توريد منتجات زراعية مصرية: حكومة المشيشي تعمّق أزمة المزارعين

مزارعون تونسيون يعتبرون أن الحكومات المتعاقبة تبحث عن توفير طلبات السوق دون مراعاة مصالح المنتجين المحليين الذين يعانون من غياب تكافؤ الفرص.
الأربعاء 2021/02/24
أزمة هيكلية قديمة تعمّق مشاكل القطاع الزراعي

تونس – تظاهر مزارعون تونسيون في أكثر من محافظة مُطالبين الحكومة بوقف ما يسمونه التوريد العشوائي لمنتجات زراعية من مصر تزيد من معاناة القطاع الذي ينتمون إليه، فيما تقول الحكومة إن الأمر مرتبط بحرية التوريد وإنها لا تستطيع أن تمنع ذلك.

ويقول هؤلاء المزارعون إن الحكومة بدل أن تدعمهم للتغلب على المصاعب التي تعترضهم -خاصة ما تعلق بمشكلة غلاء الأعلاف- تعمد إلى إغراق السوق بالمنتجات الخارجية -خاصة المصرية- وتراعي مصالح بعض رجال الأعمال المقربين منها على حساب أقواتهم.

ويستمر استيراد منتجات مثل الخضر والحليب واللحوم بالرغم من قدرة المنتجين التونسيين على توفير هذه المنتجات بكميات كافية. وفيما يطلب المزارعون تسهيلات حكومية تتعلق بالقروض والأسمدة الزراعية والمساعدة في توزيع الفائض من الإنتاج أو تخزينه تبدو الحكومة غير معنية بتحقيق هذه المطالب في ظل الأزمات التي تعيشها، خاصة أنها واقعة تحت ضغوط سياسية ونقابية وتكافح للحصول على قروض جديدة بالرغم من ارتفاع حجم الديون.

ووفق الوكالة الرسمية دخلت إلى تونس مؤخرا قرابة 1600 طن من الخضر عبر معبر “رأس جدير” قادمة من مصر؛ ما تسبب في احتجاج المزارعين نظرا إلى وفرتها في السوق المحلية.

فتحي بن خليفة: استيراد منتجات مصرية يضرب الأسعار في السوق المحلية
فتحي بن خليفة: استيراد منتجات مصرية يضرب الأسعار في السوق المحلية

وقالت وزارة التجارة التونسية إنها لم تكلّف أيًّا من مؤسساتها باستيراد أي منتجات زراعية، مؤكدة أن هناك حرية في توريد تلك المنتجات.

وذكرت وزارة الفلاحة في وقت سابق أن “شحنات الخضر الطازجة التي تم توريدها مؤخرا عبر المعبر الحدودي برأس جدير خضعت للمراقبة الصحية عند نقاط العبور، وأن ملفات التوريد مطابقة للترتيبات الجاري بها العمل”.‎

وقال فتحي بن خليفة -المستشار الاقتصادي بمنظمة اتحاد الفلاحين (المزارعين)- إن “تونس لديها اكتفاء ذاتي في المواد التي يقع توريدها”، مشيرا إلى أنه في السنة الماضية وقع إتلاف الحليب المورد من مصر لوجود إنتاج محلي كاف ومجاميع مهنية مشتركة قادرة على تعديل السوق.

وذكر بن خليفة في تصريح لـ”العرب” أن “استيراد منتجات مصرية متوفرة بكميات كبيرة يضرب الأسعار في السوق المحلية”، معتبرا أن “التوريد بهذا الشكل ضرب للمنتجات المحلية وتدمير لمنظومات الإنتاج”.

لكن خبراء اقتصاديين يتساءلون كيف يمكن لمنتجات تعبر ليبيا وسط مخاطر أمنية، فضلا عن ارتفاع الكلفة، أن تنافس منتجات محلية وتُحْدِث أزمة بهذا الحجم، خاصة أن الكميات التي يتم توريدها محدودة (1600 طن)؟

وأشار هؤلاء الخبراء إلى أن ردة فعل المزارعين تُظهر وجود أزمة هيكلية قديمة في القطاع الزراعي لا تسمح له بمنافسة منتجات محدودة قادمة من مصر، فما بالك بمنافسة المنتجات الخارجية الأخرى وتونس تريد سوقا أوروبية مفتوحة لمنتجاتها.

وقال عزالدين سعيدان، الخبير الاقتصادي، إن “هناك تناقضا كبيرا في السياسة الزراعية في تونس؛ فعندما يكون هناك إنتاج وفير في ميدان زراعي معين تشترط الحكومة أن تخضع أي عملية تصدير لترخيص مسبق، وهذا فيه إضرار كبير بمصالح المزارعين لأن معظم المنتجات لا تنتظر الترخيص المسبق، وفي الوقت نفسه يتم توريد منتجات زراعية من الخارج دون أي ترخيص مسبق”.

ولفت سعيدان إلى مشكلة أخرى، وهي قضية التوزيع؛ حيث يصل الفارق بين السعر الذي يبيع به المزارع والسعر الذي يشتري به المستهلك إلى ثلاثة أضعاف، ما يضر بمصلحة المزارع الذي يتحمل المصاريف وتعب الإنتاج ولا يحصل إلا على سعر زهيد.

ويعتقد المزارعون أن الأزمة لا تتعلق بمصر ولا بليبيا، وأن الأمر يرتبط بحكومة هشام المشيشي والحكومات التي سبقتها؛ حيث تبحث هذه الحكومات عن توفير طلبات السوق دون مراعاة مصالح المنتجين المحليين الذين يعانون من غياب تكافؤ الفرص بين منتجات محلية غير مدعومة وأخرى تتلقى التسهيلات الكافية التي تساعدها على المنافسة الخارجية.

الحكومة التونسية تبدو غير معنية بتحقيق مطالب المزارعين في ظل الأزمات التي تعيشها

وقال قريش بلغيث، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الفِلاحة والصيد البحري، إن “دخول المنتجات من مصر بهذه الطريقة يفتح الباب أمام إغراق السوق التونسية بمواد متوفرة لدينا، خاصة في أوقات الذروة، ما يعني الإضرار بالسوق التونسية (…)، ولذلك من حقنا أن نطالب بوقف التوريد الذي لا يراعي مصالحنا”.

وفي الجانب الآخر يقول المصريون إن الأمر شأن تونسي خاص، وإن المحاصيل الزراعية المصرية تشهد فورة في معدلات الإنتاج، ما يسهّل فتح آفاق تصديرية أمام المنتجات المصرية في مختلف الأسواق، خاصة أسواق المنطقة العربية التي تمثّل الوجهة الأولى للمنتجات المصرية.

وقال علي عيسي، رئيس المجلس التصديري للحاصلات الزراعية المصرية، إن “مصر تنتج سنويا نحو 5.5 مليون طن من الحاصلات الزراعية بمختلف أنواعها”.

وأشار في تصريح خاص لـ”العرب” إلى أن الخضر والفواكه تمثل نحو 3.5 مليون طن من إجمالى الإنتاج، فيما تشهد السوق المحلية فائضا، إضافة إلى الإقبال على المحاصيل الزراعية المصرية في أسواق بعض الدول العربية على نطاق كبير.

1