توديع معبودة الجماهير في جنازة مهيبة

شيعت جموع غفيرة من محبي الفنانة المصرية شادية، الأربعاء، جثمانها من مسجد السيدة نفيسة بوسط القاهرة إلى مثواها الأخير، بعد أن غادرت عالمنا الثلاثاء، لتكتب نهاية رحلة فنية طويلة لواحدة من رموز الفن العربي، وهي التي بقيت حاملة في أذهان جمهورها مواقف ومحطات مثيرة في أوقات بدايتها وحياتها الفنية وحتى اعتزالها.
الخميس 2017/11/30
عشاقها يبكونها

القاهرة – شادية واحدة من رموز الوجدان العربي، لذا اهتزت أحاسيس جمهورها الكبير بشدة مع خبر وفاتها بعد صراع مع المرض الذي انقض عليها وهي في أواخر العمر (86 عاما)، فانتقلت إلى جوار ربها لتعيد بوفاتها حالة من تجديد مشاعر المحبة والاشتياق لها، تلك الحالة التي عاشتها جماهيرها مرة أولى عندما اعتزلت، وهي في قمة نجاحها وشهرتها عام 1986.

وما بين البداية والاعتزال والوفاة قصة نجاح فني تضع شادية في مصاف الأساطير وقصة حب واحترام جماهيري يمكن أن تصنّف بها وعن جدارة كمعبودة للجماهير، وقصة التزام جعلتها سيدة أحبها الله فيسّر لها طريق الالتزام الذي سارت فيه بلا عودة دون أن تغريها الشهرة أو الأضواء أو الأموال.

كانت شادية شديدة الولع بالمعرفة والثقافة، حيث رأت فيهما وسيلتها الأهم لتطوير نفسها، لذا اقتربت من صفوة كتاب وأدباء مصر

قصص ثرية

قصص شادية كثيرة وثرية ومتنوعة منذ مولدها في منطقة الحلمية الجديدة بمنطقة عابدين لأب يعمل كمهندس زراعي ووالدة مصرية من أصل تركي متفرغة لتربيتها مع أشقائها محمد وطاهر وسعاد وعفاف.

وظهرت موهبة شادية مبكرا وتحمّس لها والدها بعد أن اكتشف جمال صوتها في إحدى الحفلات العائلية، ممّا سهّل عليها دخول عالم التمثيل الذي سرعان ما تغيّر فيه اسمها من فاطمة شاكر إلى شادية، وهو الاسم الذي لم يعرف أحد على وجه الدقة من أطلقه عليها، هل هو حلمي رفلة أم يوسف وهبي أم عبدالوارث عسر؟، المهم أن الموهوبة الصغيرة كان كلامها العادي يبدو كشدو وغناء.

وكانت أولى خطوات شادية في عالم الفن كممثلة في فيلم “العقل في إجازة” مع محمد فوزي، وقد رشحها المخرج أحمد بدر خان لهذا الدور، رغم أن مخرج الفيلم كان حلمي رفلة.

وبرعت شادية في إثبات ذاتها كممثلة في ذلك العمل، ممّا لفت نظر الفنان أنور وجدي لموهبتها كمنتج فقدّمها في عدد من الأعمال الكوميدية الخفيفة مثل “ليلة العيد” و”ليلة الحنة”، وفيهما ذاقت النجاح الجماهيري وعرفت الإيرادات القوية لأفلامها، وظلت بعدهما نجمة شباك أولى لمدة تزيد علي 25 عاما.

جنازة تليق بشعبيتها

وقد وصفها نجيب محفوظ كبطلة للكثير من رواياته بقوله “ممثلة قدراتها عالية استطاعت أن تحوّل سطوري إلى لحم ودم أراه يتحرك على الشاشة.. أبهرتني في دور حميدة في ‘زقاق المدق’، لكن لم تفاجئني، لأني رأيتها في بدايتها في فيلم "المرأة المجهولة"، أتصوّر أنها يمكن أن تحصل على الأوسكار في التمثيل لو تقدمت لذلك".

شادية ورغم بساطتها وسلاسة أعمالها، إلاّ أنها كانت تملك عمقا وذكاء غير عاديين مكّناها من أن تسير في الغناء والتمثيل بنفس القوة وفي نفس الوقت، ومثلما قدّمت على الشاشة الكبيرة كافة الأدوار قدّمت في الغناء كل الأشكال الغنائية وتألق صوتها في كل المقامات الموسيقية التي لم تجد صعوبة في الانتقال بينها بسلاسة مذهلة في أكثر من 1500 أغنية والعشرات من الأفلام.

وذكاء شادية جعلها لا تحصر نفسها في لون غنائي معين، وجعلت من عملها بالتمثيل منجما تخرج منه مع كل عمل سينمائي جديد لقطات غنائية شديدة الاختلاف والتميّز، ممّا أعطى أغنياتها نكهة طازجة دائما، لا يتجاوزها الزمن أو تختلف عليها الأذواق مهما بعد تاريخ صدورها.

شقية وعميقة

أعمال شادية القصيرة الشقيّة التي منحتها لقب “الدلوعة” مثل “مكسوفة منك” و”شبك حبيبي” و”أقوله وألا لا” و”مين قالك تسكن في حارتنا” و”بسبوسة لو أغمض عيني”، وغيرها العشرات من الأعمال القصيرة، لم تجعل أحدا يشكّك يوما في قدراتها كمطربة متمكّنة، لأنها حتى وهي تقدّم هذه الأغنيات الخفيفة تهتمّ بتقديم صوتها للناس بما لا يبخس حقه كصوت قدير.

وكانت الراحلة تقدّم أغنيات درامية تمثل، ورغم كونها جزءا من أفلامها، حالة غنائية درامية متكاملة خارجها كما في أغنيات “إن راح منك يا عين” و”يا حبيبي عد لي تاني” و”ميكونش ده اللي اسمه الهوى”، و”آه يا أسمراني اللون”، و”الحنة يا قطر الندى”، وغيرها العشرات من الأغاني الرشيقة، لكنها الصعبة في الغناء والتي تحتاج صوتا قويا لأدائها.

1500 أغنية حولتها لصوت مصر، والعشرات من الأفلام أكدت أنها حالة سينمائية استثنائية

وفي مرحلة تالية من حياتها اهتمت بالأغاني الدرامية أيضا، لكن الأطول قليلا، والتي خصصتها للغناء في الحفلات العامة إلى جانب أعمالها القصيرة، فقدمت “آخر ليلة” و”خلاص مسافر” و”بوست القمر” و”لو القلوب ارتاحت” و”النبي وحشتنا” و”ليلة سهر”.

وعلى مدار عملها الفني الذي امتد لأكثر من أربعين عاما كانت شادية من أحرص المطربات على الغناء لمصر، وتحوّلت أغانيها عند المصريين لأناشيد وطنية تردّد في أوقات الفرح والحزن، لذا أطلق عليها “صوت مصر”، خاصة عندما غنت “يا حبيبتي يا مصر” و”أقوى من الزمان” و”يا أم الصابرين” و”ادخلوها آمنين” و”مصر اليوم في عيد”.

وظل دائما الغناء للأطفال هو الأقرب والأحب لشادية، لأنها عبّرت به عن حلمها الأهم وأمنيتها الوحيدة في الحياة، وهي كما قالت “إنجاب دستة أطفال”، وغنت شادية “سيد الحبايب” و”ياختي عليك ربي يخليك” و”يا بنتي يا ضي عيني” وألبوم “كتكوت يا فصيح”.

شادية في لقطات عدة مع زملاء رحلتها الفنية الغنية

وكانت شادية شديدة الولع بالمعرفة والثقافة، حيث رأت فيهما وسيلتها الأهم لتطوير نفسها وفنها والمحافظة على نجاحاتها، لذا اقتربت من صفوة كتاب وأدباء مصر، وكانت تحضر الكثير من الصالونات الأدبية ومجالس الصحافيين، تلك المجالس التي استفادت منها كثيرا، رغم أنها كانت سببا في انتشار الشائعات العاطفية والزوجية حولها مع بعض نجوم المجتمع الصحافي حينذاك.

ورغم الشائعات الكثيرة التي لاحقتها والخاصة بالزواج غالبا، ظلت شادية موضع محبة واحترام كلّ من عرفها سواء من زملائها في الوسط الفني أو الصحافي، واحترامها لذاتها وسمعتها المشرّفة أبعدها عن شرور رجال بعض أجهزة الدولة في الخمسينات ممّن ابتزوا الكثير من النجمات للعمل معهم، إلاّ شادية فقط، لأنها سيدة مصرية صميمة لم تقع في غلطة يمكن أن تستغل ضدّها، والسر في ذلك يكمن في تربيتها المحافظة وقيمها الأصيلة التي حافظت عليها طوال مسيرتها الفنية والشخصية.

وأثناء عرض مسرحيتها الوحيدة “ريا وسكينة” اكتشفت شادية إصابتها بسرطان الثدي الذي عالجته في فرنسا، وبعد عامين من التعافي منه عادت للغناء بأغنية “خد بإيدي”، وقد استجاب الله لدعائها وأخذ بيدها لعالم جديد من الالتزام الذي عاشت فيه 31 عاما، ورفضت خلالها عشرات الملايين من الدولارات لتظهر في الفضائيات وتحكي عن تجربتها.

ولم تتنصل الراحلة يوما من فنها أو تنكرت له، عاشت في هدوء وتفرّغت للعمل الخيري حتى اللحظات الأخيرة من حياتها التي ظلت على امتدادها وحتى خلال سنوات الاعتزال، جزءا من حياة المصريين الذين اعتبروها ابنة وأختا وأما، وكنّوا لها الكثير من الحب والشغف بأعمالها وأكثر من احترام لسيرتها الإنسانية العطرة.

15