توطين الإرهاب في ليبيا خطة تركيا لتعويض خسارة السودان

أنقرة تحاول التعامل مع تراجع تأثير الإسلام السياسي في كل من مصر والسودان بالتواجد في ليبيا البلد الذي لديه حدود مع الدولتين بهدف إحياء مشروع الإخوان فيهما.
الثلاثاء 2020/05/26
إغراق ليبيا بالمتطرفين للتدارك

مثل سقوط الرئيس السوداني السابق عمر البشير في العام الماضي صفعة قوية في وجه أنقرة، خاصة بعد كل ما أظهرته السلطة السودانية الحالية من مساع كبيرة لاجتثاث وتصفية تركة النظام القديم. تطورات سودانية أجبرت تركيا على تحويل خطتها لتسعى راهنا لتحويل ليبيا إلى بؤرة لتوطين التطرف قصد التعويض عن خسارتها في السودان ولإحاطة الخرطوم بضغوط كبرى تراهن على أزمة دارفور لاستعادة مكاسب فقدتها في سواكن.

القاهرة- يحمل تكثيف الضربات التركية في ليبيا والزج بالآلاف من المتطرفين إليها للسيطرة على مساحات واسعة وحيوية العديد من الرسائل الإقليمية، فأنقرة لن تنسى الضربة التي تلقتها في مصر مع سقوط نظام الإخوان منذ سبعة أعوام، وما تلاها من تداعيات قصمت ظهر التنظيم والحركات التي تدور في فلكه.

لم تشعر أنقرة بخطورة بالضربة القوية التي تلقتها في مصر لأنها كانت تحتفظ بالسودان كنقطة تمركز أساسية للجماعات المتطرفة التي تدور في فلكها، ومن أراضيه أدارت ووجهت هؤلاء شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

وجاء سقوط نظام الرئيس عمر البشير منذ نحو عام ليمثل لطمة ثانية أكثر ألما، فمعه بدأت تتراجع أحلام تركيا العثمانية في السودان، والذي حوله البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية إلى بؤرة لجذب المتشددين والإرهابيين من كافة أصقاع الأرض، رعاية واحتضانا وتدريبا وتوجيها، إلى المناطق المطلوب أن يمارسوا فيها العنف المنظم.

مأزق السودان الجديد

سلطة تتهاوى
سلطة تتهاوى

أرسلت السلطة الجديدة في الخرطوم إشارات مباشرة لأنقرة، وجميعها أوحت بالرغبة في فك الارتباطات السابقة، والتحلل من الاتفاقيات التي كادت تفضي للسيطرة على جزيرة سواكن في البحر الأحمر، وأرادت تركيا تحويلها إلى محطة إستراتيجية تتكئ عليها في تحقيق أهدافها بالمنطقة، وتنطلق منها لتكتيف السودان بوابل من المعاهدات العسكرية والاقتصادية، لكن ملامح الانهيار ظهرت عليها مبكرا.

وإذا كان أمر انتزاع سواكن حُسم لجهة طرد الوجود التركي منها، فلا تزال الإشارات المتعلقة بوضع الجماعات المتشددة في السودان مبهمة، حيث تركز الحكومة على إزالة التمكين وتفكيك فلول النظام السابق، لكنها لم تقترب بوضوح من الخلايا النائمة للمتطرفين في إقليم دارفور بغرب السودان، وتحتفظ تركيا وقطر بعلاقات جيدة مع الكثير من الأطياف النشطة فيه، ما ساعدها على التأثير في مقدراته وقت الحرب وعند الحديث عن السلام.

ويفسر الوضع العام راهنا في هذا الإقليم جانبا مهما من معالم التوتر المستمر في دارفور، فكلما حاولت السلطة الانتقالية إخماد أزمة اندلعت أخرى، وهكذا أصبح مسار دارفور يواجه معضلات سياسية وأمنية معقدة حالت دون تحقيق السلام وأبقت على شبح الحرب.

وكردة فعل على هذه الصعوبات صوّب مسؤولون كثيرون في الخرطوم أصابع الاتهام نحو فلول البشير لإحداث فتنة قبلية لمواصلة عزل الهامش عن المركز، وهو ما تستفيد منه جهات تضررت من نجاح الثورة.

وتعثرت الحيل السياسية والإنسانية والاقتصادية التي اتبعتها أنقرة مع الخرطوم وإجبارها على عدم التخلي عن تطوير العلاقات معها، وباتت المصالح التركية معرضة لمزيد من الضربات. ولا يزال لأنقرة وجود في بعض مناطق الأطراف، لكنه وجود محاط بشكوك قطاعات كبيرة من المواطنين لم يرتاحوا يوما لتنامي النفوذ الخارجي في بلادهم، وانتابتهم هواجس عديدة حيال الروابط القديمة التي جمعت أنقرة بالحركة الإسلامية السودانية.

أدرك الرئيس رجب طيب أردوغان أن فقدان مصر ثم السودان مثّل ضربة قوية لطموحاته العربية والأفريقية. فتوابع سقوط البوابتين معناه انتكاسة إستراتيجية لمشروعه في المنطقة، خاصة أن عمليات الدعم والإسناد التي تقدم للإرهابيين في سيناء المصرية لم تجد نفعا، والمناوشات التي تقوم بها أنقرة بالتعاون مع أنصار نظام البشير محفوفة بمخاطر في ظل التطويق الذي يعاني منه هؤلاء.

جاء سقوط نظام الرئيس عمر البشير منذ نحو عام ليمثل لطمة ثانية أكثر ألما، فمعه بدأت تتراجع أحلام تركيا العثمانية في السودان، والذي حوله البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية إلى بؤرة لجذب المتشددين

قذف النظام التركي بكل أوراقه دفعة واحدة في معركة غرب ليبيا مؤخرا، وأسرع من وتيرة التحركات التي بدأها منذ توقيع مذكرتي تفاهم بحري وأمني في نوفمبر الماضي مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، لإنقاذ مشروع أردوغان الإسلاموي من بوابة شمال أفريقيا، واستعادة الضغط على مصر، وإجبار الخرطوم على عدم اتخاذ خطوات تصعيدية جديدة.

وضعت أنقرة جزءا كبيرا من بيضها في سلة ليبيا، وهي تعلم أن الفشل يقوض تماما مشروعها ويطوي الكثير من قسماته، لأن العودة إلى الواجهة مرة أخرى بحاجة إلى تجهيزات تتطلب وقتا طويلا.

تنصب اهتمامات أنقرة حاليا على تأمين وجودها في غرب ليبيا، وصد العمليات التي يقوم بها الجيش الوطني الليبي، كي تتمكن من الاتجاه جنوبا للاستفادة من السيولة الأمنية والسياسية هناك، والاتجاه نحو شمال تشاد الذي يعاني من مشكلات مزمنة مع جماعة بوكو حرام، والضغط على السودان من جهة الشمال، وهي منطقة رخوة يمكن منها فتح طريق مباشر إلى دارفور، قبل أن تتمكن الخرطوم من التوصل إلى تسوية مع الحركات المسلحة وتفرض قبضتها على الإقليم، وتمنع أنقرة من الالتفاف عليها.

أخفقت تركيا في تصويب مسار علاقاتها باللين مع السودان، وتخشى أن تفضي الأدوات التي تستخدمها إلى مجال مسدود، فوسط انعدام الوزن الذي تعاني منه أنقرة قد تتواصل الضربات السياسية ويصبح نفوذها منعدما، لأن موزاييك، الإرهابيين والمرتزقة والميليشيات والعصابات المسلحة، الذي ترعاه في ليبيا قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت.

وتنظر شريحة كبيرة من السودانيين إلى خروج تركيا من باب سواكن وعودتها من شباك ليبيا بمزيد من القلق، لأن تصوراتها في الأولى كانت واضحة إلى حد كبير، وبداياتها ونهاياتها معروفة نسبيا ومع من تتحالف، اليوم تبدو المسألة أشد ضراوة، لأنها تعتمد على دهاليز وعرة، ويمكن أن تجرف السودان إلى حمام كبير من الدماء، لأن أنقرة لجأت إلى طيف من المتطرفين الذين يملكون أيديولوجيا تعتبر العنف والإرهاب من أهم أدواتها. وقال المتحدث باسم التحالف العربي من أجل السودان، سليمان سري، إن توطين الإرهاب في أفريقيا سوف يكون من خلال ليبيا، ما ينعكس على تهريب أعداد كبيرة من الإسلاميين المتواجدين في السودان إلى طرابلس، وتوظيفهم في أعمال الحرب التي تقودها أنقرة.

وأضاف لـ”العرب” أن ليبيا دولة إستراتيجية بالنسبة لأردوغان من أجل دعم الثورة المضادة في السودان، والدعم الإعلامي الذي تقدمه قنوات تبث من أنقرة للنظام السابق يأتي بالتزامن مع دعم لوجستي تقدمه أيضا إلى أنصار البشير عبر الحدود الليبية السودانية.

بين إقليمين

مشروع فاشل
مشروع فاشل

أكد أن أردوغان يحاول استعادة نفوذه المفقود من خلال دعم العناصر التابعة لتنظيم الإخوان، لاسيما أن عددا من هؤلاء تمكنوا من الفرار إلى ليبيا لتدريبهم وتجهيزهم، ومدهم بالأموال والعتاد اللازم لمواجهة السلطة الانتقالية، وبات الرهان كبيرا على زعزعة استقرار الداخل السوداني بالقيام بعمليات إرهابية يجري الإعداد لها داخل ليبيا حاليا.

يحتاج الوجود التركي في ليبيا إلى بيئة خصبة مجاورة لإنجاح تمدد تركيا في وسط أفريقيا، وهي منطقة تعج بجماعات إسلاموية محملة بالاحتقانات ضد الحكام المحليين، كما أن حالة السيولة الأمنية في عدد من المناطق تدفع لمزيد من التنسيق بين تركيا والحركات ذات الميول الإسلامية القريبة من السلطة، وهناك علاقة وطيدة تربط حركة العدل والمساواة في دارفور وكل من تركيا وقطر، وأدلة تثبت تورط بعض مسلحيها في عمليات إرهابية في طرابلس.

ويعتبر الناشط السياسي السوداني حاتم إلياس أن وجود تركيا في ليبيا أحد مصادر دعم الثورة المضادة التي رصدتها دوائر حكومية عديدة، وتطور هذا الاتجاه مؤخرا بعد أن ضاعفت الدوحة من عملية الدعم الإعلامي عبر قناة الجزيرة، فيما تفرغت تركيا إلى إرسال المال والسلاح إلى عناصر البشير في دارفور عبر الأراضي في ليبيا.

وأوضح أن أنقرة تحاول التعامل مع تراجع تأثير الإسلام السياسي في كل من مصر والسودان بالتواجد في بلد لديه حدود مع الدولتين المهمتين، وأن ميليشيات أردوغان في ليبيا تحاول إحياء مشروع الإخوان فيهما، والحلقة النهائية في هذا المشروع تكمن في مد عناصر الحركة الإسلامية السودانية بالمال والسلاح لإثارة العنف والفوضى الأمنية.

7