توحش الاقتصاد وولادة الجهاد الفرنسي: انقلاب في قيم التنوير

العديد من المعاهد والكليات والحضائر العامة في فرنسا لا يوجد فيها طلبة أو تلاميذ أو عمال، الكل في الشوارع يحتج ضد مشروع قانون وزارة العمل الذي سوف يطرح بعد أيام في البرلمان الفرنسي لنقاشه والمصادقة عليه. ويجمع المعنيون بهذا القانون على أنه مؤشر خطير على عجز سياسات الحكومة الفرنسية عن إيجاد حلول للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية للشباب الفرنسي الذي تؤكد الدراسات أن انعدام الفرص أمامه سوف يحوله إلى طاقة هائلة للتطرّف.
السبت 2016/04/30
صورة من بلد حقوق الإنسان

العديد من المعاهد والكليات والحضائر العامة في فرنسا لا يوجد فيها طلبة أو تلاميذ أو عمال، الكل في الشوارع يحتج ضد مشروع قانون وزارة العمل الذي سوف يطرح بعد أيام في البرلمان الفرنسي لنقاشه والمصادقة عليه. ويجمع المعنيون بهذا القانون على أنه مؤشر خطير على عجز سياسات الحكومة الفرنسية عن إيجاد حلول للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية للشباب الفرنسي الذي تؤكد الدراسات أن انعدام الفرص أمامه سوف يحوله إلى طاقة هائلة للتطرّف.

تتردد الأصوات المنادية في ساحة الجمهورية، وسط العاصمة الفرنسية باريس، دون انقطاع، ليلا ونهارا، “نريد التنفس”، “العمل حق للجميع”، “لا تقتلوا الجمهورية، لا تقتلو الإنسان”، “لن يمر قانون ميريام الخمري” (في إشارة إلى اسم وزيرة العمل الفرنسية ميريام الخمري).

حاملين هذه الشعارات خرج المئات من الشباب والطلبة والتلاميذ والعمال وشخصيات يسارية إلى شوارع باريس ومدن فرنسية عديدة، ليعبروا عن رفضهم لمشروع القانون الذي تنوي الحكومة طرحه يوم 3 مايو المقبل على البرلمان لمناقشته.

كان يمكن أن تكون هذه الاحتجاجات أمرا طبيعيا في دولة عرفت بعراقة علمانيتها وديمقراطيتها وطالما تغنت بأنها عاصمة حقوق الإنسان. لكن، الوضع يختلف كثيرا حين يخرج الفرنسيون وفي مثل هذا السياق الداخلي والخارجي الحرج، وبأعداد قدرّت بأكثر من 170 ألفا، وحين يصف رئيس الحكومة مانويل فالس هؤلاء المحتجّين بـ”الأقلية غير المسؤولة”، فيما يقول عنهم وزير الداخلية برنار كازنوف إنهم “مجموعة من المشاغبين”، ويتم قمعهم من قبل الشرطة.

هذا الحجم من الرفض الفرنسي يدقّ ناقوس الخطر لأزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية يمكن أن تتسبب في انقلابات جذرية في كل القيم التاريخية التي عرفت بها فرنسا منذ ثورة 1789 وما تلاها من تغييرات في جمهورياتها الخمس.

وقد اتخذت المظاهرات منحى عنيفا الجمعة، في الوقت الذي تم فيه إلقاء القبض على 24 محتجا في العاصمة الفرنسية باريس، بعد ورود تقارير من الشرطة تفيد بوقوع أعمال شغب.

الأمين العام للكونفيدرالية العامة للعمل بفرنسا مارتيناز فيليب، يؤكد أن “التحولات الاقتصادية التي تعيشها فرنسا منذ عقد ونصف سوف تحول المجتمع إلى آلة جامدة، تتحرك للعمل فقط، وتحصل على قوتها لتأكل وتعيد الإنتاج، لا شيء غير ذلك”. ويأتي هذا التصريح لصحيفة “لو بوان” الفرنسية بعد أن ضغطت الاتحادات الطلابية وعدد من الجمعيات الشبابية على الأحزاب والنقابات العمالية الكبرى نتيجة القوانين الجديدة التي سوف تطرح على البرلمان، مهددين بالإضراب العام “لوقف ممارسات السلطة التي ستحطم فرص الشباب في العمل”، بحسب فيليب.

التحولات العميقة في ذهنية الشباب الفرنسي ليست من فراغ بل نتيجة سياسة الدولة المتشددة في الداخل

اقتصاد الحرب

هذه المعضلات الاجتماعية التي تعيشها فرنسا، وهي في تصاعد، تعود إلى أكثر من عقد مضى، وتجلّت ملامحها من خلال المظاهرات المليونية التي اجتاحت مدن فرنسا ضد قانون التشغيل الذي صادقت عليه حكومة جاك شيراك سنة 2006. وقد قدّر حينها عدد المتظاهرين بحوالي ثلاثة ملايين متظاهر فرنسي. وكان نيكولا ساركوزي قد غذى الاحتقان الاجتماعي، وكان حينها وزيرا للداخلية، وقد أثار الجدل بوصفه المحتجين بـ”مثيري الشغب الحثالة”. وأضاف ساركوزي أن تلك الاضطرابات نتيجة “لمشاكل أهملت على مدى 30 عاما وستحتاج لوقت كبير لتحل”. لكن تلك المشاكل كانت عصية على الحل وأدت إلى حراك اجتماعي ضخم في 2007، كان خلالها ساركوزي رئيسا لفرنسا. وقدّر عدد المتظاهرين بثلاثة ملايين فرنسي.

وشكّلت تلك الاضطرابات ملامح تغير في أسلوب الاحتجاج بفرنسا وردّة فعل الحكومة، حيث كان العنف مسيطرا على الجانبين. ورغم أن الوضع هدأ بعض الشيء إثر ذلك، إلا أن المظاهرات الكبرى والإضرابات المندلعة منذ شهر مارس ضد مشروع قانون الخمري، أثبتت أن المشاكل لم تحل وأن فرنسا على طريق التغيّر.

ومن أسباب ذلك، ما أكّده الباحث الاجتماعي الفرنسي إيريك بوسورال، في دراسة صدرت مؤخّرا في المجلة الفرنسية لعلم الاقتصاد الاجتماعي، جاء فيها أن “الدولة الفرنسية حولت اهتماماتها لتعزيز مكانتها في العالم، مدافعة على مجال نفوذها الكلاسيكي الذي أصبح عرضة لضغط العولمة الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة. وهذا التركيز أجبر الدولة الفرنسية على تخصيص اعتمادات ضخمة لإعادة الانتشار العالمي، الأمر الذي أدى إلى تهميش الواقع الداخلي نظرا لأن الهيمنة الخارجية تحتاج إلى وقت طويل لتتحول إلى أرباح”.

ويؤكد هذا التحليل ما ذهب إليه مراقبون بأن من بين أسباب المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها فرنسا اليوم، هي الحروب التي تقوم بها في مالي وسوريا والعراق وبوركينا فاسو، إضافة إلى العمليات الخاصة في كل من نيجيريا والسنغال وساحل العاج وأفريقيا الوسطى. وقالت صحيفة “الملاحظ” (لوبسرفاتور) إن ميزانية وزارة الدفاع لا تتعدى الـ450 مليون أورو، في حين أن تكاليف هذه العمليات تعد ضخمة وتتجاوز أحيانا هذه الميزانية، الأمر الذي يجعل الحكومة مطالبة بالضغط على المصاريف والبحث عن مصادر التمويل في كل الاتجاهات، وهنا يأتي الضغط على المواطن، وبذلك تتولد الخطط غير الاجتماعية وتتلاقى مصالح الحكومة مع مصالح أرباب العمل على حساب الموظفين والعمال وشروط التشغيل للشباب، بحسب بوسورال.

مراقبون: الدولة الفرنسية حولت اهتماماتها لتعزيز مكانتها في العالم، مدافعة على مجال نفوذها الكلاسيكي الذي أصبح عرضة لضغط العولمة الاقتصادية

وما يزيد الأمر تعقيدا، ويرفع من خطورة الاضطرابات الراهنة، الظرف العالمي الحساس، ففرنسا ونتيجة لتدخّلاتها في بعض الدول، باتت محطّ تهديد إرهابي كبير فاجأ الدولة نفسها. فمنذ هجمات تولوز، التي قام بها الفرنسي من أصل جزائري محمد مراح، وصولا إلى تفجيرات باتاكلان ومرورا بعملية شارلي إيبدو في باريس، تركز الأجهزة الفرنسية على الأولوية الأمنية، وهي وظيفة داخل جهاز الدولة تستهلك موارد وطاقات وأموال كبيرة.

إنتاج التشوه

أصدر الباحث الفرنسي ألكسندر مينديل كتابا يوم 14 أبريل الجاري بعنوان “فرنسا الجهادية”، أكد فيه أن “التحولات العميقة في ذهنية الشباب الفرنسي في الوقت الراهن ليست من فراغ، فقد عم خراب العقل منذ أن اتخذت الدولة سياسة أكثر تشددا في الداخل والانصراف إلى الاستثمار في المجال الخارجي بسخاء”.

وتؤكد تقارير صحافية محلية أن طبيعة الإنتاج الاقتصادي في فرنسا تمس من التوازن الاجتماعي وبالتالي من البنية النفسية للمواطن، خاصة الشباب؛ إذ يقول أستاذ العلوم السياسية الفرنسي في جامعة برلين موني ياي في مقالة مطولة له في صحيفة “ميديا بارت”، إن “فرنسا مريضة بمواطنيها”، متحدثا عن المنظومة المسؤولة عن إنتاج عقول تميل إلى “الانحراف والتطرف في كل شيء”.

ويمكن قياس تفسيرات النخبة الفرنسية للوضعية النفسية الاجتماعية الهشة للشباب الفرنسي انطلاقا من عدد المنخرطين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية من المواطنين الفرنسيين، إذ وصل عددهم بحسب تصريحات وزير الداخلية برنار كازنوف إلى 1000 مقاتل فرنسي. ويحمل 15 بالمئة من الفرنسيين رأيا إيجابيا عن تنظيم الدولة الإسلامية، بحسب آخر استطلاع للرأي قام به المعهد الأوروبي.

عدم قدرة الشباب الفرنسي على البقاء في محيط اقتصادي مريح يجعله متوازنا، أدى بجزء كبير منه إلى التعاطي مع الواقع المحلي والعالمي بطريقتين مختلفتين تماما. فعدد هام من الشباب الفرنسي، غالبا ما يكون غير آبه بالسياسة والقضايا العامة والمشاكل التي تشغل العالم، وفي نفس الوقت يوجد عدد آخر من الشباب ممن يتبنى الفكر المتطرف لعلاج هذه القضايا، سواء عبر نشر الفكر المتطرف في القومية الفرنسية أو الدينية أو تبني أفكار التنظيمات الجهادية مثل داعش.

الأرقام تؤكد أن مسألة إنتاج الفكر المتطرف تعود في جزء كبير منها إلى طبيعة المناخ الذي يعيش فيه الفرد

وتؤكد الأرقام أن مسألة إنتاج الفكر المتطرف تعود في جزء كبير منها إلى طبيعة المناخ الذي يعيش فيه الفرد. فالخطاب السياسي الذي ينتجه الغرب عن المجال العربي المسلم يحتوي على الكثير من “الاستعلاء”، بحسب تعبير المفكر سمير أمين.

وتحميل المسؤولية للواقع العربي، سواء الاقتصادي أو السياسي، كأنه يخلي ساحة المنظومة الغربية من إمكانية إنتاجه لواقع صانع للتطرّف، وليس الأمر فقط متعلقا بالتجربة التاريخية الفاشية أو النازية التي تعد مثالا على انقلاب الحداثة الغربية إلى أنظمة شمولية. بل إن المنظومة الحالية التي تعيش عليها مجتمعات الغرب تجبر الفرد على خيارين لا ثالث لهما: الانخراط في المنظومة بالغة الصعوبة والتعقيد أو التمرد؛ واليوم أبرز مثال للتعبير عن التمرد الانضمام إلى داعش، الذي يجد فيه الشباب شكلا مثاليا للتعبير عن رفضه للمنظومة التي يعيش ضمنها. وكل ذلك بسبب طبيعة النظام الاقتصادي التي تميل إلى التوحش والاهتمام بالمردودية فقط دون النظر إلى العمق الإنساني.

وقرأ رئيس الوزراء السابق ورئيس بلدية بوردو حاليا آلان جوبيه مشروع القانون الذي سوف تطرحه ميريام خمري وزيرة العمل على الجمعية العامة الفرنسية بداية مايو المقبل قائلا إن “هذه الحكومة اليسارية برئاسة مانويل فالس لن تخرج من الحكم إلا إذا أعطت كل فرص النجاح لحزب الجبهة الوطنية، فمارين لوبان زعيمة الحزب تستغل كل الأخطاء الفادحة التي تقوم بها الحكومة ورئيس الجمهورية لتضيف إلى حسابها ناخبين جددا”.

وربما يندرج تصريح جوبيه في سياق ما ذهبت إليه آراء مفكرين فرنسيين في أن عاصمة الأنوار إذا ما بقيت على هذا المنوال المضطرب، ربما ستشهد انقلابا في قيمها التي بنتها عقول فلاسفة العقد الاجتماعي منذ القرن الثامن عشر، والتي شهدت تجدّدا في ثورة الشباب في مايو 1968، وربما سوف تكون الثانية من نوعها في مايو 2016.

كاتب من تونس

6