توثيق بصري لماضي الحياة وحاضرها

أيام الفن التشكيلي السوري تحتفي بمئة عام على ولادة الرسام نصير شورى.
الاثنين 2020/12/28
من الأعمال المشاركة في معرض الخريف السنوي

"أيام الفن التشكيلي في سوريا" احتفالية يسعى فيها المعنيون بهذا الفن إلى تقديم فضاء إبداعي متميز يزاوج بين الماضي والحاضر. فعلى امتداد تسعة أيام احتفت معاهد الفنون الجميلة وكليّاتها والعديد من المراكز الثقافية السورية بتقديم نماذج من الفن التشكيلي ماضيا وحاضرا، إضافة إلى الندوات الفكرية والورشات الفنية المختصة.

دمشق - لا تهدأ الحياة التشكيلية في سوريا عن الحركة وعلى مدار أيام السنة تتوالى المناسبات التشكيلية بين معرض وملتقى وورشة. وقبل أعوام أسّست احتفالية أيام الفن التشكيلي السوري، التي انتظمت على مدار عامين متتاليين متضمنة طيفا من الفعاليات التشكيلية من معارض وندوات وتكريمات.

فعاليات متنوعة

تم أخيرا اختتام الاحتفالية في دورتها الثالثة والتي جاءت تحت عنوان “ويستمر الإبداع”، حيث تضمنت العديد من الفعاليات التشكيلية والفكرية والورش والملتقيات.

من الثابت تاريخيا أن سوريا عرفت الفن التشكيلي منذ زمن بعيد، مع تشكل الحضارات القديمة التي نشأت فيها

واهتمت الاحتفالية في دورتها الثالثة هذا العام بشكل خاص بالفنان السوري الراحل نصير شورى المحتفى بمرور مئة عام على ولادته، حيث عرض في حفل الافتتاح الذي أقيم على مسرح دار الأسد للثقافة والفنون (أوبرا دمشق) فيلم فيديو قصير عن لوحاته وفنه الذي أتى مترافقا مع مقطوعة موسيقية خاصة ألفها المايسترو عدنان فتح الله قائد الفرقة الوطنية للموسيقى العربية حملت عنوان “حكاية لوحة”.

كما تم إعداد معرض خاص بلوحات الفنان شورى وكذلك لبعض الفنانين الراحلين الذين كرّموا في حفل الافتتاح وهم: طارق الشريف وجورج جنورة وعلي الصابوني. كما شهد حفل الافتتاح تكريم عدد من التشكيليين وهم: محمد غنوم وأدوراد شهدا وشلبية إبراهيم وعلي مقوص. وفي نهاية الحفل قدّمت الفرقة الموسيقية بقيادة

فتح الله برنامجا فنيا مكونا من بعض الأغنيات التراثية.

وعن الاحتفالية قال عماد كسحوت مدير الفنون الجميلة في سوريا “هي تكريم للفنان السوري في عمله الإبداعي، فرغم كل الظروف التي شهدها الوطن والنزف الذي عايشه، فإن المبدعين لم يتوقفوا عن العمل واستمروا في تقديم الجمال، ومن الطبيعي أن نكون معهم في ما قدّموه محتفلين بهذا المنتج الفني الجميل”.

وعلى مدار تسعة أيام كاملة كان الفن التشكيلي حاضرا في العديد من الأماكن في عموم سوريا من خلال هذه الاحتفالية التي تضمنت افتتاح العديد من المعارض منها: معرض الخريف السنوي الذي يشمل التصوير الزيتي والنحت والحفر في خان أسعد باشا بدمشق القديمة.

كما حضرت فنون الخط العربي والخزف والتصوير الضوئي ومعارض استعادية لفناني السبعينات، إضافة إلى مسابقة نحت البورتريه للفنانين الشباب في قلعة دمشق وندوات فكرية في كلية الفنون الجميلة بدمشق وملتقى التصوير الزيتي في جامعة البعث وملتقى فكري آخر في جامعة المنارة الخاصة باللاذقية.

كما أقيمت العديد من الندوات في كلية الفنون الجميلة بدمشق بعناوين عديدة منها: حول هويتي، الثقافة بين الفنان والملتقى، سوريا العمل الفني. كما نظمت العديد من المعارض في جميع المحافظات السورية، وهي معارض نتاج ورشات العمل في اختصاص التصميم الغرافيكي في قاعات ومراسم كلية الفنون الجميلة، علاوة على ملتقى فكري انتظم في جامعة المنارة الخاصة باللاذقية وآخر للتصوير الزيتي في جامعة البعث في مدينة حمص.

سيرة فنية مختلفة

الطبيعة المجردة في أعمال نصير شورى
الطبيعة المجردة في أعمال نصير شورى

يعدّ الفنان نصير شورى أحد رموز الحياة التشكيلية السورية الحديثة، حيث طبع تجربته الفنية بانطباعية ذات نزعة تعبيرية، وتجلى ذلك خصوصا في علاقته التصويرية مع المشاهد البيئية والصور الشخصية، لتصبح رسوماته بمثابة يوميات لحياة دمشق بطابع تعبيري خاص، بعيدا عن مقاييس الحرفة التي كانت في متناول الجميع.

ولقّب شورى بـ”شاعر اللون” متنقلا بين انطباعيته التي تميّزت بميلها إلى الواقع وإلى تجريديته التي كان في بعض مراحلها حروفيا وكان الشغف باللون مهيمنا عليه، الأمر الذي جعله يكون انطباعيا في تجريده، وتجريديا في انطباعيته، كما لم تكن بين التشخيص والتجريد أي مسافة في إمكانها أن تحرجه.

وهو كان يرى أن “الفن صياغة خاصة لعلاقات الأشكال والألوان من خلال رؤية شخصية للفنان تعطيه خصوصيته”. وهذا ما جعله يتنقل بين العديد من المدارس الفنية المختلفة. فأثناء دراسته في مصر تأثر بالفنان المصري الشهير يوسف كامل وهو أحد رواد المدرسة الانطباعية وقدّم فيها أعمالا كثيرة، وفي فترة لاحقة بات شورى يرسم لوحات تحمل مزاجا خاصا به ينحو نحو التجريدية.

شورى لقّب بـ{شاعر اللون} متنقلا بين انطباعيته التي تميّزت بميلها إلى الواقع وإلى تجريديته التي كان في بعض مراحلها حروفيا

ويعتبر الراحل من الجيل المؤسّس للفن التشكيلي السوري، ولد عام 1920 بدمشق، وهو ابن عائلة تهتم بالفن والأدب، حيث نال من خاله المؤرّخ واللغوي الشهير محمد كرد علي اهتمامه بالفن. درس في دمشق وفي مدارسها ظهرت موهبته في فن الرسم.

كان ينوي متابعة دراسته في الفن في إيطاليا، لكن ظروف الحرب العالمية الثانية منعته من ذلك فدرس في مصر. وهو أحد مؤسسي المعهد العالي للفنون الجميلة 1960 الذي تحوّل إلى كلية الفنون الجميلة لاحقا، كما حاز الراحل على العديد من الأوسمة والتكريمات منها وسام الاستحقاق السوري سنة 1982.

وفي 24 نوفمبر عام 1992 توفي شورى بمدينة دمشق تاركا وراءه إرثا فنيا كبيرا يحكي أثره الخالد وأجيالا من الفنانين الذين تتلمذوا على يديه أو تأثروا بأسلوبه.

ويعتبر الفن التشكيلي السوري إحدى أهم الحالات الإبداعية النشطة والمتوهجة باستمرار، ومن الثابت تاريخيا أن سوريا عرفت الفن التشكيلي منذ زمن بعيد، مع تكوّن الحضارات القديمة التي نشأت فيها، حيث وجد منذ العصر السومري والأكادي والآشوري والروماني ثم حضر فن الزخرفة والخطوط في العصر الإسلامي.

أما في العصر الحديث فيمكن تجزئتها إلى ثلاث مراحل. وكانت البداية مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين واستمرت حتى أوسطه، حيث سيطرت على الحركة التشكيلية تأثيرات الفن الغربي فظهرت الحركات التشخيصية والواقعية والانطباعية.

تلتها فترة استطاع فيها التشكيليون السوريون الخروج من عباءة التأثيرات الغربية والعمل في فضاءات فنية جديدة مثل التكعيبية والتجريدية والتعبيرية والتراثية التي عمل عليها البعض بشغف كبير، واستمرت هذه المرحلة حوالي ثلاثين عاما. ثم جاءت المرحلة المعاصرة التي أوجد التشكيليون فيها اتجاهات جديدة، تمتلك رؤى وتطلعات فنية خاصة، فقدّمت تطورا كبيرا لجهة تقديم أدوات فنية مبتكرة وعوالم مختلفة. وهي المرحلة التي بدأت زمنيا منذ الربع الأخير للقرن الماضي ومازالت مستمرة.

17