توزيع ظالم للثروة يزيد فقراء تركيا فقرا وأغنياءها غنى

تشير التصنيفات الأخيرة التي تصدرها المؤسسات المالية المختصّة إلى انحدار كبير في الاقتصاد التركي، يعكسه بشكل ظاهري هبوط الليرة وتراجع الاستثمارات، وتعكسه في ثناياه إحصائيات الهيئات التركية، التي تتحدّث عن علاقة وطيدة بين تزايد حدة الأزمة الاقتصادية، وتزايد عدد الفقراء في البلاد بالتزامن مع انحسار الثروة في يد “أقلية” من المجتمع.
الأربعاء 2016/09/28
يدفعون ثمن حسابات السياسة

أنقرة - خفّضت وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية، مؤخّرا، تصنيفات السندات الرئيسية التركية إلى أقل من الدرجة الاستثمارية، لتدعم بذلك وكالة ستاندرد آند بورز التي سبقت موديز في خفض تصنيف تركيا، فيما خفضت وكالة فيتش توقعاتها لتصنيف تركيا الائتماني منذ أغسطس الماضي.

ولئن سارع المسؤولون إلى اعتماد نظرية المؤامرة في الردّ على هذه التصنيفات إلا أن دلائل الواقع تفند حججهم واعتبار هذه التصنيفات ذات أبعاد سياسية وغير محايدة؛ فإذا كانت هذه التصنيفات تدعم تنظيم غولن، وفق ما جاء في صحيفة بني شفق، الموالية للحكومة، فماذا بشأن استطلاع الدخل وأوضاع الحياة الصادر مؤخرا عن معهد الإحصاء التركي، الذي يؤكّد أن أثرياء تركيا يزدادون ثراء بينما فقراؤها يزدادون فقرا، بسبب الأزمة الاقتصادية المرشّحة للأسوأ.

يمتلك 20 بالمئة من أثرى الأثرياء في تركيا 46.5 بالمئة من ثروة البلاد، مقارنة بـ45.9 بالمئة السنة الماضية. ويعيش حاليا 6.6 مليون شخص في تركيا تحت خط الفقر المطلق، ومداخيلهم الشهرية أقل من 416 ليرة تركية. وإذا أضيف إلى هذا الرقم القسم الفقير الذي يكسب أقل من 520 ليرة في الشهر، والفقراء نسبيا الذين يكسبون أقل من 624 ليرة في الشهر، نفهم أن 16.7 مليون شخص في تركيا يعانون من الفقر. والفقير هو كل من يحصل على دخل يقل عن 501 ليرة تركية، كما تمّ الإعلان عنه عام 2013.

ويعيش حوالي خمس سكانها في فقر، وأصبح مواطنوها مدينين بشكل كبير للبنوك وقد تضاعفت ديونهم 52 مرة خلال 12 عاما.

بدأ هذا الوضع في التصاعد منذ العشرية الأخيرة لسنة 2015 مع تضرر قطاع السياحة التركي جراء المخاوف من الإرهاب والخلاف الدبلوماسي مع روسيا، مع ارتفاع كبير في عدد البطالة، والذي تضاعفه عمليات الطرد من العمل والإقصاء التي طالت نسبة كبيرة من الأتراك إثر انقلاب 15 يوليو الفاشل.

ونقلت صحيفة حريات التركية عن وكالة تنظيم ومراقبة القطاع البنكي ارتفع عدد الأشخاص الذين يملكون حسابا بنكيا يتجاوز مليون ليرة بنسبة 22 بالمئة في السنوات العشر الأخيرة ليصل إلى 77210 أشخاص في سنة 2014.

وعلقت الكاتبة التركية ميليس ألفان على هذه الأرقام بقولها “بعبارة أخرى، في أحد الطرفين هناك 6.6 مليون شخص يحاولون العيش على أقل من 416 ليرة في الشهر، وفي الطرف الآخر هناك 77 ألف شخص يملكون أكثر من مليون ليرة في البنك”.

وأضافت ألفان “من جهة، يوجد الملايين من غير القادرين على تلبية حاجاتهم الأساسية، وفي الجهة الآخر هناك الآلاف الذين يريدون إظهار مركزهم الاجتماعي باستعراض ما يملكون من سيارات وأحذية وحقائب ويصرفون الكثير على منتجات العناية الشخصية الكمالية. وهنا علينا أن ندرك أن مجموع أكثر من خمسة مليار ليرة التي تصرف كل سنة على الملابس والمجوهرات والسيارات الفاخرة واليخوت لا تساهم في التنمية الشاملة أو العدالة الاجتماعية أو التعليم أو التطور العلمي”.

ميليس ألفان: عندما يسقط الأطفال الفقراء في أيدي التنظيمات الإرهابية يجب ألا نتفاجأ

وتتساءل الكاتبة التركية “كيف تشعر عندما تعيش في بلد 67.9 بالمئة من سكانه مدينون، و39 بالمئة منهم يعيشون تحت أسقف بيوت تقطر، و43 بالمئة لا يستطيعون الحصول على التدفئة في المنزل، و35.8 بالمئة لا يستطيعون الحصول على مصادر للبروتينات الضرورية للصحة الجيدة، و71.4 بالمئة لا يملكون الوسائل للتمتع بعطلة على مدى أسبوع كامل؟ في تركيا، لا تلبى الحاجيات الأساسية جدا لـ4.6 مليون طفل مثل التغذية والتدفئة واللباس. ومن بين أربعة أطفال يعاني واحد منهم الفقر”.وقد يعني الفقر انقطاع الأطفال عن الدراسة، وتشغيل الأطفال ودفع الأطفال إلى الجريمة وتعرضهم لسوء المعاملة. وتصنف الهيئات التركية المعنية بالطفولة والتشغيل عمالة الأطفال على أنها إحدى أخطر المشكلات في المجتمع التركي، وبحسب إحصائيات مركز الإحصاء التركي منذ سنة 2012، قدّر عدد الأطفال العاملين بين سن 6 سنوات و17 سنة حوالي 900 ألف طفل، نصفهم تقريبا حرم من التعليم.

وتؤكّد خطورة هذا الوضع، ما توصّلت إليه دراسة أجراها مركز الأبحاث التابع لجامعة بهتشة شهير، خلصت إلى أن واحدا من كل ثلاثة أطفال أتراك يعيش بحالة فقر مدقع. وتتمركز حالات الفقر هذه في شمال شرقي الأناضول وجنوب شرقها.

وقد وصل عدد الأطفال الذين يعيشون في حالة فقر شديد إلى أكثر من 7 ملايين طفل، 40 بالمئة منهم لا يستطيعون الحصول على الغذاء البروتيني كاللحوم الحمراء أو البيضاء.

وتقول ميليس ألفان “في الجهة الشرقية من البحر الأسود ومناطق الأناضول الشمالية الشرقية نجد طفلا فقيرا من بين كل أربعة أطفال. وقرابة نصف الأطفال الذين يعيشون في جنوب شرق الأناضول، وهو ما يقابل 1.2 مليون طفل، لا يستطيعون تلبية حاجياتهم من الغذاء والتدفئة واللباس. وهذا اعتمادا على معطيات من سنة 2013، ومن يدري الآن أين وصلت هذه الأرقام مع بيئة الحرب الأخيرة؟”.

وتضيف الكاتبة التركية مستنكرة في تعليقها على هذا الواقع “عندما يأتي الغد، وعندما يسقط هؤلاء الأطفال الذين يعانون من الفقر في أيدي التنظيمات الإرهابية، يجب ألا نتفاجأ بل نسأل: أين أخطأنا؟ لذلك علينا أن نفكر الآن في كيفية إصلاح هذا الحيف”؛ فيما ذهب أوموت أوران، نائب حزب الشعب الجمهوري، إلى القول إن عدد الفقراء في تركيا يتجاوز العدد المعلن عنه رسميا، مقدرا العدد الحقيقي بأكثر من 21 مليون تركي مع احتساب معدل الفقر لمن يحصل على دخل أقل من 200 ليرة تركية.

وقال أوران “إن أردوغان الذي يجلس في قصر بلغت تكلفة بنائه 1.5 مليار ليرة، بالإضافة إلى 6.5 مليون ليرة للطاولات والكراسي فقط، و1000 ليرة للكأس الواحدة المُزخرفة بماء الذهب، وتصل المصروفات الشهرية إلى 21 مليون ليرة تركية، من الطبيعي ألا يرى جيوش الفقراء على الأبواب، ويتجاهلهم. فضلا عن اتهامه لمن يقولون إن هناك فقراء، بالكذب”.

12