توسّع دائرة الاحتجاجات في تونس ينذر بانفجار اجتماعي وشيك

تسجيل نحو 2680 تحركا احتجاجيا منذ مطلع العام الحالي.
الجمعة 2021/02/26
لن نصمت

شهدت تونس مطلع العام الجاري سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات المتتالية، ما ينبئ بانفجار اجتماعي وشيك في ظل الرفض الشعبي المستمر لسياسات السلطة المتبعة في معالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

تونس – تصاعدت الدعوات المحذّرة من تداعيات الحركات الاحتجاجية على مختلف الفئات التونسية، في وقت ينشغل فيه صناع القرار السياسي بالصراعات والمناكفات وإهمال مشاغل التونسيين وقضاياهم الجوهرية اقتصاديا واجتماعيا.

وينذر توسّع دائرة الاحتجاجات في مختلف جهات البلاد بانزلاق الوضع العام إلى سيناريوهات خطيرة قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي.

وبلغ عدد التحركات الاجتماعية المرصودة في تونس منذ مطلع يناير إلى غاية 23 فبراير الجاري 2675 تحركا احتجاجيا.

وذكر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقريره الشهري حول الاحتجاجات الاجتماعية والانتحار والعنف والهجرة غير النظامية أن “40 في المئة من التحركات الاحتجاجية المرصودة منذ بداية السنة الحالية ذات طابع اجتماعي و33 في المئة منها كانت ذات طابع اقتصادي”.

ولاحظ التقرير أن “التحركات الاحتجاجية ارتفعت خلال يناير الماضي إلى 1492 احتجاجا مقابل 1136 تحركا في نفس الفترة من العام الماضي”، لافتا إلى أن “التحركات شملت تنفيذ وقفات احتجاجية وتنظيم عدد من الاعتصامات”.

طارق الكحلاوي: الطبقة السياسية منغلقة على ذاتها ولم تعالج المشاكل
طارق الكحلاوي: الطبقة السياسية منغلقة على ذاتها ولم تعالج المشاكل

وعلّق المحلل السياسي والمدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية طارق الكحلاوي قائلا “التحركات الاحتجاجية جاءت في الفترة الشتوية (من شهر نوفمبر إلى فبراير)، ومدفوعة بالآثار السلبية للأزمة الصحية تبعا لانتشار فايروس كورونا في البلاد”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “نسبة البطالة التي فاقت 17 في المئة انعكست على مستوى الاحتقان الاجتماعي”.

وأشار إلى أن “الطبقة السياسية الحاكمة منغلقة على ذاتها ولم تعدّل بوصلتها على مشاكل المجتمع”، متوقعا تنامي حالة الاحتقان في ظل عدم قدرة الدولة على توفير النفقات الأساسية للفئات الشعبية.

وتركزت الاحتجاجات المسجلة في شهر يناير 2021 في ولاية (محافظة) القصرين (غرب) بـ239 تحركا، ثم إقليم تونس الكبرى (العاصمة تونس والمحافظات المجاورة لها) بـ236 احتجاجا، تليه القيروان (وسط) بـ214 تحركا احتجاجيا، ثم قفصة (جنوب) بـ171 تحركا.

وأكد التقرير تزايد التحركات العشوائية التي تنزع إلى العنف، وأشار إلى أن هذه التحركات مثلت نسبة 84 في المئة من مجموع احتجاجات شهر يناير 2021.

وركّزت مطالب المحتجين على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والدعوة إلى توفير مواطن الشغل والمطالبة بالتنمية وتوفير الماء، وفق التقرير ذاته.

وأفاد المحلل السياسي منذر ثابت في تصريح لـ”العرب” بأن “الاحتجاجات انعكاس للأزمة الاقتصادية الخانقة، مع تدهور المقدرة الشرائية للمواطن التونسي خلال السنوات العشر الأخيرة إلى 40 في المئة، وهو ما ينعكس على المطلبية الشعبية، فضلا عن انحدار الطبقة الوسطى”.

ولاحظ أن “هناك حالة من القلق الاجتماعي وعدم الثقة في الطبقة السياسية، فيما عبر الخطاب الرسمي عن الإفلاس خاصة في مرحلة ما بعد ظهور الوباء، حيث افتقد الخطاب إلى المصداقية ولم يضع مسطرة زمنية واضحة”.

وأوضح “لا وجود لحديث عن سياسات اقتصادية، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى منوال إدارة الأزمة، وخصوصا أن هناك ضبابية في مستوى التمشي الرسمي”.

ولم تخف المنظمات الوطنية الوازنة في البلاد، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، مساهمة الأزمة السياسية والدستورية الراهنة في انحدار الترقيم والتصنيف السيادي لتونس.

ونبّهت المنظمتان في بيان لهما الأربعاء إلى أنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي الراهن بلغ “مرحلة خطيرة جدّا وزاد في تفاقم المصاعب التي تواجهها كلّ الفئات والقطاعات، من أجراء وأصحاب مؤسّسات وحرفيين ومهنيين، الذين لا يزالون تحت وطأة انعكاسات وباء كوفيد – 19، الذي عمّق تدهور أوضاعهم وأثّر على مستوى عيشهم وعملهم”.

ودعا الطرفان إلى “الإسراع بإنهاء هذه الأزمة، لاسيما وأن استمرارها سيزيد من حالة الشّلل التي تعيشها البلاد منذ أسابيع وسيهدّد بنسف التجربة الديمقراطية التونسية”، مؤكدين أن “التوصّل إلى حلّ لهذه الأزمة سيساهم في طمأنة التونسيين وفي الانكباب سريعا على المشاكل الحقيقية والمستعصية التي تعيشها تونس منذ سنوات”.

حالة من الانزعاج الجماعي
حالة من الانزعاج الجماعي

وحسب رأي ثابت “توجد حالة من الانزعاج الجماعي، والانفجار الاجتماعي مرتهن بدخول الدولة في حالة عجز عن سداد الأجور والإيفاء بالتعهدات”. ولفت إلى “غياب الثقة في الوجهة التونسية، بالنسبة إلى الخارج والمستثمرين، وسياسات الدولة”.

واستطرد قائلا “من يمتلك المال في تونس اليوم يصبح متهما ومشتبها به (…)، يجب اعتماد سياسة مالية وجبائية جديدة، فضلا عن إعادة جدولة الديون”.

وانتقد منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال ندوة خصصت لعرض هذا التقرير الشهري “اعتماد السلطة لمقاربة أمنية وملاحقات قضائية بالجملة تشوبها الكثير من التجاوزات القانونية لقمع الشباب المحتج بدلا من اتباع خيارات سياسية تنموية لإيجاد حلول اقتصادية واجتماعية”.

منذر ثابت: الانفجار الإجتماعي مرتهن بعجز الدولة عن سداد الأجور
منذر ثابت: الانفجار الإجتماعي مرتهن بعجز الدولة عن سداد الأجور

وشهدت تونس في يناير الماضي اشتباكات ليلية في عدد من مناطق البلاد بين محتجين وأعوان الأمن، أسفرت عن إيقافات ناهز عددها الألف في صفوف الشباب ومن بينهم قصر، وفق ما ذكرته سابقا وزارة الداخلية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ويرى مراقبون أن الاحتقان الاجتماعي ينذر في كل مرة بتوسع دائرة الاحتجاجات في الوقت الذي تحاول فيه حكومة هشام المشيشي إيجاد حلول للأزمات الموروثة عن الحكومات السابقة، لكن هذه المحاولات تصطدم بعقبات أخرى تصعّب مهمتها في النهوض بالاقتصاد الهش.

وسبق أن واجهت السلطات التونسية موجة احتجاجات استهدفت غلق بعض مواقع الإنتاج، ما فاقم متاعب الاقتصاد التونسي المُنهك أصلا بتداعيات جائحة كورونا والتداين.

ومع اتساع دائرة الاحتجاجات تصدر الحكومة في كل تحرك قرارات يراها المحتجون مسكّنة للأزمة، وتعكس عجزها ومحدودية جهودها في معالجةِ الأوضاع معالجةً جذرية.

وتشهد البلاد صراعا سياسيا متواصلا بين رأسي السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) بخصوص استكمال إجراءات التعديل الوزاري الذي شمل 11 وزيرا ويرفضه الرئيس قيس سعيد تماما، بعد أن أكد مرارا أن عددا من الوزراء الجدد تحوم حولهم شبهات فساد، لكنه لم يفصح عن أسمائهم رغم أن المشيشي طالبه بذلك.

4