم من الوصول إليها. وتحاشيا لذلك، بدأت وفود المتظاهرين من البقاع والشمال والجبل والجنوب تصل إلى بيروت منذ صباح الاثنين، وقد فتح عدد من أهالي بيروت بيوتهم لاستضافتهم في حال قرر المتظاهرون قضاء ليلة أو أكثر في بيروت.

الفرز الحقيقي بين قوى السلطة وأدواتها وبين الناس بات واضحا، والصراع قد انفتح، والسلطة التي أغرقت البلاد في هاوية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمالي تصر على الهروب إلى الأمام في معركة كسر عظم مع الشارع. والقوة التي يستند إليها نظام ائتلافها، أي حزب الله، غير قادرة على الاستمرار في الدفاع عنها بالشكل المتوقع. بل تحاول التنصل حتى من الحكومة التي كان لها اليد الطولى في تشكيلها.

وقد شهدنا كتلة “الوفاء للمقاومة” البرلمانية التابعة لحزب الله تصرح قبل أيام بأنها غير راضية عن طريقة تشكيل هذه الحكومة، وهو ما فسره المراقبون بمحاولة ذر للرماد في عيون أتباع حزب الله. وقد بدده تصريح رئيس الكتلة محمد رعد، الأحد، حين أكد أن حزبه وكتلته البرلمانية سوف يمنحان حكومة دياب الثقة وسوف يتعاونان معها إلى أبعد الحدود.

وفي الوقت الذي تواصل فيه الأجهزة الأمنية والقضائية ملاحقة وتوقيف عدد متزايد من الناشطين، قام مسلحون من حزب الله فجر الأحد الماضي باختطاف أحد الناشطين وترويعه وتهديده ثم أطلقوا سراحه لاحقا دون أن تبادر أي من الأجهزة الأمنية أو القضائية إلى أي رد فعل رغم معرفة هويات اثنين من الخاطفين.

وبالعودة إلى عظة المطران عبدالساتر أمام الرؤساء الثلاثة، كتب جاد يتيم على صفحته في فيسبوك يقول “اتخذوا كل إجراءات الأمن لمنع الثوار من الوصول إلى الكنيسة… فجاءتهم الصفعة من منبرها”. فبعد تأنيب وتعزير طال كل الطبقة السياسية، توجه المطران إلى النواب الذين انتخبهم اللبنانيون من أجل إصلاح الخلل في الأداء السياسي والاقتصادي، ودعاهم إلى العمل “ليل نهار مع الثوار الحقيقيين أصحاب الإرادة الطيبة على إيجاد ما يؤمن لكل مواطن العيشة الكريمة وإلا فالاستقالة أشرف”.

قوى السلطة وأجهزتها تحشد ليوم الثلاثاء، والشارع يستعد ليوم مشهود. لكن، مهما كانت النتيجة اليوم، فإنها دون ريب ستفتح تصعيدا شعبيا كبيرا بعد أن تبين أن السلطة بأقنعة التكنوقراط هي ذاتها في مشوار أخذ البلاد إلى الانهيار الشامل، حيث لن تنفع لا رعونة الرؤساء ولا صواريخ حزب الله وترسانته العقائدية.

وكتب الإعلامي عماد قميحة على صفحته يقول إن “جلسة تُعقد خلف الجُدر والدخان والقمع والجوع والفساد والقهر… لا تسمى ‘جلسة ثقة’ بل ‘جلسة الخيانة'”.

9