توحش صراع الهوية في مصر: المسيحيون كفار والإسلام انتشر بالسيف

تشهد الساحة المصرية مؤخرا تصعيدا خطيرا جراء ارتفاع نبرة التصريحات المتطرفة وتبادل الاتهامات بالتكفير، ما ينذر بعواقب وخيمة على المستوى الديني والسياسي خاصة أن تلك التصريحات لم تأت على لسان بعض الجهات المتطرفة مثل الإخوان أو السلفيين بل صدرت عن شخصيات تمثل المؤسسات الدينية الرسمية.
الأربعاء 2017/05/24
الوطن للجميع

القاهرة- عندما استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره المصري عبدالفتاح السيسي في البيت الأبيض مطلع شهر مايو، أكّد ترامب للسيسي “معا… سنحارب الإرهاب”، وجدد الرئيس الأميركي التأكيد على الدور المصري في محاربة الإرهاب خلال القمة الأميركية الإسلامية في الرياض. لكن، وبقدر ما يؤكد هذا التصريح على أهمية مصر باعتبارها شريكا في مكافحة الإرهاب فإنه يضاعف المسؤولية على القاهرة، التي ستتوجب عليها محاربة الإرهاب وأسبابه وعوامله في الداخل لتنجح في مهمتها الإقليمية.

وبالنظر إلى المشهد المصري الداخلي، يؤكد خبراء أن المواجهة الداخلية هي أكثر تعقيدا من الخارجية، حيث تعج الساحة المصرية بمسبّبات الإرهاب والمظاهر التي تؤدي إلى تمدده وبقائه حيّا، بدءا بالمشاكل الاجتماعية ووصولا إلى أكثر الأسباب خطورة وأهمية وهي الصراع على الهوية والفتنة الطائفية واللذين دخلا منعرجا خطيرا بدخول المؤسسات الدينية الرسمية على خط إشعال فتيل الاستقطاب السياسي الديني.

الخبراء يطالبون بقصر مناقشة قضايا العقيدة داخل القاعات المغلقة وليس على الملأ أو في برامج الفضائيات

ويؤكد الخبراء أن الفشل في إدارة التنوع الثقافي والديني في مصر من شأنه أن يعيق جهود الدولة في ومحاربة الإرهاب ومصادره، بل إن الوضع يزداد تعقيدا بتحوّل الأمر إلى فعل ورد فعل مضاد. وفي مثال على حالة الاستقطاب بين المصريين، المسلمين والمسيحيين، تصريحات القس مكاري يوناني والتي سبقتها تصريحات سالم عبدالجليل.

لم تكد تهدأ نيران تصريحات الشيخ سالم عبدالجليل التي أشار فيها إلى “فساد العقيدة المسيحية”، حتى شهدت الأجواء المزيد من الاحتقان بسبب تصريحات القس مكاري يونان (كاهن الكنيسة المرقسية الكبرى بالقاهرة)، والتي أشار فيها إلى “أن مصر مسيحية الأصول والتاريخ، والإسلام انتشر بالرمح والسيف، والعقيدة المسيحية طاهرة لا تعرف القتل الذي تعرفه الأديان الأخرى”.

ويعزز هذا الصراع بشحنته الطائفية المتفجّرة وخطابه التكفيري المخاوف في الداخل المصري في ظل وضع أمني واجتماعي غير مستقر من الانجرار إلى وضع متوتر يوفّر بيئة خصبة للتيارات والتنظيمات المتطرفة للقيام بأعمال عنف وقتل واعتداء تحت غطاء فتاوى مغلوطة.

ويشدد عدد من المراقبين على دلالات تلك الدعاوى المتطرفة وخطورتها كونها صدرت من رموز دينية وطنية يفترض عليها أن تعمل على التهدئة والتخفيف وتساهم من مركزها في دعم الخطاب الديني المتجدد والهادئ.

ويعتبر الشيخ عبدالجليل، أحد شيوخ الأزهر وسبق له أن تولى منصب وكيل وزارة الأوقاف المصرية، وهو ما يفترض عليه تبني مواقف وسطيّة معتدلة في مواجهة دعوات التطرف والغلو، فيما لا يمثل انخراط القس يونان مكاري في موجة التصريحات المتشددة حالة منفردة داخل الصف القبطي، حيث شهدت السنوات الماضية عدة تصريحات علنية ومواقف مسيئة للإسلام من جانب عدد من رموز الكنيسة المصرية الأرثوذكسية.

وشهدت البلاد مئات الحالات من أحداث العنف الطائفي وحرق الكنائس وتهجير بعض الأسر، لكن المصريين تجاوزوا هذه التحديات ونجحوا في الحفاظ على وحدتهم بفضل تكاتف المؤسسات الدينية المعتدلة مثل الأزهر والكنيسة وانحيازها للغة العقل للحفاظ على السلم المجتمعي. لكن دخول بعض عناصر هاتين المؤسستين على الخط في لعبة التكفير يشي بنتائج كارثية على استقرار مصر ووحدتها.

نبش مدمر في فتن الماضي

صراع الهوية

تبنّى الكثير من الأقباط في مصر بصفة فردية لحظة ثورة 25 يناير باعتبارها فرصة لمعالجة واقع تهميش الأقليات السائد في دول المنطقة والتأكيد على صفتهم المواطنية الكاملة في البلاد. وبالرغم من نصيحة الكنيسة القبطية لرعاياها في البداية بعدم الانضمام إلى الاحتجاجات، فإن عددا كبيرا من الشباب المسيحي شارك في هذه التحركات. وبعيدا عن المخاوف الأمنية والتهديد بالفوضى وصعود الإسلام السياسي بدت الثورة في لحظاتها الأولى وكأنها قطيعة مع الماضي وبداية مرحلة جديدة في دولة المواطنة.

لكن بعد تلاشي الحماسة وفي ظل تطور الأوضاع، عاد الخطاب القديم للظهور. انبرى كل طرف ينبش في فتن الماضي حول هوية مصر الدينية، حيث يعتبر البعض من المتشددين الإسلاميين أن مصر إسلامية، بينما يرى نظراؤهم من المسيحيين أن أصلها قبطي، وهم أصحاب البلد، وأن الإسلام انتشر فيها بالقوة. ويصف الباحث القبطي سامح فوزي هذا الجدل بالعبثي والمدمر لكلا الطرفين، فالوطن لكل المصريين وسيظل وطن الجميع بغض النظر عن الدين.

وأشار فوزي في حديثه لـ”العرب” إلى أن اللعب على هذا الوتر يضر بالمجتمع، والأخطر أنه يشغله عن أولوياته الحقيقية في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية ومشكلات الفقر والبطالة وغلاء الأسعار وتحقيق الديمقراطية والتنمية.

وإعادة ملامح هذا الصراع الهوياتي القديم إلى السطح عبر الصراع الطائفي والديني لن تؤدي إلا إلى تهديد مقومات الوحدة الوطنية وتهديد السلم الاجتماعي وتصعيد خطابات الكراهية .

ويرى مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن تصريحات رجال الدين حول العقائد “بمثابة لعب بالنار، فالشعب المصري سواء المسلم أو المسيحي بطبيعته متديّن ومحافظ، والعقيدة الدينية عنده تمثل خطا أحمر”.

وأكد علوي لـ”العرب” أن مصر تمر بمرحلة انتقالية خطيرة وهي بحاجة إلى تكاتف جميع أبنائها من المسلمين والمسيحيين حتى لا تكون عرضة لما تشهده بعض الدول الأخرى- كالعراق وسوريا- والتي دخلت في أتون حروب دينية وطائفية انتهت بانهيارها وتدميرها.

تلاسن عقائدي

بالنظر إلى المشهد المصري الداخلي، يؤكد خبراء أن المواجهة الداخلية هي أكثر تعقيدا من الخارجية، حيث تعج الساحة المصرية بمسبّبات الإرهاب والمظاهر التي تؤدي إلى تمدده وبقائه حيّا

يعتبر المفكر القبطي كمال زاخر أن “الأب مكاري تم استدراجه إلى معركة ليست له، فالتاريخ ومقارنة الأديان ليس محلهما منبر الكنيسة أو المسجد”. وطالب زاخر في تصريحات لـ”العرب”، بضرورة قصر مناقشة القضايا العقدية عبر القاعات المغلقة ومن خلال البحث العلمي وداخل النخب الدينية والفكرية فقط، بعيدا عن العامة حتى لا يتحول المجتمع المصري إلى حالة من الصراع حول من هو الأصح دينيا، أو أن ينتقل من حالة الفكر إلى حالة السلوك والفعل.. وهو الأمر الأخطر.

ويتفق نشطاء أقباط مع تلك الرؤية، وأكدوا أن الخلاف العقائدي بين الإسلام والمسيحية ليس جديدا، لكن السؤال كيف هو يمكن تحقيق التعايش الديني بين المصريين في ظل هذه الاختلافات ومنع البعض من العبث به؟

ويبيّن أحمد شوقي، أستاذ المستقبليات، أهمية توظيف القانون للحد من استفحال الظاهرة من خلال تطبيق مواد الدستور المصري والقوانين الخاصة بازدراء الأديان، ومنها المادة 98 من قانون العقوبات التي تنص على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمئة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة”.

وطالب شوقي بسرعة إصدار قانون المجلس الأعلى لمكافحة التطرف والإرهاب، وأن تكون أهدافه محددة وصلاحياته كاملة في مواجهة هذه الدعوات التحريضية واستباق الأزمات مستقبلا.

وأشار شوقي لـ”العرب” إلى ضرورة تكاتف الطرفين من خلال ما أسماه “هَبّة” مجتمعية لمحاصرة هذه العناصر القليلة غير المسؤولة لمنعها من ضرب ثوابت المجتمع وأسسه المتينة، فالتنافس في التطرف و”سياسة التسخين” سيقود مصر إلى مستقبل مجهول في ظل وضع إقليمي مضطرب وإرهاب متمدد يحتاج مصر قوية وآمنة من الداخل لتتمكن من لعب دورها ضمن التحالفات الدولية لمواجهة مختلف مسببات العنف وعدم الاستقرار.

7