توثيق شعري لمعاناة الطفل السوري

الخميس 2013/10/24
حسين حبش يعيش تساؤلات الطفولة شعريا

باريس- تتّسم المجموعة الجديدة لحسين حبش "ملاك طائر"، بالنضج الفني، فهو شاعر ذو خبرة وحساسية شعرية خاصة به، لاسيما أنه يكتب باللغتين العربية والكوردية، ويعيش في ألمانيا منذ سنوات، وقد شارك في العديد من الفعاليات الشعرية العالمية، وتقاطعت خبرته مع خبرات شعراء من جنسيات مختلفة، وقد صدرت له قبل هذه النصوص، أربع مجموعات شعرية، في دمشق والقاهرة ومدريد، وتُرجمت مختارات من قصائده إلى عدة لغات، منها: الإنكليزية والألمانية والأسبانية والفرنسية والتركية والأوزبكية والروسية. وكذلك وردت مختارات من قصائده في أكثر من أنطولوجيا شعرية.


المعاناة السورية


"ملاك طائر"، تحمل الكثير من الصدمة والوجع، وفي نفس الوقت، التجديد المختلف والمباغت على صعيد الشكل.

وتكاد تكون أهمية المجموعة، في كونها تكاد ترصد معاناة الأطفال السوريين، من وجهة نظر شعرية، وعبر نصوص فائقة في الجمالية والغوص في داخل الطفل ليتقمص الشاعر حالته ويعيش المساءلات البريئة التي يطلقها الأطفال، الذين يحاولون الاستفسار عما يحدث حولهم عادة، وعن الطفل السوري الذي يتساءل مبهوراً، عن أشياء لا يفهم كيف تحدث. علاقة الطفل السوري بالعنف والقتل والقنص والخراب والنزوح وكل المفردات الجديدة التي قفزت في حياة أطفال سوريا، يرصدها حسين في كتابه الصغير، المؤلف من 64 صفحة، قياس قطع الجيب.

مجموعة حبش إذن هي توثيق شعري لعيش الطفل السوري، وقد اختار الشاعر عدة أطفال سوريين كرّسهم في كتابه، وذكرهم، وكأنه يجول بنا، بلغة صافية لا تخلو من الشعرية، بين عوالم الأطفال ومعاناتهم الخاصة التي لا يفهمها الكثير من الكبار، لكن حسين نجح في رصدها ونقلها. ونصوص حسين كما يخبرني، هي "كتاب عن الأطفال، أولئك الأبرياء والضحايا الذين تحصدهم آلة القتل الجهنمية التي يديرها النظام وغيره في بلادنا".

حقيقة، ودون مغالاة، يستحق هذا الصغير الصغير الحجم، أن يكون مرجعية عن حالات الأطفال السوريين، مرجعية فنية أولاً، ومرجعية نفسية عن أطفال سوريا، وربما كذلك مرجعية قادمة للجيل اللاحق من الطفال السوريين، الناجين من المجازر، والذين لم يعوا هذا الخراب الآني، أو لم يولدوا بعد، ليقرؤوا ما عاشه أطفال سوريا قبلهم، وأخيراً، يمكن للكتاب أيضاً أن يشكّل مرجعية تربوية، يجب أن يطلع عليها الأطفال، لتنمية ذائقتهم الشعرية الجمالية، فهو كتاب سهل وغير معقّد، وإن اتّسم بالمخيلة المنسجمة مع عوالم الصغار، ولا يخلو من المتعة المعرفية.

تتصدر المجموعة حالة اعتذار كتبها الشاعر بمثابة مقدمة، يعتذر فيها الشاعر عن كل ما وقع للأطفال السوريين ويختمها بجملة ديستويفسكي:" يا إلهي كيف يموت الأطفال؟ وهو يفرّق، أي حسين، بين الموت والقتل".

أفرد الشاعر نصوصاً خاصة بأطفال سوريا الذين سحق العنف أحلامهم وحياتهم بعدة طرق.

"ملاك طائر".. الكثير من الصدمة والوجع

فهو يوثّق، شعرياً ، ماوقع لحمزة الخطيب، ولشانتال عواد التي "استشهدت مع أمها في التفجير الأعمى الذي استهدف حي جرمانا في دمشق" ولفاطمة المغلاج "الطفلة التي عثر على جسدها، وهو بلا رأس في قرية كفرعويد في مدينة إدلب التي تعرضت لمجزرة بشعة من بين ضحاياها عائلة المغلاج" ولأديل زعتري التي "استشهدت برصاص القناصة أثناء عودتها من الاحتفال بعيد الصليب في حرستا".

كذلك يكتب حسين عن أطفال بابا عمرو أطفال التريمسة و أطفال تلبيسة و أطفال درعا.


رثاء الطفولة


بين عالم الصغار وعالم الكبار، تتنقّل تيمات الشاعر، حيث التيمة الرئيسية هي الطفل السوري، إلا أنه، وكأنه يمسك بيد القارئ، الكبير والصغير، ليدلّه على عوالم الأطفال، فكأننا في متحف خاص بالطفولة المقتولة أو المسروقة، نتجوّل مع الشاعر من صورة لصورة، من مشهد لآخر، من طفل لآخر… نسمع أحاديث الصغار وبوحهم… في السماء، على الأرض، في المخيمات… ونتعرّف على عوالمهم الحميمة، كـ"لهّاية" الرضيعة ناتالي الخطيب "التي أُستشهدتْ في بلدة "طفس" الحُورانية"، ويكتب عن ابنه سيبان، في قصيدة يسألني سيپان؟ عن ذلك السؤال الذي يطرحه أولاد العالم، وهم يشاهدون الأخبار عن سوريا، السؤال الذي يعجز الآباء عن الإجابة عليه: "بابا، لماذا يقتلون الأطفال في سوريا؟". عن رثاء الطفل لأبيه وهو يودعه خائفاً من الوحدة في نص" لا تتركني وحيداً يا أبي".

أما في النص الفائق العذوبة، حيث بطلات النص هن ستّ "أميرات سوريا الصغيرات" يتحدثن في رثاء البيوت الجميلة عن تشردهن، بعد أن قُصفت بيوتهن وتحوَّلت إلى حطام وركام، فهو نص بالغ الجمال، يتقمّص فيه الشاعر عالم الصبايا الصغيرات، لتصف إحداهن بيت أهلها الذي تحوّل إلى ظل شجرة حنونة، وتصف أخرى بيتها بأنه خيمة في المنفى وثالثة تقول عنه:

"كانَ بيتنا "منشرحاً" له نوافذ كثيرة، وشُرفة مليئة بأصصِ الوَرد والحَبق واليَاسمين. أمَّا الآنَ فقد أصبحَ مدرسةً تضمُّ آلاف النازحين، لا شَرَاشفَ ولا وسَائدَ ولا أغطية ولا أسرَّة بيضَاء".

يعبق الكتاب بمفردات الصغار وهواجسهم إذن، يتحدث عن المدارس ودرّاجة الطفل التي انتشلها من بين الجثث والأنقاض، وأحلام الصغار إن ماتوا، بين طفلة تريد أن تصبح سنونوة، وطفل يريد لأن يتحوّل إلى عندليب، وطفلة أخرى تحلم إن قُتلت أن تصبح بنفسجة في حديقة البيت، وطفل يريد أن يصبح مطراً.

عن خيالات الطفل السوري يكتب حسين نص " تخيُّل"، ليقدم للقارئ انزياحاً خاصاً بعوالم الأطفال السوريين، وهم يحاولون الهرب من الواقع، من المجموعة الحافلة بعالم الصغار.

14