توتر متصاعد بين الحكومة التونسية والمنظمة الشغيلة

تصعيد قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل ضد سياسات الحكومة يأتي عقب بدء تفتت الحزام السياسي الداعم لها بعد انسحاب بعض الأحزاب.
الأحد 2018/03/04
الوقت غير مناسب للتصعيد

تونس – بعث الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي، مجددا بسهام انتقاداته للأداء الحكومي ولرئيسها يوسف الشاهد بصفة خاصة، ضمن تصعيد يأتي بعد أسبوع من دعوة الطبوبي الصريحة بوجوب إجراء تعديل وزاري صلب الحكومة التونسية، ما يشي بأن بوادر أزمة حادة ستشهد تصاعدا في الأيام القادمة، فيما تستعد البلاد لإجراء الانتخابات المحلية (البلدية).

وبعث الطبوبي خلال كلمته، السبت، في افتتاح مؤتمر الاتحاد الجهوي للمنظمة الشغيلة بتونس، برسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة عبر من خلالها عن رفض حصر مهام المنظمة الشغيلة في مربع المطلبية العمالية البحتة، مشددا على أن المسؤول السياسي مطالب بالنتائج.

وقال الطبوبي متوجها ليوسف الشاهد “سيدي رئيس الحكومة الاتحاد لا ينازعك على صلاحياتك لكن كما لك حقوق عليك واجبات ومن واجبك أن تؤتمن على تونس”. وأضاف “بصفتك رئيسا للحكومة وجب أن تعلم أن السياسي الناجح والمحنّك مطالب بتحقيق نتائج إيجابية وعندما نتمعّن في ما قدمته حكومتك نجد أن كل الأرقام سلبية، ولذلك فإن اتحاد الشغل لن يكون شاهد زور”.

ومن أهم الملفات المرشحة لإشعال “حرب” بين الشاهد والاتحاد ملف خصخصة عدد من مؤسسات القطاع العام التي تشكو صعوبات مالية إلى حد الإفلاس. ووفق برنامج الحكومة الذي نال ثقة البرلمان، فإن الإصلاحات الكبرى تستوجب إعادة هيكلة عدد من مؤسسات القطاع العام وخصخصة عددا آخر للرفع من أدائها بعد أن تحولت إلى عبء ثقيل على موازنة الدولة. غير أن الاتحاد لا يرى في هذا التوجه سوى “استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي” واستهدافا للمؤسسات العمومية التي تشغّل الآلاف من الأجراء والموظفين.

في ظل ضغوط الاتحاد العام التونسي للشغل، التي أخذت نسقا تصاعديا على الحكومة وتمسّك رئيسها يوسف الشاهد بعدم ارتهان القرار الحكومي لتلك الضغوط، يرى مراقبون أن العلاقة بين الحكومة والمنظمة الشغيلة مرشحة للمزيد من التوترات التي ستجد صدى في الشارع وستؤثر بشكل كبير على الوضع الهش للبلاد في الفترة القادمة، ما لم يتوصل الطرفان إلى التهدئة والعمل على إيجاد حلول وسط ترضي مختلف الأطراف.

وجدّد الطبوبي تأكيده على أن مسألة التفويت في المؤسسات العمومية للقطاع الخاص هي بمثابة خط أحمر لا يمكن الخوض فيها. كما فتح أمين عام المنظمة الشغيلة ملف التسميات في الأجهزة الحكومية والمؤسسات العمومية بتأكيده أن تعيين إطارات ورؤساء مجالس الإدارات في عهد حكومة يوسف الشاهد تم بمبدأ المحاباة وعدم التعويل على الكفاءة.

وتأتي تصريحات نورالدين الطبوبي النارية بعد خمسة أيام من الإطلالة التلفزيونية التي قال فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في تعليقه على دعوة اتحاد الشغل لإجراء تعديل وزاري، إن المسألة من صلاحياته هو فقط وأن في تقديره لا يمكن الحديث عن أي تعديل في فريقه الحكومي في الوقت الراهن، وهو ما فهمت منه قيادات أكبر منظمة عمالية في البلاد تعنّتا من يوسف الشاهد.

ورغم أن الشاهد شدد في أكثر من مرة على أن علاقته بالاتحاد ستحكمها سياسة الحوار والتشاور حول مختلف الملفات وفي مقدمتها الملف الاقتصادي والاجتماعي، غير أن الاتحاد انتهج سياسة الضغط تجاه الحكومة مستفيدا من الأوضاع الاجتماعية المتدهورة، حيث ما انفك يحمّل مسؤوليتها للحكومة والحال أن الأزمة تتجاوزها.

وتشير بوادر انقطاع حبال الود بين المنظمة الشغيلة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى أن هناك أزمة سياسية حقيقية تطل برأسها وقد تهدّد استقرار الوضع في البلاد خصوصا أن اتحاد الشغل كان منذ توقيعه برفقة أحزاب ومنظمات وطنية على وثيقة أولويات اتفاق قرطاج في مايو 2016 من أهم المساندين لما أطلق على تسميته حكومة الوحدة الوطنية.

ويعتبر الشاهد أن الشأن الحكومي من صلاحياته الدستورية باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية، وهو من يقرر إجراء تعديل وزاري من عدمه. غير أن اتحاد الشغل يرى، بالمقابل أنه معني مباشرة بالشأن العام بما في ذلك تركيبة الحكومة وأدائها ومدى التزامها بتعهداتها التي نصّت عليها وثيقة قرطاج.

ويأتي تصعيد قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل ضد سياسات الحكومة مباشرة عقب بدء تفتت الحزام السياسي الداعم لها بعد أن انسحبت بعض الأحزاب مثل حركة مشروع تونس والحزب الجمهوري وحركة الشعب من وثيقة اتفاق قرطاج.

وقال عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم حركة النهضة الإسلامية لـ”العرب”، في تعليقه على تصريحات الطبوبي “إن حركة النهضة متشبثة بالدفاع عن الحكومة وعن رئيسها يوسف الشاهد”. وأكّد أنه في الوقت الراهن لا يمكن الحديث عن تغيير الحكومة أو رئيسها بسبب المرحلة الصعبة التي تعيش على وقعها البلاد خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في 6 مايو المقبل.

وحول بوادر مزيد تفككّ الحزام السياسي المساند لحكومة يوسف الشاهد، قال الخميري إن الحكومة مازالت مدعومة بحزام قوي تقوده أكبر منظمات البلاد وأكبر أحزابها ولذلك هي قادرة على مواصلة العمل في أريحية. ونفى أن يكون هناك بعدَ تواتر تصريحات نورالدين الطبوبي المنتقدة للحكومة أي لقاء قريب منتظر بين الموقّعين على وثيقة اتفاق قرطاج يقوده رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

وبنفس تصورّات حركة النهضة، مازال حزب نداء تونس شريكها في الحكم، يتمسّك على الأقل بصفة علنية بضرورة مواصلة يوسف الشاهد وهو أحد قياداته ترؤس الحكومة، فيما أشادت أحزاب المعارضة بمواقف الأمين العام لاتحاد الشغل بإجماعها شبه الكلي على أن بقاء الشاهد على رأس الحكومة بات مسألة وقت لا غير.

وقال محمّد عبو، رئيس حزب التيار الديمقراطي (أحد أبرز أحزاب المعارضة في تونس) لـ”العرب” إن مواقف الاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة بالحكومة أو رئيسها ليست مفاجئة أبدا على اعتبار أنها عادة ما كانت تبنى تاريخيا على قاعدة ملفات التفاوض أو لتنفيذ طلبات منظوريه في كل القطاعات.

وأضاف أنه يتّفق تماما مع توصيفات نورالدين الطبوبي المنتقدة ليوسف الشاهد بقوله إن “مسيرة يوسف الشاهد على رأس الحكومة لم تعرف منذ تسميته في مايو 2016 تحقيق نجاحات تُذكر والدليل على ذلك مزيد تأزم الوضعين الاجتماعي والاقتصادي في البلاد”. وحول فرضية ما إذا كان اتحاد الشغل قد سحب البساط من تحت أقدام الشاهد قال محمّد عبو “أعتقد أن مواقف المنظمة الشغيلة مبنية على دافع نقابي أكثر من أن يكون سياسيا ولذلك لا يمكن الحسم أو الجزم في مسألة سحب الاتحاد لثقته في الحكومة أو في رئيسها”.

وأكّد أن تغيير يوسف الشاهد لن ينفع البلاد في شيء خلال الفترة الراهنة إلا إذا توفّرت شروط هامة منها قيام هبّة شعبية تطالب الائتلاف الحاكم بوجوب تعيين رئيس حكومة مشهود له بالكفاءة، مشدّدا على أن أكبر الإشكالات التي أغرقت تونس في أزماتها هي منظومة الحكم التي يقودها نداء تونس والنهضة وليس رؤساء الحكومات.

وأضاف رئيس حزب التيار الديمقراطي أن مسألة بقاء الشاهد على رأس الحكومة انطلقت منذ أن تظاهر ببدئه في الحرب على الفساد فوجد نفسه أمام ضغوط مستمرة من حزبي الحكم ولذلك لم يقدر على تحقيق أي شيء إيجابي خلال مسيرته في حكم البلاد.

الطبوبي: التفويت في المؤسسات العمومية للقطاع الخاص خط أحمر
الطبوبي: التفويت في المؤسسات العمومية للقطاع الخاص خط أحمر 

 

6