تورينغ وآلته المُدهشة التي قهرت النازيين في عرض مسرحي فرنسي

مسرحية "آلة تورونغ" تلاقي نجاحا كبيرا في مسرح سان ميشيل بفضل الأداء الرائع للمؤلف بونوا صوليس الذي استطاع أن يتقمص شخصية رجل جمع متناقضات كثيرة.
الاثنين 2019/08/05
بداية سيادة المجتمع الرقمي

“آلة تورينغ” التي تعرض في مسرح سان ميشيل بباريس تسرد حكاية عبقري بريطاني في علوم الرياضيات، وواحد من رواد المعلوماتية، عاش حياة قصيرة مليئة بالابتكارات العلمية، وانتهى نهاية مأساوية، ولم تكرّم روحه إلاّ في الأعوام الأخيرة.

“آلة تورنغ” مسرحية وضعها الفرنسي بونوا صوليس، عن حياة عالم الرياضيات والمتخصّص في دراسة الخطوط السرية والوثائق المرموزة، العبقري البريطاني ألان تورنغ (1912-1954)، الذي ارتبط اسمه بآلة ذكية اخترعها عام 1936، ومهّدت لمولد الكمبيوتر.

هذه الآلة المتطورة في زمنها سمحت بفك شيفرة “إنيغما”، الآلة التي كان النازيون يستعملونها لبث رسائل مشفرة، وساهمت بفضل مخترعها في انتصار الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية بشهادة تشرشل نفسه.

غير أن تورنغ لم يجن من اختراعه المدهش ذاك أي مغنم، وظل بطلا مغمورا طيلة حياته، فقد أرغمه جهاز الاستخبارات البريطانية على الصمت، قبل أن يساق إلى المحاكم بتهمة الشذوذ الجنسي، حين كان ذلك الشذوذ جريمة في بريطانيا، ويسلط عليه حكم بالخصاء الكيمياوي عام 1952.

ولم تدم حياته بعدها أكثر من عامين، إذ اختار الانتحار في سن الواحدة والأربعين. وبموته تناساه الجميع حتى عام 2013، حين قررت الملكة إليزابيث الثانية تكريم ذكراه، والاعتراف بمكانته العلمية، وسبقه في اختراع تلك الآلة العجيبة، تلاه شريط للمخرج النرويجي مورتن تيلدوم بعنوان “لعبة التقليد”.

كانت حياة تورنغ أشبه بتراجيديا إغريقية بما حوته من برومثيوسية ومأساوية. برومثيوسية لأن تورنغ أسّس طريقة جديدة لفهم العالم انطلاقا من نمط حسابيّ مخصوص، فالمعروف أن مبدأ الحساب الذي يستعمل منذ فجر التاريخ لم يخضع قبل تورنغ لتحديد صارم عن قابلية الحساب، للتمييز بين ما يمكن احتسابه وما لا يخضع للحساب. ومأساوي لأن ذلك المسعى قضى عليه، وكان انتحاره نهاية مسيرة علمية خاطفة لم تدم أكثر من عشرين سنة، رغم أنها كانت حاسمة في المجال التقني والعلمي الذي يميز ثقافتنا اليوم، أي سيادة المجتمع الرقمي، فما نحن سوى الورثة المباشرين لتورنغ الذي يعدّ الأب المؤسس لتلك الثورة.

كان انتحار تورينغ نهاية مسيرة علمية خاطفة، رغم أنها كانت حاسمة في المجال التقني والعلمي الذي يميز ثقافتنا اليوم
كان انتحار تورينغ نهاية مسيرة علمية خاطفة، رغم أنها كانت حاسمة في المجال التقني والعلمي الذي يميز ثقافتنا اليوم

رأى تورنغ النور عام 1912 في لندن وفصل منذ ولادته عن أبويه، فقد كان والده متصرفا كولونياليا في الهند في ذلك الوقت، وعهد بتربيته لمربّية. ولما بلغ سن المراهقة اكتشف في نفسه أمرين، الشذوذ الجنسي والحس العلمي، ما جعله مهمشا في مجتمع متشبع بثقافة العصر الفيكتوري وآدابه.

وفي كامبريدج، مركز الحياة العلمية البريطانية حيث بدأ حياته طالبا، ثم مدرسا وباحثا، لم تكن تلك الازدواجية محل نقاش. ولكن المجتمع بأعرافه وتقاليده كان له بالمرصاد، رغم أن تورنغ كان يعتمد على العلم لفهم من هو، فمشكلته تطرح عليه كرجل علم يحاول فك شيفرتها، عسى أن يسلط الضوء على كينونته.

تلك إذن هي الحكاية المدهشة التي يسردها بونوا صوليس في شكل سيرة ذاتية تتخللها ارتدادات إلى الوراء لتسليط الضوء على المراحل الكبرى في حياة عالم الرياضيات البريطاني، فيقودنا إلى أروقة كامبريدج وقصر بليتشلاي بارك حيث يحاول أفضل مفكّكي الشيفرات البريطانيين فهم طريقة اشتغال “إنيغما” الألمانية، وكذلك عبر الشوارع الخلفية المعتمة لمدينة مانشستر.

ورغم النسق السريع الذي يستغرق ساعة ونصف الساعة دون استراحة، لا يعدم النص لحظات وجيزة يتوقف فيها لبعض المسائل الحميمة التي تخص حياة تورنغ، بعيدا عن الصخب الفكري الذي كان يعيش فيه.

غاص بونوا صوليس في حياة هذا العالم الذي أهمل التاريخ ذكره، عدا بعض المتخصّصين من أهل اللوغاريتمات والإعلامية، لينطلق من العام 1952، العام الذي شهد وقوع تورنغ في ما كان يعد من المحظورات الكبرى في مجتمع محافظ، ثم يرتدّ في عمليات فلاش باك متواترة لبسط ما كان من أمره، منذ مرحلة الدراسة، وفقدانه صديقا له اسمه كريستوفر موركوم، وأعماله حول الذكاء الاصطناعي، وتعطشه إلى فهم سيرورة العالم عن طريق الرياضيات، قبل أن يجنده جهاز الاستخبارات البريطانية لفك رموز الآلة الألمانية.

وقد استطاع المخرج تريستان بوتيجيرار أن يجسد تلك الحياة المتقلبة بديكور بسيط، يتكوّن من مكتب وسبورة سوداء وبضعة كراسيّ ودرّاجة و”كنبة”، أي ما يكفي لتشخيص مختلف أمكنة الحكاية، تاركا للمتفرج إمكانية تصوّر بقية الديكور. ثمة أيضا فيديوهات تعرض على مكتبة في عمق الخشبة، اتخذها المخرج وسيلة للولوج إلى عقل تورنغ، حيث تتوالى الرموز والمعادلات الرياضية بغير انقطاع.

هذه المسرحية التي لاقت نجاحا عند عرضها أول مرة في مهرجان أفينيون، تلاقي النجاح نفسه بفضل الأداء الرائع لبونوا صوليس، مؤلف النص، فقد استطاع أن يتقمص شخصية رجل جمع متناقضات كثيرة، فهو لامع وخجول، لطيف وصبياني حدّ التوحّد، لا ينفك يتأتئ ويبتسم ويقضم أظفاره ويضحك بغباء. فيذكرنا بدوستن هوفمان في “رجل المطر” أو توم هانكس في “فوريست غامب”، إلى جانب الأداء المقنع لأموري دو كراينكور الذي تقمص عدة أدوار، من ضابط شرطة مريب إلى زميل مغرور أو عشيق سكران، كل ذلك في نبرة لا تخلو من مزح وطرافة.

مسرحية

16