توجه فني لكسر الهيمنة التركية على الدراما التاريخية

"أهل الكهف" و "الملك أحمس" يعيدان مصر إلى الأعمال الملحمية.
السبت 2021/01/30
سوسن بدر تجسد دور والدة الملك أحمس في المسلسل الرمضاني

تشهد مصر حاليا توجها إنتاجيا نحو اقتحام حلبة الأعمال الملحمية من بوابتي السينما والدراما معا، في محاولة توحي بأن هناك رغبة للتصدّي للهيمنة التركية التي تسيطر على تلك النوعية من الأعمال وتوظفها في تمجيد الدولة العثمانية ورموزها.

القاهرة - ظلت الأعمال التاريخية منطقة هامشية تتحاشى السينما والدراما في مصر الاقتراب منها لسنوات طويلة، لأنها تحتاج إلى ميزانيات ضخمة وقد يتم تقديمها في النهاية بصورة تعجز عن جذب الجمهور إلى حلبة المشاهدة التي تعجّ بالأعمال المنافسة.

وتراجعت الأعمال التاريخية في الدراما المصرية في الآونة الأخيرة بعد انسحاب قطاع الإنتاج بالتلفزيون الرسمي من الحلبة وظهور شركات إنتاج تبحث عن الربح السريع، حتى ولو جاء ذلك خاليا من القيمة الفنية، وهو ما منح فرصة للأعمال السورية التاريخية لتتقدّم، وبعد خفوتها لأسباب داخلية شغلت بعض الأعمال التركية هذا الفراغ، ضمن توجه عام يعمل على توظيف الدراما في خدمة السياسة.

إعادة هيكلة فنية

نجاح مسلسل "ممالك النار" شجع المنتجين المصريين على الاستلهام من التاريخ وتقديمه تلفزيونيا وسينمائيا
نجاح مسلسل "ممالك النار" شجع المنتجين المصريين على الاستلهام من التاريخ وتقديمه تلفزيونيا وسينمائيا

تجري حاليا تجهيزات تصوير فيلم “أهل الكهف” المقتبس من مسرحية تحمل العنوان ذاته للكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم التي قدّمت على خشبة المسرح قبل عقود طويلة، دون أن تحقّق جماهيرية كبيرة لامتلائها بالأفكار الفلسفية.

وتدور قصة العمل حول ثلاثة رهبان يقضون ثلاثة قرون في سبات عميق هربا بدينهم من ظلم الملك دقيانوس، ويستيقظون ليجدوا أنفسهم أمام تغيرات وتطوّرات العصر، ويدخلون في صراعات قبل أن يعودوا مجدّدا إلى كهفهم مفضلين المكوث فيه على الإقامة بالخارج، وهي مستوحاة من مضمون القصة القرآنية في صورة الكهف.

ويقدّم كاتب السيناريو أيمن بهجت قمر معالجة جديدة للمسرحية تجعلها أكثر حداثة وتشويقا وتزجّ بها نحو منطقة أعمال الحركة لتحريرها من جمود النص المسرحي، وجذب الجمهور لها والذي يبدي تشوقا لرؤية معارك تاريخية مصنوعة محليا.

ويقوم ببطولة “أهل الكهف” الفنان خالد النبوي الذي قام على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا بحملة دعائية كبيرة، غرضها الترويج للعمل والتمهيد له قبل طرحه في دور العرض السينمائي.

وقال الناقد الفني أندرو محسن، لـ”العرب”، إن الأعمال التاريخية تحتاج إلى ميزانية ضخمة وسيناريو محكم على مستوى الكتابة وتوحيد نمط اللغة المستخدمة من الدقائق الأولى سواء أكانت عامية أو فصحى أو عامية محافظة، فالجمع بينها جميعا يخلق نوعا من التنافر بين الجمهور.

ويحمل فيلم “أهل الكهف” بصمة إخراجية للمخرج عمرو عرفة الذي حشد لتصويره 13 ممثلا من ذوي الشعبية، مثل خالد النبوي ومحمد ممدوح وغادة عادل وخالد الصاوي وبيومي فؤاد، للتغلب على مشكلة مزمنة للأفلام التاريخية مع شباك التذاكر.

وطرح المخرج شريف عرفة منذ عامين فيلم “الكنز 2” الذي يتّبع سيرة علي الزيبق البطل الشعبي ومغامراته ويجول في ثلاثة أزمنة متباينة، لكن الفيلم فشل في احتلال مرتبة متقدّمة في إيرادات التذاكر.

وللسينما المصرية تاريخ قديم مع الأعمال الملحمية يعود إلى الثلاثينات مع فيلم “شجرة الدر” بطولة يوسف وهبي عام 1935، وتبعه “كليوباترا” بعد ثمانية أعوام للفنان أنور وجدي، ثم “فتح مصر” عام 1948 بطولة يحيى شاهين، وكلها كانت  أعمال ضعيفة تم تقديمها بصورة ساذجة وعزف عنها الجمهور، والذي لا ينجذب لها عندما كان يتم عرضها من وقت إلى آخر.

ومثلت فترة الستينات من القرن الماضي ذروة الإنتاج المصري التاريخي بعدة أفلام كان أهمها “وا إسلاماه” الذي اعتمد على فريق أجنبي في التصوير لإخراج المعارك بشكل أفضل، وتوّجت بـ”الناصر صلاح الدين” الذي تكلف إنتاجه 200 ألف جنيه مصري، ولم يحقّق نصف المبلغ في شباك التذاكر، فأصيبت الشركة المنتجة له “آسيا فيلم” بالإفلاس.

وعانت الأفلام الملحمية من آفة مزمنة تتعلّق بتقديمها بطريقتين، إما في صورة تاريخية صرفة تشبه المحاضرات الجامعية ما يصيب الجمهور بالملل، أو الجنوح إلى الدفة الأخرى بنزعها من سياقات التاريخ تماما وتقديمها كما لو كانت عملا  عصريا يركّز على الحب والعاطفة أكثر من سياقات الزمن وتنازع القوى وصراعاتها.

عين على تركيا

أندرو محسن: الأعمال التاريخية تحتاج إلى ميزانية ضخمة وسيناريو محكم
أندرو محسن: الأعمال التاريخية تحتاج إلى ميزانية ضخمة وسيناريو محكم

ينطبق الأمر ذاته على الدراما التي ستشهد في الموسم الرمضاني المقبل عرض مسلسل “الملك أحمس” بطولة النجم عمرو يوسف الذي سيقدّم شخصية أحمس طارد الهكسوس من مصر، ويتضمّن مادة ثرية حول تجهيز الملك الصغير الجيش وصناعة العجلات الحربية المتطوّرة ومعاركه مع المحتلين حتى طردهم من حدود مصر الشرقية.

ولا يخلو هذا العمل من مغزى سياسي عصري، حيث أدّت تطورات الأزمة الليبية إلى تدخل تركيا عسكريا وإرسال عناصر من جيشها إلى ليبيا، مصحوبة بالآلاف من المرتزقة، ما يمثل تهديدا للأمن القومي لمصر من الناحية الشرقية.

وأكّد أندرو محسن أن الأعمال الفرعونية شديدة الندرة في الدراما المصرية ولا تتجاوز مقاطع في المسلسلات، كما حدث في فيلمي “الكنز” و”الأصليين”، لاحتياجها تجهيزات خاصة على مستوى الديكور والتصوير، حتى المشاهد التي تضمّنت تلك الحقبة لم تكن على المستوى المطلوب.

وكان تامر مرتضى، المنتج المشارك في مسلسل “أحمس”، قد أوضح أن العمل يعتبر الأضخم على مستوى الإنتاج بما يضمه من حروب وخيول وديكورات وملابس، ليكون أول عمل عن الحقبة الفرعونية بشكل حقيقي للجيل الحديث، ويتناول حياة قدماء المصريين بشكل واقعي، مع توظيف أضخم مؤثرات بصرية شهدتها الدراما المصرية.

عمل يزخر بالنجوم
عمل يزخر بالنجوم

وسبق لمصر تقديم كم كبير من الأعمال التاريخية الملحمية مع اعتمادها على السرد، وغياب المعارك عنها لتقليل التكلفة، حتى أن أحد المخرجين اضطر منذ عدة سنوات إلى اقتطاع لقطات من نسخة قديمة لقصة البطل سبارتاكوس وتوظيفها على أنها انتصار المسلمين على الفرس.

وتحاول الدراما المصرية أن تجد لها مكانا وسط غزو الدراما التركية للأعمال ذات الصبغة التاريخية، لكن ربما تحتاج الكثير من الوقت كي تحقّق أهدافها.

وتجهّز تركيا حاليا لمجموعة من الأعمال الدرامية تستهدف بها الجمهور العربي في المقام الأول، أحدها عن يافوز سليم تاسع سلاطين الدولة العثمانية، وآخر عن البحار بربروس قائد الأسطول العثماني، بجانب فيلم سينمائي بعنوان “ميريوكيفالون.. شفق الأتراك”، الذي يدور حول سيطرة السلاجقة على منطقة الأناضول.

وعزّزت أنقرة من سيطرتها على الإنتاج التاريخي بسلسلة تعاون خارجي لزيادة حجم إنتاجها بعيدا عن مشكلات التمويل، فدخلت في شراكة مع باكستان لإنتاج مسلسل “تورك لالا” الذي يشير إلى دور المسلمين في شبه القارة الهندية إبان حروب البلقان.

ودخلت في شراكة مع أوزبكستان لإنتاج المسلسل التاريخي “ميندرمان جلال الدين”، ويحكي قصة السلطان جلال الدين خوارزم شاه الذي نجح في هزيمة جنكيز خان.

وتراهن تركيا على نجاح سلسلة من الأعمال الدرامية التي تمّ عرضها في السنوات الثلاث الأخيرة، بعد سلسلة من الأعمال المثيرة ضمت صعود الإمبراطوريات “العثماني”، و”الصحوة.. السلجوق العظيم”، و”كورولوس.. عثمان”، و”أرطغرل.. القيامة”، والموسم الخامس من “السلطان عبدالحميد”.

وربما يكون النجاح الذي حقّقه المسلسل العربي “ممالك النار”، من إنتاج إماراتي، وتأليف المصري محمد سليمان عبدالمالك، وبطولة خالد النبوي، أحد العناصر المشجّعة للمنتجين المصريين، بعدما حقّق العمل نجاحا كبيرا واستطاع مواجهة التزييف التركي للتاريخ المملوكي وإظهار المجازر التي ارتكبوها بحق المصريين أثناء غزوهم.

15