توصيل الكراهية إلى المنازل

الوزارة المختصة بالوعظ والإرشاد الديني الإسلامي في مصر تمنح تصريحا لياسر برهامي، أحد دعاة الكراهية، بخطبة الجمعة في مسجد بالإسكندرية.
السبت 2019/08/17
التطرف يبدأ بكلمة ثم يتحول إلى عقيدة

رغم أن أغلب الجرائم الإرهابية التي ضربت مختلف دول العالم كانت بالأساس نتاجا لما قدّمه دعاة التكفير من فتاوى وخطب تحريضية، مشحونة بمفردات من معاجم العنف والقتل، إلا أنه في مصر التي ما زالت تكتوي بنيران التطرف الإخواني، تم السماح لأحد أخطر الدعاة وأكثرهم تطرفا ياسر برهامي، بإلقاء خطبة الجمعة في مسجد الخلفاء الراشدين بالإسكندرية، فعمت مصطلحاته العنيفة أرجاء كثيرة من قرى مصر، وهو ما يدفع مجددا إلى فتح ملف تاريخية توظيف المساجد ودور العبادة لنشر فكر خبيث لا يؤدي إلّا إلى التطرف والإرهاب.

القاهرة – في أسبوع واحد منحت الوزارة المختصة بالوعظ والإرشاد الديني الإسلامي (وزارة الأوقاف) في مصر تصريحا لياسر برهامي، أحد الدعاة إلى الكراهية، بخطبة الجمعة في مسجد الخلفاء الراشدين بالإسكندرية. وفي نهاية الأسبوع وصل إلى قريتي في عمق الدلتا طيف من هذه الكراهية، قادما من اليمن، في كتيّب وزّع مجانا على من أدّوا صلاة عيد الأضحى (1440 هجري، 11 أغسطس 2019). وبين هذين الحدثين نفذ انتحاري شاب، قالت وزارة الداخلية إنه عبدالرحمان خالد محمود (24 عاما)، عملية إرهابية زلزلت مستشفى الأورام بالقاهرة، وأودت بحياة أكثر من 20 مواطنا.

أغلب جرائم الإرهاب كان ثمرة دامية لفتوى، أو لتلميح خبيث، ففي 22 مارس 1948 اغتيل المستشار أحمد الخازندار، وكان يحمل ملف قضية “تفجيرات سينما مترو” التي وقعت في 6 مايو 1947، والمتهم فيها أعضاء من الإخوان، وقد سبق أن حكم بالسجن على عناصر من التنظيم.

قال حسن البنا في اجتماع “ربنا يريحنا من الخازندار وأمثاله”، فاعتبر مسؤول ميليشيا الإخوان عبدالرحمان السندي الأُمنية تصريحا بالقتل. ولا يختلف الأمر كثيرا عن فتوى أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر محمود مزروعة بكفر فرج فودة عام 1992، وبعد اغتياله شهد مزروعة، مع محمد الغزالي في المحكمة، ببراءة القتلة، واتهم القتيل بجحود الشرع، فأصبح “أخا إبليس.. لهذا يقتل حدّا، أي أن قتله يكون فرضا على الأمة كافة، وأن تسعى إلى تنفيذه، وإذا لم يقتل أثِمت الأمة”.

وفي عهد الإخوان بشر محمد حسين يعقوب مريديه بأن الرئيس الإخواني محمد مرسي قال له “الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود”. وفي 15 يونيو 2012 تم تكفير الشيعة، في حضور مرسي، فقتل مهووسون أربعة من الشيعة وسحلوهم، وكبّر القتلة فرحين بالنصر.

لا يمر وقت طويل بين إطلاق شيخ للرصاص اللفظي، وانفجاره في أبرياء. ومن الغفلة أن يكون وهم الخلاص من خطر الإخوان بالارتماء في أحضان متطرفين سلفيين لم يكونوا إلا أنصارا للإخوان في الحكم. وقبل وصول الإخوان إلى البرلمان في نهاية 2011 وإلى الرئاسة في منتصف 2012، كان صعبا أن تفرق بين نهاية الفكر السلفي وبداية السلوك الإخواني.

وتجسد هذا الحلف في “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، وصقورها خيرت الشاطر وصفوت حجازي وحازم أبوإسماعيل ومحمد عبدالمقصود ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان وياسر برهامي. لا حمائم في هيئة سلفية إخوانية بدأت أنشطتها باستباق عيد الميلاد بتحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية، فالمسلمون «الذين لا يعتقدون في صلب السيد المسيح عليه السلام لا يحل لهم بحال التهنئة بقيامته المدعاة».

الوزارة المختصة بالوعظ والإرشاد الديني الإسلامي في مصر تمنح تصريحا لياسر برهامي، أحد دعاة الكراهية، بخطبة الجمعة في مسجد الخلفاء الراشدين بالإسكندرية

ويبدو في تحالف السلفيين مع سلطة 3 يوليو 2013 مقايضة ما؛ ابتزاز بالضغط لتسديد فاتورة. ما أكثر أعداد خريجي جامعة الأزهر سنويا، من كليات: الشريعة، وأصول الدين، واللغة العربية. وإذا كانت مصر “مزنوقة” في خطيب واحد أحد، لسبب قهري سيترتب عليه إغلاق مسجد، فيجب ألا يكون الطبيب ياسر برهامي، الصريح في كراهيته للمسيحيين، حيث يراهم “أقلية مجرمة معتدية ظالمة.. تعتدي على حق الأغلبية.. النصارى الكفار.. إن بقوا على كفرهم فهم في نار جهنم والعياذ بالله”.

ولكن برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية يجيز الاستمتاع الجنسي بالزوجة المسيحية “الكافرة”، بشرط كراهيتها، فليس «كل من يغتصب امرأة بيحبها؟! أم يعاشرها فقط؟! يعاشرها من أجل جسدها فقط ولا يحبها في الحقيقة… مأمور هو كما ذكرنا بأن يبغضها… يقول لها إنه يبغض دينها بلا شك… يبغضها من أجل أنها كافرة… لو دخل البيت لا يبدأها بالسلام، لو أن له أولادا مسلمين يقول: السلام عليكم، وهو يقصد المسلمين. لا يبدأها بالسلام».

ومن فتاواه الشاذة أنه أجاز زواج الطفلة قبل البلوغ، وهو سلوك يجرمه القانون، وينفر منه التطور الأخلاقي، ولا تقره المواثيق الدولية. وأولى بشخص مثل برهامي وأمثاله أن يتعهده شخص محب له أو مؤسسة تتولى تأهيله إنسانيا وعلاجه نفسيا، من هلاوس الاستعلاء الديني، وتنظف قلبه من شوائب حفظها ولم يستوعب سياقها التاريخي؛ فلم يكن الرق وزواج الصغيرات، وتوزيع غنائم الحرب والاتجار في الأسرى والاستمتاع بالأسيرات، خاصا بالمسلمين، وإنما هو سمة بشرية دالة على مرحلة تجاوزتها الإنسانية، ويكون من الحماقة أن يلحّ جهول على إعادتها.

ولا يختلف برهامي وأمثاله عن شيخ يمني انتقلت كراماته، من مسجد الفرقان بالحوطة في حضرموت إلى عمق الشمال المصري، وأصابني منه مثل غيري في صلاة العيد كتيّب صغير، 129 صفحة في حجم كف اليد (طوله 11.4 سنتيمترا وعرضه 7.7 سنتيمترات)، وعنوانه “تنوع الأذكار سبب الخشوع في الصلاة والادّكار” تأليف أبي عبدالله محمد بن عبدالله بن عبدالرحمان بن أحمد بإجمال.

دعك الآن من سماجة التقليد في اختيار عنوان له أسلاف أكثر شياكة ورشاقة وتبسيطا بلا افتعال، ومنها “رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين” و”الأذكار من كلام سيد الأبرار” للإمام النووي. ولا تسأل أين “التأليف” في تجميع أذكار وأدعية تسهل قراءة أصولها في كتابيْ النووي، و”فقه السنة” للسيد سابق، و”صفة صلاة النبي صلى اللـه عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها” لمحمد ناصرالدين الألباني.

في الباب الخامس، وتحت عنوان “أذكار الاعتدال” من الركوع، تضمن الفصل الأول ثلاثة أوجه، أولها “ربنا ولك الحمد”، “أمر به النبي صلى اللـه عليه وسلم، أخرجه البخاري (689 و734)، ومسلم (411) من حديث أنس وأبي هريرة رضى الله عنه. ومن فِعْله أخرجه البخاري (735 و803 و804 و1046 و4559) ومسلم (392 و675 و901) من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة رضي الله عنهم”.

وأما “ربنا لك الحمد”، من دون حرف الواو، فلها أيضا مصادر عدة. يمضي الكتاب على هذا النحو الذي لا أظنه يعني مسلما، حتى يصل إلى باب «القنوت»، وفي الفصل الثاني: أنواع القنوت عن الصحابة، وأولها “اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.. اللهم الْعن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم الجرمين». ويبدو أن الله لم يستجب لهذا الدعاء طوال 1440 عاما.

أي قوة فكرية ومادية تنفق ببذخ على طبع هذه الكتب الخالية من تاريخ النشر ورقم الإيداع بأي مكتبة وطنية؟ ما الذي يستفيده مسلم من وجود أربع صيغ (يسميها «المؤلف» أنواعا) للتشهد الأول، وثماني صيغ للتشهد الثاني؟ ألا هل بلغت.

16