توحش الاقتصاد وانتشار الحروب والتمييز: العالم من دون سلطة

كلما حدثت كارثة إنسانية أو حرب أو انتشر وباء قاتل، إلا وكانت الأمم المتحدة آخر من يعلم. وإذا لم تتمكن مكاتبها من التدخل مباشرة في الإنقاذ أو إجلاء جرحى أو تقديم مساعدات، فإن أمينها العام يسارع بالإعراب عن قلقه في صورة حدوث كارثة تقف وراءها إحدى الدول الكبرى في العالم. فالأمم المتحدة تنظيم دولي يحتكم بدوره لتوازنات القوى العالمية، بل إنه تنظيم يبرر بقاء الأقوى قويا دائما.
الجمعة 2016/07/15
الخوذة الزرقاء تصم الآذان بدل أن تكون صاغية لآلام العالم

نيويورك - نشرت دراسة دولية، الخميس، في نيويورك شاركت فيها مؤسسة بيرتلسمان البحثية الألمانية تؤكد أن العالم لا يزال بعيدا كل البعد عن تحقيق أهداف الأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة. وجاء في الدراسة الدولية أن السويد هي الأفضل تحقيقا لهذه الأهداف حتى الآن تليها الدنمارك والنرويج.

وشملت الدراسة تحليل بيانات من 149 دولة، وجاءت ألمانيا في المركز السادس ضمن أفضل عشر دول مضيا في تحقيق هذه الأهداف. وتذيلت دول أفريقية قائمة الدول الماضية في تحقيق هذه الأهداف وكانت جمهورية أفريقيا الوسطى آخر دولة في قائمة هذه الدول.

ما تكشفه هذه الدراسة في عمقها هو أن الأمم المتحدة التي رسمت أهداف التنمية المستدامة وتحقيق الاستقرار العالمي وإنهاء حالة الحروب والكوارث البيئية والتمييز العنصري وغيرها من الإستراتيجيات، غير قادرة على ضبط تلك الأهداف التي حددت لها سقف سنة 2030 لتحقيقها. فالأمم المتحدة جهاز ضخم ومعقد من المؤسسات والموظفين والبرامج والأهداف والانتشار العالمي، لكنها إلى الآن تتسم بالضعف والتبعية إلى الدولة الكبرى المانحة.

منظمة ضعيفة

تحتوي الأمم المتحدة على خمس منظمات كبرى متخصصة في الربط والتشبيك والتعاون الشامل، كما تشمل 26 مكتبا قطاعيا يعمل كل مكتب على عدد من المحاور مثل منظمة العمل الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة وغيرها من الاختصاصات الأخرى. كما للأمم المتحدة 7 مكاتب متخصصة في التعاون مع المنظمات الإنسانية وتنسيق العمل في الكوارث والأزمات الكبرى.

ولئن كانت هذه المكاتب والأقسام والاختصاصات الموزعة على كامل الدول في العالم تشكل الهيكل العام للمنتظم الأممي وتسعى إلى تحقيق أهدافها المرسومة، إلا أن كل تلك المنظمات لا تزال إلى الآن عالقة في عدم نجاعتها لأسباب تتعلق باستراتيجيات الأمم المتحدة ذاتها وأهدافها التي أصبحت اليوم مضطربة وغير واضحة وأيضا بسبب ارتهان قراراتها للدول الكبرى في العالم.

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هو الأداة الرسمية والمحورية التي من خلالها تشرع الدول الكبرى للحروب

فقد تسرب تقرير عن حضور أكثر من 2000 مختص وخبير في اجتماع هامشي في المؤتمر العالمي الخامس والعشرين للسكان في العالم، وجاء في التقرير أن المختصين والخبراء ناقشوا عددا من المحاور المتعلقة بإستراتيجية الأمم المتحدة إلى حدود سنة 2030 تمركزت جلها حول كيفية التقليص من عدد السكان والحد من نسبة الولادات والتكاثر البشري.

ويقول التقرير الذي سربته إيفات بوارياي الكاتبة الفرنسية العاملة في القطاع الاجتماعي الديمقراطي، إن العالم سيصل في حدود سنة 2050 إلى 9 مليارات ساكن، الأمر الذي سينتج عنه اختلال في التوازن بين الإنتاج العام من المواد الغذائية والاستهلاكية والمساكن والآلات التي تنتج الغازات والكهرباء والطاقة وبين عدد السكان، ولذلك فقد “ركز الخبراء في ذلك المؤتمر على كيفية وقف نمو السكان”.

هدف إيقاف زيادة عدد السكان في العالم يمكن أن يناقش في سياق التفاهمات مع الدول والحكومات للتشجيع على الحد من النسل لمدة معينة حتى يتمكن العالم من التقاط أنفاسه، لكن أن تنتهج الأمم المتحدة سياسات أخرى لتحقيق الهدف فهذا أمر قد يخالف الأسس التي بنيت عليها المنظمة. فزيادة الأوبئة والكوارث البيئية والحروب والتشجيع على السلوكات الجنسية غير الطبيعية والضغط من أجل تقنين الإجهاض، كل هذه الظواهر لم تستطع الأمم المتحدة الحد منها وإعلان الحرب عليها وتجنيد كل طاقاتها لإنقاذ الإنسانية منها. وهذا واضح من خلال عجز المبعوثين الدوليين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن إيجاد مخارج للنزاعات التي تشهدها المنطقة منذ زمن، كما لم تتمكن الأمم المتحدة من إيجاد آليات لتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بحماية الكوكب من الانحباس الحراري مثلما حدث في مؤتمر باريس حول المناخ كوب 21”. كما تسعى الأمم المتحدة الآن عبر العديد من المنظمات غير الحكومية المدعومة من دول غربية إلى وضع بنود قانونية في العديد من الدول تشرع للزواج المثلي والقطع مع الشكل الطبيعي للتزاوج وتأسيس الأسر.

ارتهان للقوى الكبرى

تعود بريطانيا اليوم للاعتراف بأن غزو العراق سنة 2003 كان خطأ، وذلك عبر تقرير المستشار الملكي جون شيلكوت الذي ترأس لجنة تحقيق تعمل منذ سبع سنوات على كشف مدى مشروعية الحرب على العراق. وقد كشف شيلكوت أن قرار البريطانيين الدخول مع الولايات المتحدة الأميركية في الحرب كان مبنيا على معلومات وتقارير استخباراتية مغلوطة وغير صحيحة. هذا الاعتراف يعيد إلى الأذهان الحملة الكبيرة التي قامت بها بريطانيا والولايات المتحدة للوصول إلى إجماع دولي حول ضرورة ضرب العراق وذلك لأن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل، في حين أن الأمر ليس كذلك وقد أثبت التاريخ هذه الحقيقة.

المنتظم الأممي بقي يعرب عن قلقه في كل مرة تحدث فيها أزمة قد تستحق في علاجها أكثر من الإعراب عن القلق بكثير

أما عن الأمم المتحدة، فقد كان مجلس الأمن هو الأداة الرسمية والمحورية التي من خلالها توصلت القوى الكبرى إلى صوغ قرار الحرب وجعله قرارا مشروعا. إذ لا يملك مجلس الأمن الذي يعد أول مؤسسة كبرى للأمم المتحدة أي قوة ليتحكم في مصير دول من المفروض أنه من يحمي أمنها، وبالنسبة إلى الحرب على العراق فقد كان قرار 1441 الوثيقة التي أودت بكل مصداقية يمكن أن توضع حول المنتظم الأممي الذي يضم 193 دولة.

ليس العراق فقط ضحية اختلال المؤسسات داخل الأمم المتحدة، فأول المتضررين من هذا الضعف هم الفلسطينيون الذين عولوا على الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ولكن إلى الآن ومنذ نكبة 1948 ينتظرون حلولا ناجمة عن مفاوضات جوفاء تنتهي بتأجيل أي مخرج حقيقي للأزمة.

ويتكون مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من خمس عشرة دولة فيها خمس دول دائمة العضوية؛ وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وعشر دول يتم انتخابها كل سنتين. وبهذه التركيبة فإن القوى الكبرى العالمية هي التي تهيمن بشكل مطلق على القرارات ومصائر الدول والناس، في حين لا يمكن لبقية الدول أن تؤثر في سير القرارات حتى وإن تضررت مصالحها بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي المحصلة، لم تتمكن الأمم المتحدة على مدى تاريخها من التأسيس لواقع عالمي جديد، بل تميز أداؤها دائما بالجري وراء الأحداث ومحاولة التخفيف من الأضرار بدل استباق الضرر ذاته، فبقي المنتظم الأممي يعرب عن قلقه في كل مرة تحدث فيها أزمة قد تستحق في علاجها أكثر من الإعراب عن القلق بكثير.

6