توفيق بن بريك كاتب يُحيي اعتقاله المخاوف من عودة مناخ الاستبداد في تونس

الكاتب توفيق بن بريك يمثل الأدب المتمرد والجريء الذي يكون ملاذ الفئات المهمشة ويُعرف باعتماده على أسلوب مثير عند تعليقه على الأحداث ما جعله محل ملاحقة.
الثلاثاء 2020/08/04
توفيق بن بريك يعد واحدا من أشرس الصحافيين والكتاب في تونس

غزت صور الصحافي والكاتب التونسي توفيق بن بريك مواقع التواصل الاجتماعي، في الأيام القليلة الماضية، للمطالبة بإطلاق سراحه بعد أن تم إيقافه تنفيذا لقرار قضائي لاقى تنديدا واسعا داخل المنظمات النقابية.

بن بريك، الذي يعد واحدا من أشرس الصحافيين والكتاب في تونس حُكم عليه بسنة سجنًا لنقده القضاء التونسي في تعليق له على اعتقال المرشح لرئاسيات 2019 نبيل القروي أثناء الحملة الانتخابية. وتطالب العديد من المنظمات والنقابات في تونس بإطلاق سراح بن بريك متهمةً القضاء بضرب حرية التعبير وتدعيم محاولات العودة إلى مناخات الاستبداد. وبينما حدد القضاء الرابع من أغسطس الجاري للنظر في مطلب الإفراج عن بن بريك، فإن المنظمات التي تسانده تواصل حشدها من أجل ضمان إطلاق سراح الرجل والتصدي لمحاولات ضرب الحريات.

صفعة للحريات

تشهد تونس، منذ فترة، ما يشبه الارتداد عن الحريات بدءا من محاكمة ناشطة بسبب محاكاة القرآن، مرورا بمنع تظاهرات لحجج لم تقنع أحداً، وصولا إلى سجن كاتب وصحافي ذنبه الوحيد أنه تجرأ على نقد قرار قضائي كان بمثابة “كلمة الحق التي أريد بها باطل”، وجاء في سياق توظيف سياسي للقضاء، في فترة تتسم بتوتر سياسي كبير حتمته الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة لأوانها.

’’إيقاف بن بريك ضربة للحريات والرجل ملح الصحافة التونسية‘‘، بهذه العبارات أوضح نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري وجهة نظر المنظمة النقابية العريقة التي يرأسها.

بن بريك يقضي عقوبته في السجن بعد الحكم عليه بالحبس لعام كامل، بسبب نقده قرار توقيف المرشح للانتخابات الرئاسية نبيل القروي العام الماضي
بن بريك يقضي عقوبته في السجن بعد الحكم عليه بالحبس لعام كامل، بسبب نقده قرار توقيف المرشح للانتخابات الرئاسية نبيل القروي العام الماضي

فبالنسبة إلى البغوري وشخصيات سياسية معروفة بنضالها ودفاعها عن قيم الحرية والديمقراطية واجتمعت على الدفاع عن بن بريك على غرار زعيم حزب العمال اليساري حمة الهمامي وعدد من المحامين التونسيين البارزين فإن إيقاف بن بريك يؤشر على تراجع في الحريات وهو ما يهدد بتقويض المسار الديمقراطي الذي اختار التونسيون انتهاجه.

وتم الزج ببن بريك في السجن بعد الحكم عليه غيابيا بسنة لنقده قرار توقيف المرشح للانتخابات الرئاسية نبيل القروي العام الماضي في خضم حملة انتخابية وهو ما أثار جدلا آنذاك حول استقلالية القضاء من عدمها.

ويُعرف الكاتب التونسي باعتماده على أسلوب مثير عند تعليقه على الأحداث ما جعله في الماضي محل ملاحقة من قبل نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي بسبب نقده اللاذع له، واليوم يجد بن بريك نفسه حديث الصحافة والإعلام التونسي عند إدلائه بأيّ تصريح نظرا لاعتماده النهج ذاته الذي يقدم من خلاله قراءة للأحداث.

وينظم المرسومان 115 و116 اللذان تمت المصادقة عليهما في 2011 حرية الصحافة والإعلام في البلاد. وبحسب هيئة الدفاع عن بن بريك فإنه “لا وجود لأيّ إثبات بشأن أركان الثلب الذي اعتمدته إحدى المحاكم التونسية في إصدار حكمها على الكاتب حسب ما تقتضيه فصول هذه المراسيم”.

تطالب العديد من المنظمات والنقابات في تونس بإطلاق سراح بن بريك متهمةً القضاء بضرب حرية التعبير وتدعيم محاولات العودة إلى مناخات الاستبداد

وبصرف النظر عن أحكام هذه الفصول فإن بن بريك معروف بشراسته في مقارعة الأنظمة الاستبدادية والاستماتة في الدفاع عن معاني الحرية وقيمها لذلك لا يمكن سجنه بمجرد القيام بنقد لاذع للقضاء الذي بات في مرمى الاتهامات منذ فترة حسب ما يقول منتقدو هذا القرار.

وتوسعت دائرة الاتهامات مؤخرا للسلطات في تونس بمواصلة التضييق على الحريات بعد قرار سجن الشابة آمنة الشرقي بتهمة نشر التباغض بعد أن نشرت الشرقي ما أسمته سورة “كوفيد – 19” في إشارة إلى وباء كورونا واتخذت من سور القرآن قالبا لذلك.

ومع سجن بن بريك، تتضاعف المخاوف من الحملات التي تستهدف الحريات فالرجل أولا وقبل كل شيء كاتب متمرد يعد بمثابة الساحر لقدرته على التلاعب بالكلمات وتمكين القارئ من سبر أغوار العامية التونسية وبضربه عرض الحائط ذلك الحذر من ردة فعل المحافظين دينيا على أعماله وهو ما يجعل كتاباته وحتى انتقاداته لبعض الأمور تعد صادمة للبعض.

الشرس وقوس المحكمة

من مؤلفات توفيق بن بريك

ولد بن بريك عام 1960 في ولاية الكاف شمال غربي البلاد لعائلة عُرفت بنضالها السياسي والحقوقي. درس الحقوق قبل أن يتفرغ للعمل الصحافي في الثمانينات من بوابة جريدة الصحافة الحكومية، لكن أساليب التضييق على الأصوات الحرة دفعته إلى اللجوء لمؤسسات صحافية خاصة وأجنبية أيضا حيث دافع عن آرائه وتحقيقاته الصحافية بشجاعة أقضت مضجع نظام الحكم آنذاك. وبموازاة ذلك، كان بن بريك يراكم تجاربه الأدبية محدثا ضجة كبيرة حول أعماله التي اتسمت بجرأة كبيرة.

وبالرغم من أنه لم يتفرّد بأسلوب الكتابة بالدارجة في تونس، إلا أنه نجح في إلهام القراء بفضل جرأة لغوية غير معهودة تستهدف وصول كلماته إلى كل أفراد الشعب وهو أسلوب قد يكون بن بريك استلهم تجربته من تشارلز بوكوفسكي.

يمثّل بن بريك الأدب المتمرد والجريء الذي يكون ملاذ للفئات المسحوقة والشباب المهمش، ويبدو أنه استلهم كثيرا من تجارب تشارلز بوكوفسكي الذي ظلت أعماله مطلوبة وبقوة لدى القراء حول العالم بالرغم من أنه لا ينتمي إلى الحركات الأدبية المتمردة.

من “الآن ستسمعني” وصولا إلى “وهران” مرورا بـ”كلب بن كلب” و”حْكايهْ” وغيرها من الأعمال والمقالات نجح بن بريك في لفت جل الأنظار إليه كظاهرة أدبية متفردة في تونس تستحضر المُفردات الشعبية وخاصة الجريئة منها وتطوعها في نصوص لا تقدر بثمن.

وقد سبق بن بريك إلى الكتابة بالدارجة في تونس جماعة “تحت السور”  وتتكون الجماعة من جيل مميز من الأدباء والشعراء وغيرهم برزوا مع مطلع الثلاثينات. وأبرز أعلام هذه الجماعة أبوالقاسم الشابي وعلي الدوعاجي والبشير خريف وعبدالعزيز العروي وغيرهم، بالرغم من وابل النقد الذي واجهوه بسبب ترويجهم للعامية والمراهنة عليها للتأسيس لأدب وشعر محليين يتمكن من النفاذ إلى كل فئات الشعب في فترة ترزح فيها تونس آنذاك تحت وطأة الاستعمار الفرنسي.

بن بريك معروف بشراسته في مقارعة الأنظمة الاستبدادية والاستماتة في الدفاع عن معاني الحرية وقيمها لذلك لا يمكن سجنه بمجرد القيام بنقد لاذع للقضاء الذي بات في مرمى الاتهامات

لقد نجح هؤلاء في الولوج إلى عقول التونسيين، وبقيت أعمالهم راسخة في أذهانهم حتى بعد وفاتهم رغم الاتهامات لهم بالمحلية. ولم يحد بن بريك عن المسار، بل حاول تطويره وجعل أدبه صالحا لمن “هب ودبّ” حيث جسدت رواية “وهران” مثلا، وهي أحدث عمل روائي لن بريك، هذا الكم الهائل من الجرأة وصلت ببعض النقاد إلى توصيفها بـالكتابة الداعرة.

رواية “وهران” حاول من خلالها بن بريك، وبأسلوبه الجريء، العودة إلى التاريخ للاستلهام منه في عمله الروائي حيث تعود أطوار القصة وحبكتها إلى فترة 1864، وهي فترة شهدت انتفاضة للتونسيين ضد الباي التركي محمد الصادق آنذاك ووزيره الأكبر مصطفى خزندار، الذي عاث في أرض أفريقية فسادا، وهي انتفاضة تزعمها علي بن غذاهم الذي لا يزال اسمه محفورا في ذاكرة التونسيين.

نجح بن بريك في نقل وقائع من المشهد التونسي الاجتماعي السائد آنذاك بطريقة جريئة لا مثيل لها، ولأن حكايته لم يكن الهدف منها فقط إبراز هذه الصور فإنه تطرق من خلالها أيضًا إلى نمط عيش التونسيين الخاص بهم في الأرياف والقرى وغيرها، كما توضح الرواية انتصار المهمشين على أصحاب الجاه والنفوذ رغم مآسيهم عبر رفض أحد شخصيات الرواية تزويج ابنته لشخص ينحدر من أعيان البلاد وأثريائها. ويستمد الرجل رفضه، وهو الشيخ هراس، من جسده القوي وهي صورة لا يمكن أن تكون إلا إسقاطا على واقع اجتماعي وحقوقي ينبئ بالأسوأ في خضم تراجع الحريات الفردية وحتى العامة وفي ظل صعود تيارات سياسية دينية تهدد أجساد الناس وتدفع نحو تفتيشها غير آبهة لا بحرمتها ولا بتداعيات ذلك على استقرار البلد وقاطرة الحرية فيه.

لديكم السجون ولديّ القلم

أسلوبه المثير في التعليق على الأحداث جعله محل ملاحقة من قبل نظام بن علي، واليوم يجد نفسه حديث الصحافة التونسية للسبب ذاته
أسلوبه المثير في التعليق على الأحداث جعله محل ملاحقة من قبل نظام بن علي، واليوم يجد نفسه حديث الصحافة التونسية للسبب ذاته

عندما نتصفح كتاب التاريخ في تونس فإنه حتما سيخبرنا بأسماء قارعت الدكتاتورية وحكم الفرد الواحد طيلة 23 سنة حكم خلالها الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وبن بريك أبرز هذه الأسماء، حيث طارده النظام السابق في العديد من المرات، وكان “الرأس المطلوب” رغم لجوئه إلى دول أوروبية وبقيت عقوبات سجنية تواجهه.

ولأنه يصعب حصر مسيرة بن بريك النضالية في سطور، فإنه من الضروري التذكير بأبرز محطات الرجل النضالية والتي كان أهمها إضرابه عن الطعام في مايو 2000 احتجاجا على الزج بشقيقه في السجن.

ردة فعل النظام آنذاك كانت تصعيدية أكثر حيث تمت مصادرة جواز سفر بن بريك إلا أن الأخير أبى إلا مغادرة البلاد نحو باريس حيث تلقى العلاج بعد الإضراب عن الطعام الذي قام به لأسابيع.

لم تتوقف مطاردات نظام بن علي لبن بريك عند ذلك الحد، حيث جرى اعتقاله في العام 2010 وهو العام الذي اندلعت فيه الانتفاضة التونسية ضد بن علي. وعند الإفراج عنه لم يتوان بن بريك عن توجيه انتقادات لاذعة للنظام مجدداً.

وقال حينها في جملة كان لكلماتها وقع الرصاص على نظام اهتز في مطلع 2011 “كأنني لم أدخل السجن أبداً. سأكتب أكثر فأكثر وأقول له (لبن علي): لديه السجون ولديّ القلم”.وبالرغم من أن التخوين والتصنيف السياسي هو الشائع في تونس في هذه المرحلة التي تتسم بالضبابية إلا أن ذلك لم يثن بن بريك عن مواصلة النهج النقدي الذي اختاره.

بعد نجاح الانتفاضة وسقوط بن علي تفرغ بن بريك مجددا لعمله الصحافي والأدبي، ولم تمنعه معارضته الشرسة لممارسات النظام السابق من توجيه انتقادات لاذعة ومحاولة لفت النظر إلى مواطن الخلل التي تُرافق الانتقال الديمقراطي في تونس.

دائرة الاتهامات للسلطات التونسية بالتضييق على الحريات تتسّع أكثر، بعد قرار سجن الشابة آمنة الشرقي بتهمة بث التباغض بعد أن نشرت ما أسمته بسورة "كوفيد – 19" في إشارة إلى وباء كورونا

وبأسلوب نقدي ساخر ذاع صيته قبل الانتفاضة، واصل بن بريك جذب الجمهور دون أن يستنجد لا بالعاطفة ولا بالدين من أجل تحقيق نجاحاته.

ويبدو أن هذه الأساليب بدأت تخنق المنظومة الحالية في تونس والتي تستشعر في كل مرة خطر انهيارها للانتقادات التي تتعرض لها حيث امتد الفشل من الحكومات إلى الهيئات والمنظمات وغيرها وهو ما يرجّح أن يكون من أسباب اعتقال بن بريك.

في أثناء ذلك تواصل منظمات وطنية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في الدفاع عن التعددية ومنظومة الحريات، لتسعى بذلك جاهدة إلى تحصين هذه المنظومة، لكن ذلك ليس بالأمر السهل في وجود تقاطع للمصالح ومناخ متوتر سياسيا واجتماعيا أصلاً، لذلك تتعالى النداءات للتصدي لأيّ محاولة للعودة إلى الوراء كسجن بن بريك.

13