توجس في تونس من احتمال اقتراب الإعلان عن "حزب الرئيس"

أثارت عودة الحديث من جديد حول اعتزام الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تأسيس حزب أو جبهة سياسية لتصحيح الخلل الذي أصاب التوازن الحزبي والسياسي في البلاد بسبب الانقسامات التي تعصف بحركة نداء تونس، توجس بعض الأحزاب التي باتت لا تُخفي خشيتها من مثل هذه الخطوة لجهة إفراغها من كوادرها، أو لجهة إغراق المشهد الحزبي بتكتلات جديدة.
الثلاثاء 2016/10/25
التخوف من الآتي المجهول

تونس - تُبدي بعض الأوساط الحزبية التونسية قلقا متزايدا مرفوقا بتوجس وتخوفات ملحوظة من عودة الحديث حول “حزب الرئيس” الذي أثار لغطا خلال الأسابيع الماضية، وسط تباين الآراء في تحديد مغزى ودلالات هذه العودة، لا سيما في هذا الوقت الذي تبدو فيه حكومة يوسف الشاهد بحاجة ماسة إلى مظلة سياسية قوية، وحزام حزبي متماسك لمواجهة التحديات التي فرضتها التطورات المتسارعة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وتجلى هذا القلق بوضوح في تصريحات عصام الشابي الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري، الذي لم يتردد في التنديد بما وصفه بـ”السياسة الموازية التي أضرت بتونس أكثر من التجارة الموزاية”.

ونفى الشابي في تصريحاته التي نُشرت الإثنين، الأنباء التي أشارت إلى خلافات داخل حزبه بسبب “نية الانصهار صلب حركة نداء تونس من خلال التحاق النائب إياد الدهماني بهياكل هذا الحزب”.

واعتبر أن الهدف من ترويج مثل هذه الاخبار “هو خدمة أجندة سياسية معينة تمهيدا لتفعيل ما يتداول عن مبادرة تأسيس حزب سياسي”، وذلك في إشارة مباشرة إلى الحزب أو الكيان السياسي الجديد الذي تسعى بعض الأوساط المحيطة بالرئيس السبسي إلى تشكيله.

وربط مراقبون هذا الموقف الذي عكس توجسا لافتا بتواتر الحديث مُجددا حول وجود مبادرة سياسية قد تُعلن عنها الرئاسة التونسية، لها صلة بإمكانية تأسيس حزب أو جبهة سياسية واسعة لدعم ومساندة الحكومة ومؤسسة الرئاسة.

وبرز هذا التوجه في بداية الشهر الجاري، عندما أشارت تسريبات إلى أن الرئيس الباجي قائد السبسي حسم أمره باتجاه تشكيل هذا الكيان السياسي، الذي توقع البعض أن يقوم على أنقاض حركة نداء تونس، بالإضافة إلى تجميع عدد من القيادات الحزبية الأخرى التي انسلخت عن أحزابها، أو استقالت منها.

وتم خلال تلك الفترة تداول العديد من الأسماء منها، إياد الدهماني القيادي في الحزب الجمهوري، والنقابي السابق محمد الطرابلسي، والمنجي الرحوي القيادي في الجبهة الشعبية، والوزير الحالي مهدي بن غربية، بالإضافة إلى عدد من قيادات حركة نداء تونس مثل الأزهر العكرمي، وبعض النواب منهم وليد جلاد ومصطفى بن أحمد.

منذر بالحاج علي: البلاد أصبحت اليوم بحاجة ماسة إلى توازن جديد في الخارطة السياسية والحزبية

ولكن، سرعان ما هفت الحديث حول هذه المبادرة بسبب المعارضة الشديدة التي واجهتها من داخل حركة نداء تونس، وبقية الأحزاب الأخرى التي اعتبرت أن هكذا خطوة من شأنها زعزعة تماسك تلك الأحزاب، عبر إفراغها من كوادرها بما يُؤثر على التوازن الحزبي والسياسي في البلاد.

وأمام عودة الحديث مُجددا حول هذه المبادرة التي خُيل للبعض أنها سقطت في الماء بسبب تباين الآراء والمواقف منها، عاد السجال حولها من جديد وسط أنباء بأن مفاعيلها قد نضجت، وأصبحت قاب قوسين من إعلانها، حتى أن البعض لم يستبعد احتمال الإعلان عن هذا الكيان خلال النصف الأول من الشهر القادم.

غير أن ذلك لم يمنع الشابي من التشديد في تصريحاته على أن التجربة “أثبتت أن هذه الاستراتيجية خاطئة، وأن أول من يكتوي بنارها هو من يبني حزبا عن طريق تشويه الأحزاب الأخرى”.

ورأى مراقبون أن مثل هذا الموقف بقدر بما يعكس ارتفاع منسوب القلق في صفوف العديد من الأحزاب، فإنه يؤكد مرة أخرى على تباين المواقف من هذا المشروع الذي لم يستبعد البرلماني منذر بالحاج علي تجسيده على أرض الواقع، بغض النظر عن المخاوف التي تنتاب الأحزاب السياسية التي لا تُخفي خشيتها من أن يتسبب ذلك في تفكيك وحدتها.

وقال لـ“العرب”، إن المسألة ليست في إعلان هذا الكيان السياسي من عدمه، وإنما في ضرورة إدراك أن البلاد أصبحت اليوم بحاجة ماسة إلى توازن في الخارطة السياسية والحزبية يُشبه ذلك التوازن الذي أحدثته حركة نداء تونس عندما تأسست في العام 2012.

وأوضح منذر بالحاج علي أن حركة نداء تونس التي طرحت مشروعا وطنيا حداثيا وعصريا، تخلت عن ذلك عندما أبرمت اتفاقا مع حركة النهضة الإسلامية، وهو ما دفع العديد من الأطراف التي تؤمن بذلك المشروع إلى محاولة تجميع مختلف القوى والشخصيات لإحياء المشروع المذكور، وبالتالي تحقيق التوازن المطلوب.

ولفت في هذا السياق إلى وجود العديد من الأفكار المرتبطة بهذا الموضوع، وهي متداولة على أكثر من صعيد، منها ما يتعلق بالمبادرة التي تعتزم الرئاسة إطلاقها في سياق البحث عن توازن جديد للمشهد السياسي في البلاد.

غير أنه استدرك قائلا ” الرئيس الباجي قائد السبسي لم يتحدث في هذا الموضوع ولم يتكلم إلى غاية الآن، وعندما يفعل ذلك لكل حادث حديث، وسنتفاعل معه، ذلك أن الأصل في الموضوع اليوم هو تجميع كل القوى لترميم المشهد الحزبي، وإعادة التوازن الذي فقدته الساحة السياسية في البلاد”.

ويسود، رغم ذلك، انطباع لدى غالبية الأوساط السياسية أن مثل هذه المبادرة مازالت غامضة، وأن الرئيس الباجي قايد السبسي الذي لم يتخل بعد عن حركة نداء تونس ليس في وارد التسرع لخلق مثل هذا الكيان السياسي الجديد، رغم أنه أصبح اليوم في سباق ضد الساعة لتصحيح عناصر المعادلة السياسية التي اختلت، ولتوفير ضمانات النجاح لحكومة يوسف الشاهد، عبر تمكينها من مظلة وحزام سياسيين.

4