توتر العلاقة بين لندن وواشنطن يعود لما قبل عهد ترامب

مراقبون يرون أن رفع السرية عن وثائق تنتقد الإدارات الأميركية السابقة يحمل رسالة إلى ترامب مفادها أن لندن لا تستهدفه بتقييمات سفيرها.
الجمعة 2019/07/19
علاقة متوترة رغم التاريخ المشترك

كشفت وثائق دبلوماسية رفعت السلطات البريطانية السرية عنها أن توتر العلاقة بين لندن وواشنطن لا يقتصر على قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإنما لفترات سبقت قدومه. ويأتي رفع السرية على هذه الوثائق غداة تسريب وثائق استخباراتية انتقد فيها سفير لندن لدى واشنطن كيم داروش الرئيس ترامب. ويرى مراقبون أن رفع السرية عن وثائق تنتقد الإدارات الأميركية السابقة يحمل رسالة إلى ترامب مفادها أن لندن لا تستهدفه بتقييمات سفيرها وإنما التقييم نفسه شمل رؤساء سابقين أيضا.

لندن -  بعد نحو أسبوع على الحادث الدبلوماسي الذي أدى إلى توتر العلاقات بين لندن وواشنطن، تكشف وثائق سرية بريطانية رفعت السرية عنها الخميس أن تقييما لم يكن إيجابيا أطلق بحق إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، قبل سنوات طويلة من التقييم السلبي الذي استهدف أخيرا فريق دونالد ترامب.

واضطر سفير بريطانيا في الولايات المتحدة كيم داروش إلى الاستقالة من منصبه في العاشر من يوليو إثر تسريبات في الصحف لبرقيات دبلوماسية ينتقد فيها الرئيس الجمهوري، ما أثار غضب ترامب الذي وصف السفير بأنه “مدع وغبي”.

وغضب ترامب جدا إزاء تأكيد داروش أن “الفوضى والنزاع الشرس” داخل البيت الأبيض “حقيقيان في معظمهما”، لكن وثائق نشرت الخميس وتتعلق بسنوات 1994 و1995 تكشف أن لا جديد في الأمر وأن إدارة كلينتون لقيت تقييما مماثلا.

وكتب السفير حينذاك روبن رينويك بعد استقالة اثنين من أعضاء فريق بيل كلينتون أن “تنظيم البيت الأبيض يبقى فوضويا”. وأضاف أن “سلسلة من الكوارث في مجال العلاقات العامة في البيت الأبيض تعطي صورة عن إدارة جديدة بلا هدف ولا تنظيم”.

ويرى المدافعون عن داروش أن البرقيات التي تم تسريبها تندرج في إطار تقاليد ضرورية وطويلة للصراحة من قبل الدبلوماسيين البريطانيين الذين يعملون في الخارج، لكنّ معارضيه يعتبرون أنه بالغ عندما كتب أنه لا يعتقد “فعليا أن هذه الإدارة ستصبح أكثر طبيعية وأقل خللا وأقل انقساما وأقل تهورا وقادرة دبلوماسيا”.

 ومثل ترامب، كان كلينتون يواجه اتهامات بسلوك جنسي غير لائق، حتى قبل قضية مونيكا ليوينسكي. ورأى السفير البريطاني حينذاك أن “ردود الفعل المتهورة للبيت الأبيض على الادعاءات بدأت تثير شكوكا إزاء وجود تستر”. وبينما وصف كيم داروش سياسة ترامب حيال إيران بـ”غير المتماسكة والفوضوية”، انتقد روبن رينويك بحدة السياسة الخارجية لكلينتون.

وقال إن “كلينتون يهتم بالقضايا الدبلوماسية لكن بطريقة ليست طبيعية جدا. فبدلا من أن يتحدث بهدوء ويمنح نفسه وسائل صارمة لفرض عقوبات، هو متهم بالتحدي واستخدام لغة متشددة جدا من دون أن يتحرك” فعليا.

وخلافا للرئيس الحالي، يتهم كلينتون “باهتمامه المفرط” بوسائل الإعلام، لكن روبن رينويك يبدي رأيا إيجابيا جدا بهيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأسبق التي هزمت في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2016 أمام دونالد ترامب.

وكتب “إنها ذكية جدا وطموحة جدا”، وأضاف “إنها حاضرة دائما وودودة أكثر بكثير مما يقال”.

روبن رينويك: كوارث في البيت الأبيض تعطي صورة عن إدارة بلا هدف
روبن رينويك: كوارث في البيت الأبيض تعطي صورة عن إدارة بلا هدف

وتكشف الوثائق الوطنية البريطانية رأي بيل كلينتون في رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني.

وقال لرئيس الوزراء البريطاني حينذاك جون ميجور حسب تسجيل للمحادثة “علينا ألا نسيء تقدير أهميته”، مؤكدا أنه يلقى تقديرا كبيرا من الجمهور ولديه زوجة “رائعة”. وتكشف الوثائق التي نشرت أيضا اهتمام البريطانيين الدائم لما يعتبرونه “علاقة خاصة” مع الولايات المتحدة.

وكتب روبن رينويك “كتب الكثير من الأمور الغبية عن العلاقة مع الولايات المتحدة”، مشيرا إلى أنه “كانت هناك دائما خلافات حادة”.

لكنه أضاف “لا شك أن لدينا علاقة وثيقة بشكل خاص. قيمة علاقتنا هذه في المجال الدفاعي لا تقدر بثمن”. ويطرح نشر وسائل إعلام بريطانية لوثائق استخباراتية مسرّبة على دفعات أكثر من تساؤل بشأن الهدف غير المعلن لذلك، خاصة وأن توقيت تسريبها تباعا يتزامن مع اقتراب تصويت حزب المحافظين على رئيسهم الجديد، وبالتالي رئيس الحكومة الذي سيخلف تيريزا ماي المستقيلة. وتأتي التسريبات التي ستؤثر حتما على تعيين السفير البريطاني الجديد لدى واشنطن في يناير القادم بعد استقالة السفير الحالي كيم داروش، حيث يدعم ترامب رئيس حزب بريكست نايجل فاراج لتولي هذه الخطة.

وكتب السفير البريطاني المستقيل في برقية دبلوماسية تعود إلى مايو 2018 أنّ الإدارة الأميركية راهنت على عمل يندرج في إطار “التخريب الدبلوماسي”، وذلك “على ما يبدو لأسباب أيديولوجية وشخصية لأنّها كانت صفقة أوباما”.

وكان وزير الخارجيّة البريطاني آنذاك بوريس جونسون قد توجّه في مايو 2018 إلى واشنطن لمحاولة إقناع ترامب بعدم التخلّي عن الصفقة النوويّة مع إيران. وفي برقيّة تمّ إرسالها عقبَ ذلك، أشار داروش إلى وجود انقسامات في فريق ترامب بشأن القرار الواجب اتخاذه.

وفي العام 2015، وقّعت الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا صفقة نووية مع إيران للحد من برنامجها النووي، في مقابل رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على طهران، لكنّ ترامب ينتقد هذه الاتفاقية منذ فترة طويلة، وقد سحب الولايات المتحدة منها في 8 مايو 2018.

وأعلنت الشرطة البريطانية الجمعة أنها فتحت تحقيقا جنائيا حول تسريب المذكرات الدبلوماسية. وقال مساعد قائد الشرطة البريطانية نيل باسو في بيان إن “وحدة مكافحة الإرهاب بشرطة لندن، والتي تضطلع بالمسؤولية الوطنية المتمثلة بالتحقيق في مزاعم المخالفات الجنائية لقانون الأسرار الرسمية، قد فتحت تحقيقا جنائيا”.وانتقد سياسيون بريطانيون، بينهم المرشحان لقيادة حزب المحافظين بوريس جونسون وجيريمي هنت، الشرطة بشدة ودافعوا عن حرية الصحافة في نشر أي برقيات دبلوماسية مسربة تصب في المصلحة العامة.

ورأى جونسون المرشح الأوفر حظا لخلافة ماي على رأس حزب المحافظين أن ملاحقة وسائل الإعلام يمكن أن يكون لها “تأثير مخيف على النقاش العام”.

وأكد وزير الخارجية جيريمي هنت الذي يتنافس على زعامة حزب المحافظين، أن الشرطة محقة في إطلاق تحقيق للوصول إلى الشخص الذي سرب البرقيات، لكنه أضاف “أدافع لأقصى حد عن حق الإعلام في نشر هذه التسريبات في حال حصلوا عليها ورأوا أنها في مصلحة الجمهور العام وهذه هي وظيفتهم”.

وعمقت استقالة السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة هوة الخلافات بين الحليفين التقليديين والتي تفاقمت مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة في 2016. وأعرب دبلوماسيون بريطانيون عن قلقهم من أن يؤدي نشر ما وصفته الحكومة البريطانية بتقييمات داروش “الصريحة وغير المزيّنة” إلى إحجام الدبلوماسيين الآخرين عن إرسال هكذا برقيات صريحة ومماثلة.

وكتب السير بيتر ريكتس المساعد السابق لوزير الخارجية البريطانية في صحيفة الغارديان أنّ “الضرر سيكون في احتمال تردد الدبلوماسيين لاحقا في تقديم آرائهم الصريحة للوزراء”.

وتضع الفضيحة المزيد من الضغوط على كاهل جونسون، رئيس الوزراء المفترض، إما للرضوخ أمام ضغط ترامب وإما التمسك بسفير بلاده في واشنطن.

وتزداد أهمية هذا الاختيار بسبب الدور الذي سيلعبه السفير المقبل في التفاوض على اتفاق تجاري جديد مع الولايات المتحدة يمكن أن يخفف من الضرر المحتمل للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

5