توحيد الحركات السودانية المسلحة أزمة تؤرق قياداتها وخصومها

قيادات الجبهة الثورية السودانية تحرص على التظاهر بأنها كتلة واحدة كي تضغط على قوى الحرية والتغيير، وترسل إشارات خفية إلى الجيش بأن هناك احتمالا لمواجهة صعوبات أمنية.
الجمعة 2019/08/16
جنوب السودان يصرعلى فتح جرح توحيد الحركات المسلحة في الجارة السودان

القاهرة- يصر رئيس دولة جنوب السودان سليفاكير ميارديت على فتح جرح توحيد الحركات المسلحة في الجارة السودان مبكرا، حيث لا يريد ترك القضية حتى تنفجر ارتداداتها القوية داخل بلاده.

ويبدو أنه أكثر قيادات دول الجوار انخراطا في البحث عن وسيلة لتقريب وجهات النظر بين الفصائل المتصارعة، خوفا من أن يتحمل شخصيا تكاليف باهظة، إذا استمرت الخلافات بعد الشروع في تنفيذ استحقاقات العملية السياسية في الخرطوم، فإحدى مشكلات جنوب السودان حصولها على الاستقلال دون حسم مصير الحركات المسلحة التي تقض مضاجع رئيسها حاليا.

بحث جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة الأربعاء مع سليفاكير، مستقبل التسوية السياسية في السودان، ومنتظر أن تستقبل جوبا الثلاثاء قيادات في الحركتين الأخريين في الجبهة الثورية، وهما حركة تحرير السودان- جناح مني أركو ميناوي، والحركة الشعبية- قطاع الشمال، بزعامة مالك عقار، لإجراء حوارات تمهد لاستيعاب فصائل أخرى داخل الجبهة، مثل الحركة الشعبية، جناح عبدالعزيز الحلو، وحركة تحرير السودان، جناح عبدالواحد محمد نور.

وتقوم قيادات الجبهة التي وصلت إلى جوبا منذ ثلاثة أيام بالتحضير لعقد اجتماعات موسعة مع جميع حركات الكفاح المسلح. ونقل جبريل مطالب التفاوض مع باقي الحركات إلى الرئيس سليفاكير، بحيث يكون الجميع ممثلا داخل الجبهة الثورية لدعم وتقوية الموقف التفاوضي للحركات المسلحة في الخرطوم.

انهمكت الجبهة في مفاوضات شهدت شدا وجذبا مع قوى الحرية والتغيير الفترة الماضية في الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة، للتوافق حول التفاهمات المطلوب تضمينها في الوثيقة الدستورية التي سيتم التوقيع عليها نهائيا السبت المقبل، لتفتح الطريق لتدشين المجلس السيادي والحكومة ثم المجلس التشريعي.

محمد إسماعيل شقيلة: التقارب بين الحركات المسلحة {مرحلي وليس استراتيجيا}
محمد إسماعيل شقيلة: التقارب بين الحركات المسلحة "مرحلي وليس استراتيجيا"

وقال محمد إسماعيل شقيلة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري في الخرطوم، لـ“العرب” إن التقارب بين الحركات المسلحة “مرحلي وليس استراتيجيا”، لأن الجبهة الثورية نفسها لديها خلافات عميقة بشأن تسمية رئيسها، ويدور تنافس بين مالك عقار ومني أركو ميناوي، لكن التباين مع الحرية والتغيير يؤجل تفجير هذه القضية.

وكشفت التوجهات العامة في الجبهة الثورية عن ملامح فتور وعدم رغبة في التقارب مع فصائل مسلحة أخرى، وتتجاوز ما هو معلن من خمس أو ست حركات كبيرة، فهناك ميليشيات صغيرة ومؤثرة نشأت في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وجميعها مناطق شهدت معارك ضارية خلال السنوات الماضية مع القوات الحكومية، وخلفت وراءها مرارات، وقيادات جنت مكاسب من حمل السلاح، وانفتحت على بعض دول الجوار التي وظفتها ضمن لعبة الحرب بالوكالة التي سادت بغزارة في دول جوار السودان.

حاولت جنوب السودان وإثيوبيا أكثر من مرة خلال عهد الرئيس المعزول عمر حسن البشير توحيد الحركة الشعبية، جناحي عقار والحلو، لكن فشتلا لتمسك كل شخص بأحقيته في منصب رئاسة الحركة، ووضع القيادات الأخرى في التراتبية الحركية.

جمعت جوبا الرجلين، عقار والحلو، عقب عزل البشير في أبريل الماضي، لكنها أخفقت مرة أخرى في تسوية الخلافات بينهما، ولا يزال الملف معلقا، مع ذلك يظهر الرئيس سيلفاكير حرصا شديدا على جمع العدوين اللدودين، لأن قتالهما يدور جزء منه بالقرب من الحدود الشمالية لدولة جنوب السودان، في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ويقيمان معظم الوقت في بلاده، ما يسبب له حرجا سياسيا مع الخرطوم حال انهيار المفاوضات.

إذا تم الربط بين ما يحدث من خلافات بين الرئيس سيلفاكير وغريمه ونائبه الأول سابقا رياك مشار يمكن أن تتجلى معالم اهتمام الأول بتوحيد الفصائل المسلحة وانخراطها في العملية السياسية، وعدم ترك هامش للمناورات، فبقاء التوترات على مقربة من جنوب السودان يمنح مشار وقواته المسلحة قبلة حياة للاستفادة عسكريا من السيولة في المنطقة الحدودية.

وأشار إسماعيل شقلية لـ”العرب” إلى أن مالك عقار ونائبه ياسر عرمان، ضابطان في جيش جنوب السودان حتى اللحظة، وتقاتل قوات تابعة لجبريل إبراهيم بجوار قوات سليفاكير في حربه ضد مشار.

تفسر هذه المعطيات تركيز غالبية الجهود الحديثة على الحركة الشعبية وحركة ميناوي، بينما لم تحظ حركة تحرير السودان، جناح عبدالواحد نور، باهتمام مماثل، لأن قائدها يعاني من اهتزازات داخلية كبيرة قد تعصف به في أي لحظة، ويقيم معظم الوقت في باريس، بمعنى أن قاعدته الحركية والشعبية متآكلة وروافدها قليلة بالنسبة لدولة جنوب السودان.

تعتقد الفصائل المنضوية في الجبهة الثورية نفسها الممثل الحقيقي، العسكري والسياسي، للأطراف والأقاليم المهمشة في السودان، وتتفاوض وتتحاور من هذا المنطلق مع الجميع، وتريد أن تضمن حصة مهمة خلال الفترة الانتقالية، وهي واحدة من المعضلات التي تواجه محادثاتها مع قوى الحرية والتغيير، وتعلم أن تمرير الوثيقة الدستورية من دون وضع مطالبها كأحد بنودها الرئيسية يقلل من حظوظ المشاركة في السلطة والثروة في المرحلة التالية، حيث تكون الخطوط السياسية رسمت ووضحت تماما ولا مجال لتغييرها.

تحرص قيادات الجبهة الثورية على التظاهر بأنها كتلة واحدة، ومطالبها وتحركاتها وأهدافها متجانسة، كي تضغط على قوى الحرية والتغيير، وترسل إشارات خفية في الوقت نفسه إلى الجيش السوداني بأن هناك احتمالا لمواجهة صعوبات أمنية، والصفحة القديمة لم تغلق بعد، على الرغم من الالتزام بقرار وقف العدائيات في الأقاليم القلقة، ما يستوجب القيام بالدفع نحو الاستجابة لتليين موقف الحرية والتغيير.

ليس هناك مجال للإرهاق العسكري في السودان الجديد
ليس هناك مجال للإرهاق العسكري في السودان الجديد

وأشارت تصريحات وتلميحات صادرة عن المجلس العسكري إلى عدم ممانعته تضمين مطالب الجبهة الثورية في الوثيقة الدستورية، وقذف بالكرة عمدا في ملعب الحرية والتغيير، ويعلم أن اقتطاع مكاسب للجبهة سيكون على حساب الطرف الآخر في المعادلة السودانية.

ويراهن المجلس العسكري على الفجوة بين الجانبين للضغط على الحرية والتغيير، وإضعاف موقف الحركات المسلحة، لأن الجيش السوداني سوف يجد نفسه مطالبا بالوفاء باستحقاقات مفوضية السلام المتوقع تشكيلها قريبا، وترمي إلى استعادة الأمن والاستقرار ورد المظالم في الأطراف، والأهم استيعاب عناصر مسلحة قاتلت طويلا وسط الأحراش بصورة غير نظامية، داخل صفوف مؤسسة الجيش النظامية.

وتراهن بعض القيادات العسكرية على إنهاك الفصائل المسلحة سياسيا، فليس هناك مجال للإرهاق العسكري في السودان الجديد، وحضها على صب تجاذباتها مع قوى الحرية والتغيير واقتسام كعكة السلطة معها فقط، ما يجعل الجبهة الثورية تقبل في النهاية بأي تسوية لحسم مصير قياداتها وكوادرها العسكرية.

وتنتبه الحركات المسلحة لهذه الحيل، لذلك ربطت مستقبلها بمدى الاستجابة لرغباتها، وما سيتم تقديمه من إغراءات سياسية، خاصة إذا خلت الوثيقة الدستورية من مطالبها كاملة، ما يفرض عليها التمسك بالورقة العسكرية والتلويح بها عند اللزوم.

2