توتر دبلوماسي بين الجزائر وباريس يعمق هوة العلاقات المأزومة

ارتدادات الأزمة الدبلوماسية غير المعلنة بين الجزائر وباريس أصبحت محل اهتمام لافت في الوسط الشعبي لارتباطها بحسابات تاريخية غير محسومة بين الطرفين.
الجمعة 2020/05/15
الصين مرشحة لشغل المقعد الفارغ

تعتري العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة العديد من المطبات، الأمر الذي يدرجها في خانة أزمة دبلوماسية غير معلنة، تنهي سنوات التقارب التي تحققت خلال النظام السابق في الجزائر بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وتفتح آفاقا قاتمة لمستقبل العلاقات في ظل نظام سياسي جديد عازم على الإفلات من سياسة التبعية لصالح الانفتاح على قوى عالمية أخرى كالصين.

الجزائر- دخلت العلاقة الجزائرية الفرنسية في حلقة جديدة من التوتر تعمل العاصمتان على تفادي إعلانها، وذلك بعد استدعاء الخارجية الجزائرية للسفير الفرنسي لتبليغه احتجاجها على نشر صور مسيئة عن البلاد، ما يعمق هوة العلاقات المأزومة منذ وصول عبدالمجيد تبون إلى سدة الحكم في الجزائر.

وذكرت صحيفة “لوبوان” الفرنسية الخميس أن “وزارة الخارجية الجزائرية استدعت السفير الفرنسي لديها كزافيي دريونكور، لإبلاغه باحتجاجها الرسمي عن صورة مسيئة نشرتها قيادة الجيش الفرنسي على تويتر”.

ولم تشر الحكومة الجزائرية إلى استدعاء السفير الفرنسي لديها، عكس المرة السابقة التي أشارت فيها القنوات الإعلامية الحكومية إلى استدعاء السفير، وهو ما يندرج ربما في خانة رغبة السلطة في تفادي التهويل الإعلامي، الذي يسهم في تأليب الرأي العام عن الجانب الفرنسي لأسباب تاريخية معروفة، بعد أن حذفت إدارة قيادة الجيش الفرنسي الصورة المسيئة للجزائر من حسابها.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تنطوي عن نية في لملمة شظايا صدام دبلوماسي يعمق من الفتور القائم على علاقات البلدين منذ تنحي الرئيس بوتفليقة عن السلطة في الجزائر في مطلع أبريل العام 2019، خاصة وأنه لم تمر إلا أسابيع قليلة عن حادثة مشابهة تم خلالها استدعاء السفير إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية.

وذكر تقرير إعلامي بأن “الصورة المثيرة للجدل قد نشرت نهاية شهر أبريل الماضي في حساب قيادة الجيش الفرنسي على تويتر، وقد تم حذفها مؤخرا بسبب الارتدادات الدبلوماسية التي أثارتها في المسار الدبلوماسي للبلدين”.

وأضاف “الصورة عبارة عن إشارة طريق إلى عدة وجهات دولية، بينها الجزائر، وقد أضيف إلى إشارتها، بجانب علمها علم آخر لأمازيغ الجزائر ومنطقة تيزي وزو التي يقطنونها، كما لو كانت جهة مستقلة عن البلد العربي”، الأمر الذي أعطى الانطباع بأن صاحب الرسم يريد الإشارة إلى وجهة مستقلة أو منفصلة في الخارطة الجغرافية للجزائر.

وبات الوضع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه الجزائر منذ أشهر، بسبب تدهور العلاقة بين الأمازيغ والسلطة، نظير القبضة القائمة بينهما حول مطالب سياسية رفعت في الحراك الشعبي الجزائري، مصدر استفزاز أو ضغط على النظام الجزائري من طرف القوى العالمية.

وحملت الصورة دلالات على الدفع بمتطرفي منطقة القبائل إلى رفع مطالب الانفصال وبناء كيان سياسي مستقل، وهو ما يتعارض مع الإجماع القائم لدى دوائر السلطة والشارع حول وحدة التراب والشعب الجزائري، لكنه يثير المخاوف لدى النخب الرسمية التي وظفته في قمع الاحتجاجات السلمية المطالبة بالتغيير السياسي الشامل في البلاد.

ويعكس استدعاء السفير الفرنسي غير المعلن، وهو الثاني من نوعه في ظرف أسابيع قليلة، حالة من التوتر الدبلوماسي بين الطرفين، خاصة بعد تصاعد خطاب لدى نخب جزائرية رسمية حول إنهاء النفوذ الفرنسي في بلادهم والتخلص من التبعية الثقافية والاقتصادية لباريس.

وفي المرة الأولى أبلغت الجزائر السفير الفرنسي لديها احتجاجا شديد اللهجة، على مضمون مقابلة بثتها قناة فرانس 24، زعم فيها المحلل الأوروبي فرانسيس غيلاس، ذو الأصول الجزائرية، أن “الجزائر وظفت الوفد الصحي الصيني الذي قدم إلى البلاد من أجل مساعدتها على وباء كورونا، في معالجته لضباط سامين في المؤسسة العسكرية”.

وأضاف غيلاس “الجزائر استقدمت الإعانة والكادر الصحي الصيني من أجل التكفل بكبار ضباط الجيش في المستشفى العسكري بعين النعجة، وليس لاستعماله في نجدة المصابين في مستشفيات البليدة التي كانت تعج بالمصابين خلال الأسابيع الأولى، على اعتبار أن البليدة هي البؤرة الوبائية الأولى في البلاد”.

تدهور العلاقة بين الأمازيغ والسلطة الجزائرية بات مصدر استفزاز وضغط على النظام من طرف القوى العالمية

وجاء التوتر الجديد بين باريس والجزائر بالتوازي مع إقرار شركة طوطال الفرنسية بانسحابها من صفقة شراء أصول شركة “أناداركو”، العاملة في الجزائر وعدد من الدول الأفريقية، وذلك بعد ضغوطات مارستها الجزائر بحجة ممارستها لحق الشفعة الذي يكفل لها شراء أي أصول مؤسسة عاملة على ترابها.

وتزامن التوتر أيضا مع التصريح المثير الذي أطلقه الرئيس عبدالمجيد تبون، بمناسبة ذكرة المجازر التاريخية (الثامن من مايو)، التي ارتكبها الفرنسيون في حق الجزائريين حيث ذكر بأن “الاستعمار الفرنسي أباد نصف الشعب الجزائري (قرابة ستة ملايين جزائري)، أثناء الحقبة الاستعمارية (1830 – 1962)، وأن جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم رغم محاولات تبييضها”.

وباتت ارتدادات الأزمة الدبلوماسية غير المعلنة بين الجزائر وباريس، محل اهتمام لافت في الوسط الشعبي، لارتباطها بحسابات تاريخية غير محسومة بين الطرفين، ولتصاعد الخطاب المناهض للمصالح الفرنسية في الجزائر، منذ إنهاء نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وأورد تقرير لصحيفة الشروق الخاصة والموالية للسلطة في الجزائر، بأن “الصورة المنشورة في حساب قيادة الجيش الفرنسي، تحمل الكثير من الحقد الموروث عن الاحتلال الفرنسي البغيض، والذي يجهر بمحاولات تفكيك الوحدة الوطنية”.

4