توطيد أركان الحريات معركة مستمرة لصحافيي تونس والمغرب

الصحافيون في تونس والمغرب يأملون بالحد من مشكلات القطاع في بلديهما، وإيجاد مناخ ملائم للعمل الصحافي يضمن الحرية.
الاثنين 2018/04/16
إصرار على التحدي

تونس – يقدم نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري ونظيره المغربي عبدالله البقالي، صورة قاتمة لأوضاع الصحافة في بلديهما، مجددين في كل مناسبة مطالبهما بتغيير الواقع الراهن، وإن اختلفت طبيعة المشكلات والتحديات في كلا البلدين إلا أن الهدف واحد، وهو ضمان مناخ ملائم لممارسة المهنة، وإرساء معايير أخلاقية تضمن نزاهة الإعلام ومحاسبة المخالفين.

واستعرض النقيبان خلال ندوتين منفصلتين، السبت، في تونس والرباط، أبرز ما يعانيه القطاع من إشكاليات، والإجراءات الواجب اتخاذها لتحسين القطاع، باعتبار نقابات الصحافيين أولى قلاع الدفاع عن المهنة والصحافيين على حد سواء.

وكانت نقطة الاشتراك بينهما المخاوف من هيمنة السلطة التنفيذية على القطاع، ومطالبة الصحافيين بضرورة الالتزام بميثاق مهني أخلاقي.

شرط نجاح الديمقراطية

قدم ناجي البغوري نقيب الصحافيين التونسيين شهادته حول واقع الصحافة التونسية وما شهدته من تحولات وتحديات في السنوات الأخيرة، خلال ندوة “الذاكرة الصحافية وإصلاح الإعلام”، قائلا إن العدالة الانتقالية، بما تتضمنه من مصارحة ومصالحة، لم تشمل قطاع الصحافة في تونس حتى اليوم.

ناجي البغوري: أغلب الإعلاميين المؤثرين في المشهد الإعلامي (التونسي) ارتبطوا بالآلة القديمة
ناجي البغوري: أغلب الإعلاميين المؤثرين في المشهد الإعلامي (التونسي) ارتبطوا بالآلة القديمة

وأضاف البغوري خلال الندوة التي نظمتها مؤسسة التميمي للبحث العلمي، السبت، أن النقابة قدّمت في وقت سابق ملفا لهيئة الحقيقة والكرامة وأبدت استعدادها لتقديم أي معلومات تطلبها، وهي تنتظر إلى الآن دعوتها لعرض ما تملكه من معلومات.

وكانت نقابة الصحافيين التونسيين قد وعدت بإعداد قائمة سوداء لأعداء حرية الصحافة ستتضمن على الأقل 5 رجال أعمال وصفتهم بالفاسدين، لكن النقابة تراجعت في ما بعد، وأشار البغوري في الندوة إلى أن “السبب في عدم إعداد القائمة التي كانت أحد مخرجات مؤتمر النقابة لعام 2011 يعود لسببين، أولهما دعوة الاتحاد الدولي للصحافيين إلى أن تمر المسألة عبر العدالة الانتقالية، وثانيهما عدم حصول النقابة على قائمة رسمية من رئاسة الجمهورية (في عهد الرئيس السابق منصف المرزوقي) تتضمن الإثباتات اللازمة بخصوص كل من تورط في كتابة التقارير في شأن زملائه من الصحافيين وحجم الأموال التي كانت تصرف من قبل النظام السابق للسيطرة على الصحافيين”.

وتحدث نقيب الصحافيين عن تجربته الشخصية مع التهديدات، وقال إنه “تعرّض لأحد أكثر المواقف التي استشعر فيها الخوف حينما اتصل به أحد الأشخاص في سيارة كانت تترصده هو وابنته ليهدده بإمكانية تعريض ابنته لعدد من الانتهاكات في حال استمراره في نشاطه”.

وحذّر نقيب الصحافيين من عودة آلة الاستبداد بالوجوه ذاتها والممارسات السابقة، باللجوء إلى منطق الصداقات والدعوات الخاصة ومحاولة تمرير مبادرات الهدف منها الحد من حرية الإعلام، على غرار مبادرة حزب نداء تونس بخصوص تجريم القذف الإلكتروني.

وانتقد ما أسماه “غياب التوازن في وسائل الإعلام الأكثر جماهيرية، على غرار القنوات التلفزيونية والإذاعية، ما جعل حضور السلطة التنفيذية فيها طاغيا”.

واعتبر أن “أغلب الإعلاميين المؤثرين في المشهد الإعلامي ارتبطوا بالآلة القديمة”.

وتطرق إلى علاقة السياسيين بالصحافة والإعلام والتراجع عن مواقفهم المساندة للحريات، حيث عبر عن “صدمته” من الرئيس السابق، منصف المرزوقي والسياسي محمد عبو، بسبب “تغيّر مواقفهما من الإعلام، فور تسلمهما السلطة، الأول لمواقفه من الإعلام زمن حكمه والثاني بسبب تقدم كتلته بمشروع قانون زجري وصادم يحد من حرية الإعلام”.

ودعا إلى “إصلاح الإعلام”، معتبرا أن “نجاح الديمقراطية يستوجب توفر بيئة من الحريات وفضاء يتسم بالمصداقية”.

قيم النزاهة والموضوعية

اعتبر عبدالله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أن “80 في المئة من الصحافيين المغاربة لا يعلمون بوجود ميثاق لأخلاقيات مهنة الصحافة”. وأضاف البقالي خلال ندوة “الإعلام والتواصل الاجتماعي” أن “هناك سلطة هلامية مسيطرة على سلطة الإعلام”.

وقدم مجموعة من الأسباب التي أدت إلى تردي أخلاقيات العمل الصحافي، من قبيل “الاستجابة لحاجيات الجمهور كما يريدها، والتهافت على السبق الصحافي بما لا يتيح الوقت الكافي لتجويد المنتوج الإعلامي، إضافة إلى ضعف التكوين المستمر والدائم لمواكبة سرعة التحولات التقنية والقانونية للمنتوج الإعلامي من قبل العاملين
بالقطاع”.

عبدالله البقالي: هناك سلطة هلامية مسيطرة على سلطة الإعلام في المغرب
عبدالله البقالي: هناك سلطة هلامية مسيطرة على سلطة الإعلام في المغرب

وحمّل البقالي تراجع قيم النزاهة والموضوعية والصدق والمصداقية في المجتمع جزءا من المسؤولية، مشيرا إلى أنه “عندما تتراجع هذه القيم في المجتمع تنعكس على القطاع”.

واستعرض “الإرادات المتعددة حول تقنين الإعلام”، موضحا أن “هناك من يستعمل التقنين للتضييق على حرية الصحافة، وهناك من يبالغ في التخوف من التقنين بحجة الحفاظ على حرية الصحافة والتعبير، وهناك من يعتقد أن حرية الصحافة يجب أن تكون دون قيود لأن لها أهمية مفتوحة”، وأوضح أن رأيه هو أن “حرية الصحافة في حاجة إلى تقنين”.

واستند البقالي إلى مرجعين أساسيين لضبط حرية الصحافة، أولهما “تشريع قوانين تضبط هذه الحرية، لأنه حتى في بريطانيا توجد قوانين صغيرة تنظم وتعتبر مراجع للقضاء”، وثانيهما “الاتفاق على قواعد أخلاقية إلزامية قد تتضمن قرارات زاجرة وتأديبية تكون متفقا عليها بين الأوساط المهنية، وتقوم على رغبة ذاتية لهم”.

من جهته،  قال علي كريمي، أستاذ القانون الدولي للإعلام بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، إن السلطة التنفيذية في المغرب كانت دائما مهيمنة على تجربة التشريع في مجال الإعلام، واستعرض تطور القوانين المغربية ابتداء من “أكثر قانون ليبرالي في أفريقيا”، الذي “قضمت أطرافه السلطة التنفيذية سنة 1959، بعدة تعديلات كانت تهدف إلى تقليص حرياته وليبراليته، ثم كانت الضربة القاضية مع تعديل الحكومة للمادة الـ77 في 1960، في ما يتعلق بالتوقيف الإداري، والمنع الإداري”.

وفسر كريمي تقليص الحريات، التي كان ينص عليها قانون الصحافة، بأنه “كان لا بد من قطع ألسنة الصحافة القوية الاستقلالية والاتحادية التي كانت تنتقد النظام بألفاظ قوية”.

18