توحيد كتاب التاريخ في لبنان يتأرجح بين السياسة والحرية الأكاديمية

طرح موضوع كتابة التاريخ اللبناني الموحّد منذ سنوات حين أشير إليه للمرة الأولى كبند إصلاحي في وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي وضعت حدا للحرب اللبنانية إذ نص على ضرورة "توحيد كتاب التاريخ" دون أن يشير إلى الوسائل والآليات اللازمة لتحقيق هذا البند.
الثلاثاء 2015/07/14
دراسة نفس المناهج في التاريخ توحد ثقافة التلاميذ وتكوينهم في المدارس اللبنانية

ينص البند المذكور الوارد تحت خانة إصلاحات حول التربية والتعليم: “إلزامية التعليم في المرحلة الابتدائية على الأقل، وحماية التعليم الخاص وتعزيز رقابة الدولة على المدارس الخاصة وعلى الكتاب المدرسي، وإصلاح التعليم الرسمي والمهني والتقني وإصلاح أوضاع الجامعة اللبنانية ولا سيما في كلياتها التطبيقية. وإعادة النظر في المناهج التربوية وتطويرها بما يعزز الانتماء والانصهار الوطني، والانفتاح الروحي والثقافي وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية”.

وتشكلت عدة لجان من باحثين ومؤرخين بهدف صياغة كتاب تاريخ موحد لكنها كانت تتعثر في كل مرة ويكون مصيرها الفشل. والثابت حتى الآن هو أن المسالة ما زالت معلقة بين قرار رسمي بتوحيد كتاب التاريخ وبين صعوبة تحقيقه.

ويتفق المؤرخون والباحثون اللبنانيون أن توحيد كتاب التاريخ ليس ضرورة وطنية. فالتاريخ ليس مادة علمية بحتة مثبتة بالبراهين، حسب تعبير للمؤرخ اللبناني الراحل كمال الصليبي، بل هو أقرب إلى فن الطب القائم على تحكيم العقل في المعلومات. من ناحيته يرى المؤرخ عصام خليفة أن كتاب التاريخ لا يوحّد المجتمع، “فالمجتمع يتوحّد قبل ذلك في المنزل والحزب والمدرسة”.

وينص الدستور اللبناني في مادته العاشرة على أن التعليم حر ما لم يخلّ بالنظام العام أو ينافي الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب ولا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك وفقا للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية.

وبما أن النص الدستوري يكفل حرية التعليم فإن وزارة التربية قد عملت على تطبيقه طوال مرحلة الاستقلال. فمُنحت الحرية لدور النشر والمؤلفين بإصدارات مختلفة لكتب التاريخ طالما أنها لا تثير الحساسيات الطائفية وتخدم الوحدة والانصهار الوطنيين. وتركت للمدارس الخاصة والرسمية حرية اختيار أي كتاب من الكتب المتوفرة لدى دور النشر، اقتداء بالدول الديمقراطية التي تتيح لمدارسها حرية اختيار مناهج دون أي توجيه بخلاف الأنظمة الشمولية التي تعتمد في كتب التاريخ والتربية الوطنية على منهاج يمجد عقيدة النظام ويسوّق لها.

لا يعتبر التلاميذ مادة التاريخ مادة ثقافية لأنها ليست دراسة لحالة أو واقع مدني بل هي سرد لأحداث الماضي

وتعتمد المدارس الرسمية والخاصة نسخا متعددة من كتاب التاريخ تقارب العشرين. لكنها تقتصر على عرض تاريخ لبنان لغاية فترة استقلاله أما التاريخ الحديث فيصعب أن تتوفر له قراءات موضوعية. ويقول المؤرخ مسعود ظاهر في هذا السياق إن مرحلة الاستقلال وحتى بداية الحرب الأهلية عام 1975 تميزت بحرية التأليف والنشر للكتب المدرسية، ومنها كتاب التاريخ المدرسي.

“لكن انفجار الحرب الأهلية حمل معه سيلا من الكتب المدرسية بالإضافة إلى دراسات تاريخية تعبر عن آراء مؤرخي الطوائف ولا تحترم الحد الأدنى من شروط البحث الأكاديمي في لبنان. ففي عام 2008 كان هناك أكثر من عشرين سلسلة من كتب التاريخ المعتمدة لتدريس مادة التاريخ في لبنان. إلا أن المادة نفسها لم تحظ بأكثر من حصة واحدة من أصل 33 حصة في الصفوف المتوسطة والثانوية، وبنسبة 3 بالمئة من المنهاج العام، مقابل 18 بالمئة لتدريس مادة الرياضيات و15 بالمئة لتدريس اللغة العربية أو الفرنسية”.

وفي بحثه حول المسألة يعتبر الكاتب والمؤرخ ظاهر أن أزمة كتاب التاريخ المدرسي الموحّد في لبنان المستمرة منذ عام 2001 حتى الآن تثبت أن مادة التاريخ في المدارس اللبنانية مسألة سياسية في غاية الخطورة والأهمية، لأن “أي خلاف نظري أو إيديولوجي حول كلمة، أو صورة، أو حدث تاريخي، أو تأويل، أو تفسير يعرّض المقرر برمته إلى الإلغاء وإلى تعليق العمل به، أو تجميد طباعة الكتاب أو سحبه من المدارس وحذف ساعات التاريخ من الجدول الأسبوعي باعتبارها مادة خلافية.

وهذا ما حصل فعلا خلال العام الدراسي 2001-2002 حين صدر قرار وزاري بالتوقف عن تعليم مادة التاريخ في مدارس الجمهورية اللبنانية حتى إشعار آخر. وذلك يتطلب بعض الحلول العلمية لمشكلة كتاب التاريخ المدرسي الموحد انطلاقا من هواجس وطنية وتربوية في آن واحد”.

كما يرى ظاهر أن فرض كتاب موحّد لتدريس مادة التاريخ في المدارس الخاصة والرسمية يناقض الدستور اللبناني، ويتعارض مع تاريخ التعليم الحر الذي تتميز به لبنان منذ تأسيسه، “فالكتاب المفروض بإرادة فوقية يسيء إلى الطالب، والأساتذة، والعملية التربوية بكامل أبعادها. ولا يحقق أيا من الأهداف التي تتوخاها وزارة التربية الوطنية.

الحرب الأهلية حملت معها دراسات تاريخية تعبر عن آراء مؤرخي الطوائف ولا تحترم شروط البحث الأكاديمي
فالطالب اللبناني ليس معزولا عن وسائل الإعلام، ولا يمكن فصله عن مصادر المعرفة التاريخية الأخرى. كما أنه محاط بالمواقف السياسية والطائفية اليومية والمدرسة ليست معزولة عن البيئة المحيطة بها، كما أن التلميذ ليس معزولا عن بيئته. وليس بمقدور الكتاب المدرسي الموحّد أن يقدم له وقائع تاريخية نهائية لا تقبل الشك، بل عليه أن يعلمه كيف يتعاطى مع الأحداث التاريخية بروح نقدية تنمي لديه حس المواطنة وكيفية حماية الوطن من مخاطر النزاعات المحلية والتدخلات الخارجية”.

إلياس التوم أحد أساتذة المدرسة الرسمية اللبنانية. درّس التاريخ على مدى أربعين عاما. يقول لـ“العرب” “بالنسبة لمادة التاريخ يختلف اهتمام الطلبة بها ويعتمد على من يقوم بتدريسها، البعض يراها مادة جافة أو سرد قصصي للحوادث عبر التاريخ. أما البعض الآخر فيعتبرها علامة استلحاق بما معناه تساعد على تحصيل علامات أكثر وهي مادة سهلة. بشكل عام لا يعتبر التلاميذ هذه المادة مادة ثقافية لأنها ليست دراسة لحالة أو واقع مدني بل هي سرد لواقع وأحداث تمت في القديم”.

17