توت عنخ آمون يغادر مقبرته بعد قرن على اكتشافها

مصر تمنح عناية بالغة لمحتويات مقبرة الملك توت عنخ آمون، باعتباره الفرعون الأكثر شهرة، فحياته فريدة بداية من توليه الحكم في عمر تسع سنوات، ووفاته المحيرة قبل بلوغه العشرين عاما.
الخميس 2019/08/08
عملية تتطلب الدقة والحرص

يشكل انطلاق أعمال ترميم التابوت الخارجي لمومياء الملك توت عنخ آمون الأحد، اختبارا صعبا لخبراء الترميم في مصر الذين يتعرضون باستمرار للتشكيك في كيفية تعاملهم مع الآثار النادرة، كما أن هذه العملية تحمل إشارة سياسية تؤكد على أن اهتمامات الحاضر لا تلغي الحفاظ على حضارة الماضي، وما يتم الآن من تطوير في مناطق مختلفة هو امتداد منطقي لتاريخ عريق.

القاهرة- بدأت أعمال ترميم التابوت الخارجي لمومياء الملك توت عنخ آمون، بعد نقله من داخل مقبرته بوادي الملوك في مدينة الأقصر (جنوب مصر) إلى المتحف المصري الكبير بالجيزة المجاورة للقاهرة، تمهيدا لوضعه بقاعة ضخمة مخصصة داخل المتحف المقرر افتتاحه العام المقبل، ضمن مشروع كبير يرمي إلى تطوير منطقة الأهرامات الشهيرة.

تمنح الحكومة عناية بالغة لمحتويات مقبرة الملك توت، باعتباره الفرعون الأكثر شهرة في مصر القديمة، حتى أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، حرص على الحضور الأحد بنفسه لمعاينة التابوت والتعرف على تفاصيل وضعيته قبل خضوعه لأي إصلاحات، في ظاهرة لم يشهدها أي أثر مصري خضع للترميم من قبل.

والتابوت مصنوع من الخشب والجص المُذهب، ويمُثل هيئة الملك في وضعية “أوزيرية” بيدين مكسوتين برقائق من الذهب، متقاطعتين على الصدر، تُمسكان بالشارات الملكية المطعمة بعجينة زجاجية زرقاء وحمراء وبطول 223.5 سنتيمتر وعرض 86.8 سنتيمتر، مع مقابض فضية كانت تستخدم لتحريك الغطاء الذي يحمل زخارف على شكل ريش طائر بالحجم الكبير.

وارتبطت مقبرة الملك الشاب التي اكتشفها عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922، بجدل مستمر حتى الآن، فحياته فريدة من نوعها بداية من توليه الحكم في عمر تسع سنوات، خلال الأسرة الثامنة عشرة التي تتبع الدولة الحديثة، ووفاته المحيرة قبل بلوغه العشرين عاما.

بيئة مناسبة

مجموعة استثنائية من الآثار
مجموعة استثنائية من الآثار

تتضمن عملية الترميم إعادة تركيب الرقائق الذهبية المتناثرة التي سقطت من التابوت وتقويتها، كي يرجع إلى الصورة التي كان عليها بعد تعرضه لإهمال ومعاملة غير محترفة من قبل مكتشفيه.

وخضع التابوت الخارجي للمومياء قبل ترميمه إلى عملية فك معقدة استمرت 48 ساعة وتدعيم المناطق الضعيفة بواسطة أنواع من الورق قبل تغليفه بالكامل لرحلة النقل، التي استخدمت وحدات مضادة للاهتزاز تتضمن قياسا مستمرا لدرجة الحرارة والرطوبة.

وقال مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، لـ”العرب”، إن التابوت يعاني شروخا وتساقطا في طبقات الجص المذهبة في الغطاء والقاعدة، ما تطلب تدخلا سريعا لإجراء عمليات الترميم في بيئة مناسبة، ليصبح جاهزا للعرض بعد ثمانية أشهر مع باقي القطع الخاصة بالملك “توت” التي يبلغ عددها 5398 قطعة، تم نقل 4500 منها.

وجاء نقل مومياء توت عنخ آمون تحاشيا لتعرضها للخطر بسبب العدد الكبير من الزوار لمكانها القديم داخل حجرة الدفن الأسطورية التي شهدت ظهور بقع بنية على لوحاتها الجدارية، وتبين بعد الاستعانة بمعهد جيتي الأميركي للحفظ أنها ناتجة عن ميكروبات ميتة لا تحمل خطرا، لكن كثرة ما يحمله الزائرون من بكتيريا وغبار يمثل خطرا عليها مستقبلا.

واستمرت رحلة نقل التابوت 16 ساعة تحت رقابة أمنية مشددة من مقبرته في الأقصر إلى الجيزة لتظل في غرفة الحجر بالمتحف الكبير لمدة أسبوع كامل، قبل دخولها مرحلة التعقيم بغاز النيتروجين للقضاء على أي إصابات حشرية داخله وتنظيفه كيميائيا.

ويحتاج حفظ المومياوات إلى قاعات مجهزة بمواد خاصة، تساعد على حفظ المواد العضوية، ويمتلك المتحف القومي للحضارة في الفسطاط بالقاهرة القديمة خبرة كبيرة بهذا المجال، لكن مسؤولي وزارتي السياحة والآثار قرروا أن يتم نقل مجموعة “توت” كاملة إلى المتحف الجديد لمنحه المزيد من الأهمية.

ويقدم المتحف الكبير لزائريه تجربة مختلفة واستثنائية تعكس عظمة الحضارة المصرية عبر ضمه مجموعة استثنائية من الآثار، وعرضها في إطار أكثر حداثة وعصرية بمزج الأصالة بالحداثة والتاريخ بالعلم الحديث بأسعار تذاكر لم يتم تحديدها، لكن ستكون في متناول الجميع.

وتعتمد مقبرة “توت عنخ آمون” على التداخل بين التوابيت لتضم تابوتا حجريا مستطيلا بداخله اثنان من الخشب والجس المذهب يتخذان الشكل الآدمي المجسم، وثالث مصنوع من الذهب الخالص بوزن 110 كيلوغرامات، وتعد المقبرة الوحيدة في تاريخ الفراعنة التي تم اكتشاف محتوياتها كاملة دون تعرضها لأي سرقات.

شكوك مستمرة

عمليات الترميم تتم وفقا لأحدث الوسائل المعتمدة من قبل منظمة اليونسكو
عمليات الترميم تتم وفقا لأحدث الوسائل المعتمدة من قبل منظمة اليونسكو

تثير طريقة تعامل خبراء الترميم المصريين مع الآثار شكوكا مستمرة بعد التعامل الخاطئ مع ذقن قناع “توت” الذهبي الذي سقط قبل ثلاثة أعوام بالاعتماد على مواد لاصقة عرضته للتشوه، وتم تحويل الأزمة للقضاء المصري وشملت قائمة الاتهام ثمانية مسؤولين بالوزارة.

وتكررت المشكلات ذاتها مع ترميم بعض القطع الأثرية باستخدام مواد إسمنتية ومسامير معدنية في التعامل مع بعض التماثيل ما يعرضها للخطر وتغيير ملامحها الزمنية، كما حدث بمئذنة أبوسمرة في البهنسا بالمنيا (جنوب مصر)، ومسجد الجيوشي الفاطمي على حافة جبل المقطم بالقاهرة، أو تثبيت رأس تمثال أثري في متحف سوهاج (جنوب مصر) القومي بواسطة مسامير حديدية ظاهرة وغليظة.

وأوضحت وزارة الآثار أن عمليات الترميم تتم الآن وفقا لأحدث الوسائل المعتمدة من قبل منظمة اليونسكو، والمتبعة في جميع مواقع التراث بكافة أنحاء العالم، ومن بينها “المونة الأثرية” المُعترف بها دوليا المكونة من خليط من الرمال والحجر الجيري والمياه، وألوان تشبه لون الأثر على الطبقة الخارجية.

وأشار سيد حسن، خبير الآثار الفرعونية، لـ”العرب”، إلى أن شهرة توت عنخ آمون تتعلق بالطبيعة الفريدة لمقبرته وتوابيته المتداخلة التي تمتاز باستخدام طبقات ذهبية متنوعة بين أوراق مذهبة في البدن والأغطية، ورقائق سميكة في الوجه ليعطي مظهرا براقا مماثلا للقناع الشهير.

ويوجد تابوتان لتوت عنخ آمون معروضان في المتحف المصري بوسط القاهرة، أحدهما مصنوع من الذهب الخالص، وسيتم نقلهما داخل المتحف الكبير وعرضهما في قاعة تبلغ مساحتها نحو 7500 متر مربع، بينما تظل مقبرته في الأقصر التي استغرقت عشر سنوات في الترميم مزارا للسائحين، معتمدة على الجداريات الملونة التي تحكي قصّة انتقاله إلى عالم الأموات فقط.

وأضاف حسن أن شهرة الملك الشاب نابعة أيضا من قصة حياته القصيرة ووفاته الغامضة والتي أثارت فضول خبراء الآثار حول العالم، وخضوعه لفحوصات بالأشعة المقطعية وتحاليل “دي.أن.أيه” في محاولة لمعرفة أسباب وفاته بجانب الجدل الذي صاحب وفاة مكتشفيه خلال سنوات قليلة من اكتشاف مقبرته قبل 97 عاما.

واكتسبت مومياء الملك الشاب شهرة واسعة عالمية وجدلا علميا بعد وفاة 22 من المساهمين في اكتشافها خلال الفترة بين عامي 1922 و1927، وربطها بوجود “لعنة قديمة” تسكن المقبرة المكتوب على مدخلها عبارة باللغة الهيروغليفية أن الموت يتوعد بـ”جناحيه السامَّيْن كل مَن يُزعِج سلام الفرعون”.

بدأت مصر تولي اهتماما كبيرا بالآثار الفرعونية عبر استعادة القطع المنهوبة أو المسروقة بالخارج قبل بيعها في مزادات عالمية، وعزمها منح الآثار المكدسة بالمخازن حقها في العرض بافتتاح سلسلة من المتاحف الجديدة، بينها المتحف المصري الكبير ومتحفين في منطقة الدلتا بشمال القاهرة ومثلهما في منتجعات جنوب سيناء.

وذكر مسؤولون في وزارة الآثار أن “لديهم تكليفات سياسية بتطوير المناطق الأثرية والمتاحف وملاحقة أي مشتر للقطع الأثرية المباعة من صالات المزادات خصوصا (كريستيز) بلندن وتفعيل اتفاقية اليونسكو التي وقعت عليها مصر عام 1970، وتمنع بيع أي قطعة أثرية خرجت بشكل غير شرعي قبل هذا التاريخ”.

وتعرضت الحكومة لانتقادات حادة من قبل مصريين على مواقع التواصل الاجتماعي أخيرا، عقب فشلها في منع بيع تمثال رأسي بني اللون من حجر الكوارتز للملك “توت” في مزاد بلندن مقابل 5.97 مليون دولار أميركي، رغم مطالباتها باستعادته وتحريرها مذكرة للإنتربول.

وتعتبر الحكومة تاريخ الفراعنة القديم أحد أعمدة بناء الشخصية المصرية وسر تماسك النسيج الوطني، وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسي في مؤتمرات الشباب الدورية التي ينظمها منذ أكتوبر 2016، على أن أجدادهم أرشدوا الإنسانية كلها لطريق الحضارة وأنهم امتداد لتاريخهم الإنساني وهم قادرون على السير على خطاهم في البناء والتنمية وصنع المستقبل.

ارتباط بالواقع

فرصة جديدة لمحاولة إثبات الكفاءة
فرصة جديدة لمحاولة إثبات الكفاءة

يوحي اهتمام الحكومة بالآثار المصرية أنها لا تفرط في التاريخ، وكما تعمل لتطوير الحاضر من خلال تشييد المزيد من المشروعات القومية العملاقة تراعي أيضا الأبعاد الماضوية، وأن ما يجري على الأرض حاليا هو امتداد لمسيرة طويلة جرت في عهود سابقة.

وشدد وسيم السيسي، عالم المصريات الشهير، في تصريحات صحافية، مؤخرا، على أن جينات توت عنخ آمون موجودة في 87.5 بالمئة من المصريين الذين يعيش فيهم الفراعنة جينيا وبيولوجيا، ويمثلون امتدادا لهم حتى في عاداتهم الغذائية مثل الأسماك المملحة. ويعتبر عالم المصريات أن الملك الشاب تعرض لمؤامرة من أحد الكهنة انتهت بقتله وسيطرة الأخير على الحكم لتشهد مصر سلطة دينية لعام واحد، قبل أن يأتي عسكري يدعى “حور محب” استدعى الشعب وأزاح رجال الكهنوت عن السلطة ووضع دولة مدنية حديثة تحترم حقوق الإنسان.

وتتولى الإدارة المركزية للتسجيل والتوثيق التابعة لوزارة الآثار المصرية، مهمة تسجيل وتوثيق الآثار الثابتة والمتحركة وجميع المقابر والمعابد بجميع المناطق، خاصة الأقصر التي تشهد تطويرا لمشروع الكباش وآخر لإضاءة المعالم الأثرية بالبر الغربي.

وعقدت وزارة الآثار اجتماعا مع أربعة من مديري المتاحف الأوروبية، الأحد، لتطوير المتحف المصري بالتحرير بوسط القاهرة بعد النقل المزمع لمجموعة توت عنخ أمون كاملة، وتلقي اقتراحات لوضع بدائل لها تعمل على تحسين تجربة الزوار الأجانب بما يسهم في وضع المكان على قائمة التراث العالمي باليونسكو.

وتتبنى الحكومة المصرية خطة لتوسيع تجربة المتاحف والوصول بالآثار للسائح في مختلف الأماكن بدلا من أن يتحرك إليها، لتنقل جزءا من الحضارة الفرعونية إلى هواة السياحة الشاطئية في شرم الشيخ والغردقة، ومنح منطقة أهرامات الجيزة عنصرا جديدا للجذب بمتحف يصنف ضمن الأكبر في العالم يضم تشكيلات لمختلف العصور القديمة.

20