توصيات الأكاديميين في مؤتمر الموسيقى العربية لا تنعش الفن

الفعالية الموسيقية ناقشت تجارب الأداء وتبادل الأفكار والآراء حول قضايا الموسيقى للوصول إلى مقترحات بنّاءة تدعم هذا الفن الرفيع.
الأربعاء 2018/11/14
هاني شاكر في حفل بمهرجان الموسيقى العربية

القاهرة – اختتم مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة جلسات دورته الـ27، الاثنين، مطلقا جملة من التوصيات التي جاءت في قوالب مدرسية أكاديمية، فيما يبقى الفن بحاجة إلى إنعاش حقيقي بتحصينه بمناخ من الحرية، وتحويله إلى ممارسة اعتيادية وسلوك يومي ورياضة روحية.

ليس مجديا شق قنوات اصطناعية وحفر ترع لمياه جوفية تسكن طبقات الأرض الداخلية، فهذه المياه قادرة على أن تتحسّس مسارها إلى أعلى بذاتها إذا توفرت الظروف المواتية ورقّت لأجلها قشرة الأرض.

هكذا حال الفنون الذائبة في النسيج الشعبي بمصر، وفي التربة الوجدانية للمجتمعات العربية، فهي سجينة اللحظة الراهنة، رغم امتلاكها آليات انطلاقها، لكن فرص المساندة الفوقية ضئيلة، في ظل سياسات حكومية قمعية، ومؤسسات رسمية معزولة تخنق الفعل الثقافي بأجندات محنّطة وأفكار محدودة الأفق والرؤية وتصوّرات نمطية للإصلاح ودعم أبجديات القوى الناعمة.

عنوان كبير ضخم اندرجت تحته الفعاليات البحثية لمؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة الذي امتد من غرة نوفمبر وحتى الـ12 منه، هو “الموسيقى العربية بين الواقع العربي والعالمي”، حيث سعى أكثر من 40 مشاركا من 16 دولة عربية وأجنبية إلى مناقشة تجارب الأداء وتبادل الأفكار والآراء حول قضايا الموسيقى للوصول إلى مقترحات بنّاءة تدعم هذا الفن الرفيع.

ويعد الجانب البحثي أحد الوجوه البارزة في مهرجان الموسيقى العربية، الذي يقدم في أوجهه الأخرى جوانب فنية خالصة من خلال الحفلات الموسيقية والغنائية، التي شهدت هذا العام حضور أكثر من 70 فنانا، منهم: هاني شاكر، محمد الحلو، علي الحجار، مدحت صالح، عمر خيرت، ماجدة الرومي، عاصي الحلاني، لطيفة وغيرهم.

Thumbnail

وانخرطت الندوات في تحليل قضايا كلاسيكية الطابع، من قبيل “المصطلح في الموسيقى العربية”، “دور النقد في تشكيل واقع الموسيقى العربية”، “التجارب الإبداعية الموسيقية التي تتناول الموسيقى العربية في سياق فني عالمي”، وغيرها من الجلسات النخبوية التي بدت متوازية مع أغلبية حفلات المهرجان التي أحياها مطربون قدامى تحت شعار الأصالة والعودة للجذور.

وجاءت التوصيات الختامية للمؤتمر منتمية إلى الفلك ذاته، حيث النهج المدرسي، والتقعيد، والتنظير، والكليشيهات، والعناوين الرنانة، والتعاطي مع الموسيقى كمشروع يجري التخطيط له آليا بمعزل عن علاقة البشر الحميمة بهذا الفن.

وجسّدت توصيات مؤتمر الموسيقى العربية بوضوح نظرة المؤسسة الثقافية الرسمية للفنون عموما، على اختلاف أنواعها، فهذه الفنون مجرد “أجهزة”، شأنها شأن الأجهزة الإدارية بالدولة، يمكن بناؤها من العدم في صحراء بور بالاعتمادات والمعدات اللازمة، وتوفير الموظفين المناسبين الذين يتقنون الأداء، ولا بأس من خلق اتجاهات ومدارس ومذاهب بعينها تلائم المرحلة، وإزاحة تيارات أخرى غير مرغوب فيها أو ليست عند حُسن الظن.

واتسعت توصيات مؤتمر الموسيقى لما هو كمي صرف، كإقامة المؤسسات وإنشاء قواعد البيانات ومعاجم المصطلحات وتطوير المعاهد والأكاديميات ومراكز الأبحاث، دون توضيح كيفية إحداث طفرة “نوعية” في الموسيقى العربية كممارسة يومية وفلسفة قائمة بذاتها وفن حياة وقيمة روحية وأداة تعليمية تأخذ بأيدي الأجيال نحو الارتقاء السلوكي والشعوري.

ومن هذه التوصيات: دعوة الأكاديميات والمعاهد العربية إلى الاستفادة من وسائل التكنولوجيا في تعليم الموسيقى العربية مع المحافظة على جمالياتها وهويتها، والسعي إلى إنشاء أرشيفات ومتاحف للموسيقى العربية وقواعد بيانات إلكترونية، ودعوة المختصين لصياغة قوانين وآليات تسمح بإتاحة المواد الموسيقية للمستخدمين وفق قواعد تحفظ هذه المواد وتضمن حقوق الملكية لمبدعيها.

وهذه النوعية من التوصيات تبدو في مجملها شعارية وإجرائية، ولم تتطرق إلى ذاتية فن الموسيقى العربية، وتشريحه من الداخل، وتقصي معوقات تطوّره واندماجه محليا وخارجيا، وطبيعة الحواجز التي فصلت الشباب من الموسيقيين والجمهور على السواء عن موروثه الجمالي وحاضره الراهن.

Thumbnail

وتعاني الساحة الموسيقية والغنائية بمصر من فراغ كبير وغياب للقامات الشامخة المؤثرة محليا وعربيا، الأمر الذي أدى إلى كساد في المشهد، ووجد قطاع من الجمهور ضالته في الشعبيات الراقصة، والمبتذلة، التي يصنفها النقاد كأحد أنماط التلوث السمعي، فيما انصرف آخرون إلى الثيمات الأجنبية الوافدة، مثل موسيقى الجاز وغيرها.

ولم تشر التوصيات إلى أبجديات وأساليب تغذية دور الموسيقى كوسيلة من وسائل مقاومة القبح والتلوث السمعي، خصوصا أن المؤتمر انعقد في العاصمة المصرية، التي تحتل وفق تقرير “المنتدى الاقتصادي العالمي” المرتبة الثانية على مستوى العالم في الضجيج، بسبب الازدحام المروري.

وتجاهلت التوصيات أيضا عوامل النهوض الأساسية بالموسيقى، والفنون عموما، وعلى رأسها ضرورة إتاحة حرية التعبير دون قيود سياسية ومجتمعية ودينية، وتشجيع العمل الأهلي والثقافة المستقلة، وإحلال المبدعين محل الموظفين في المناصب التخطيطية والإدارية ذات الطبيعة الثقافية، وذلك ضمانا للتفكير خارج الصندوق وسعيا إلى إيجاد حلول مبتكرة.

إن الإنعاش يعني استعادة القلب، وهذا لا يتأتى في الميدان الفني بأرشيفات ومتاحف وحفلات تجترّ الماضي باعتبار استعادته غاية وليست وسيلة للفهم والتمحيص والتفنيد من أجل بناء شخصية متفردة تتسق مع الحاضر ولا تدور في فلك الآخرين.

وشهد مؤتمر الموسيقى العربية حشدا ارتفع صوته الزاعق بأحاديث عن الفن وإشكالياته المعاصرة، في حين أن المؤتمر ذاته بطبيعته الحالية يمثل جانبا من هذه الإشكاليات.

16