توظيف الإخوان لقناع المظلومية السياسية أسقطه المغاربة في الانتخابات

اعتماد الإخوان على مبدأ المظلومية السياسية في معاركهم الانتخابية أسقطه الناخبون في المغرب من زاويتين، أولاهما الإبقاء عليهم في الساحة السياسية حتى لا يجدوا تعلة المظلومية جاهزة للتوظيف، وثانيتهما تعريتهم أمام المجتمعين المحلي والدولي وكشف تهافت مشروعهم الثيوقراطي في الحكم، مما يثبت أن المغرب قد حصّن جبهته الداخلية ضد تيارات العنف والتطرف وحجّم وجود الإسلاميين من خلال منعهم من التفرد بالقرار بل ألزمهم بنهج التشاركية مع بقية الطيف السياسي.
الأربعاء 2015/09/09
الناخبون المغاربة قصقصوا أجنحة الإسلاميين وأظهروا عجز مشروع حكم الإخوان الثيوقراطي

“ناجحون في التأثير فاشلون في الإقناع”، “بارعون في الشعار قاصرون في المشروع”، “زعماء في المعارضة تائهون في الحكم”، قد تكون هذه الجمل التفسيرية هي الأقدر تحليلا وانسحابا على معظم التيارات الإسلاموية في العالم العربي سواء اختارت الجنوح إلى دياجير العمل السري أو انخرطت في المشهديّة السياسيّة.

بين عواصم العالم العربي تتدحرج التيارات الإسلامويّة من السلطة إلى المعارضة، ومن المركز إلى الهامش بقوّة صناديق الاقتراع التي تمثّل الإفراز الأكثر انعكاسا لوعي التصويت وللتصويت الواعي وللمراجعة الجماعية التي يفرضها العقل الجمعي العربي لأداء الإسلاميين في السلطة.

صحيح أنّ قطاعات كبيرة من الخزان الانتخابي العربي انزاحت نحو الإسلاميين في أوّل انتخابات تشريعية ورئاسية عقبت أحداث الربيع العربي بفعل “قوّة” التأثير التي وظفها الإسلاميون في كافة الاستحقاقات الانتخابية، ولكن سرعان ما غلبت منظومة الإقناع الآلة الدعائية التأثيرية بعد أن كشف الميدان شساعة البون القائم بين “الشعار” و”المشروع”.

اللافت هنا أنّ الإسلاميين في العالم العربي لم يتجاوزوا العهدة الواحدة سواء في قبة البرلمان أو في قصور الرئاسة إذ سرعان ما دعت الضرورة والضرر إلى مراجعة سياسيّة عميقة تترجم على شكل سحب ثقة الشعب من التيارات الإسلامويّة ومنحها لأطراف أخرى قد تكون أكثر دربة بقوانين الحكم ومقتضيات السلطة والدولة.

في تونس لم تتجاوز عهدة الترويكا الحاكمة، بقيادة النهضة، السنة ونصف السنة قبل أن ينتفض الشعب في مرحلتين، واحدة عقب استشهاد المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والثانية عند الانتخابات البرلمانية والرئاسية والتي خيضت على أساس إسقاط التجربة النهضوية وملحقاتها في تونس.

الأمانة العلمية والتحليلية تفرض على صاحب هذه الأسطر الإقرار بأنّ النهضة التي خرجت من باب الترويكا عادت من شباك نداء تونس بعد اتفاق الشيخين (راشد الغنوشي والباجي القايد السبسي) في باريس، ولكنّ الواقع أثبت أنّ الصوت الانتخابي التونسي انصبّ على معاقبة النهضة وحلفائها في الاستحقاق الاقتراعي أكثر من منح الثقة لنداء تونس ورئيسه السبسي ولولا التناقض الاستراتيجي الذي ادّعاه نداء تونس ضدّ النهضة أوّلا والمؤتمر من أجل الجمهورية ثانيا ما كان له أن يحصد هذا الكم من الأصوات.

المسلكية الاقتراعية الحصيفة للمغاربة تسقط الإخوان من سدة الحكم بلا فاتورة دم وتعري فشلهم وعجزهم الحكومي

في ليبيا كان عنوان الانتخابات البرلمانية لعام 2014 متمثلا في تصفية التركة الإخوانية الثقيلة التي حالت دون دخول البلاد في مرحلة انتقالية حقيقية تؤمّن الحرية والتحرر لبلد عاش عقودا تحت ربقة الاستعباد والفساد والاستبداد.

نفس الحالة تقريبا تكرست في المغرب مؤخرا عبر “انتكاسة تصويتية” عرفها حزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات الجهوية والمحليّة، حيث وضعه الخزان الاقتراعي المغربي في الرتبة الثالثة متخلفا أمام حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال في مقدمة موضوعيّة لحقيقة أنّ الحزب فشل في المحافظة على ثقة المصوتين، الأمر الذي قد يعرّض الغالبية النيابية التي يتمتع بها إلى الخطر المحدق.

منح المصوّت المغربي لحزب العدالة والتنمية الحقّ في الوجود ضمن المشهدية السياسية، ولكنّه في المقابل منع عنه “الحق” في القيادة والقرار، وهي مسلكية اقتراعيّة حصيفة تسقط الإخوان من سدّة الحكم بلا فاتورة دم وتعرّي فشلهم وعجزهم الحكومي أمام الرأي العام المحلي والدولي وتحول بذلك دون توظيف الإسلاميين لقناع “المظلومية السياسية” الذي جيّروه طيلة فترة استبعادهم من السلطة ومن المشاركة في الحياة العامة.

في الديمقراطية التقليديّة كثيرا ما يُنظر إلى الانتخابات البلدية والمحلية على أنّها الصورة الأقرب لما سيكون عليها البرلمان القادم، ذلك أنّ التصويت في مثل هذه الاستحقاقات يقوم على ثنائيّة “التقييم والثقة”، والثقة تتوجه ضمن مسار التقييم، لهذا فلا ننتظر تغييرا كبيرا في مستوى التقييم الشعبي لأداء العدالة والتنمية وفـي مفصل توجّه منح الثقة. عرف المغرب حدثين هامين استثنائيين الأوّل تنظيم انتخابات حرّة وديمقراطية على الرغم من كافة الشوائب الحاصلة، والثاني تحجيم دور الإسلاميين دون انقلاب أو سرقة أصوات أو استبعاد من المجال الإعلامي العمومي.

وكما كان المغرب استثناء في النجاة والنجاح في محنة الربيع العربي، فإنّه يثمل اليوم نموذجا جديدا في البناء والتشاركية وفي إقصاء الإسلاميين دون دماء.

13