توقعات باشتداد التظاهرات بعد تشكيل الحكومة الجديدة في العراق

تصاعد الوضع في المدن العراقية مرهون بوجود وجوه شابة تقود الاحتجاجات.
الأحد 2018/08/19
غضب الشارع

تراجعت وتيرة التظاهرات التي عبّر من خلالها العراقيون عن مدى سخطهم وغضبهم على سياسات السلطة. لكنّ المتابعين للشأن العراقي والخبراء يتوقعون أن تشهد الاحتجاجات تصعيدا جديدا مع الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة، خاصة إذا ما تضمنت وجوها متهمة بالفساد وبعدم قدرتها على تسيير شؤون البلاد وتجنيبها الأزمات المتواترة.

خفتت التظاهرات في المدن العراقية الجنوبية والوسطى، بعد أن انطلقت بنحو قوي، أجبر الحكومة على بذل الوعود والتعهدات بتلبية المطالب التي نادى بها المتظاهرون في هذه المدن، لكن هذه التظاهرات تستمر، وإن بوقع أخف، في محافظتي البصرة والسماوة.

ويتوقع باحثون ودبلوماسيون وصحافيون ومؤرخون وأكاديميون في أحاديث لـ”العرب”، أن التظاهرات في المدن العراقية ستشهد تصاعدا غير مسبوق عند إعلان تشكيل الحكومة الجديدة من أشخاص يتهمون بالفساد وبأنهم كانوا السبب في تردي الأوضاع في البلاد ووصولها إلى الحالة التي هي عليها الآن.

وقد تشهد التظاهرات خفوتا حذرا إذا تشكلت الحكومة من وجوه جديدة، لكنها قد تتحول إلى أعمال انتقامية عشائرية وأعمال عنف واغتيالات للذين أسهموا في قتل المتظاهرين إذا تم تشكيلها من الوجوه نفسها المتهمة بالفساد.

ويشير المتحدثون إلى أن الظرف القاهر، الذي يمنع المحافظات السنية من التظاهر، مبعثه خضوعها لاحتلال مباشر من قوات الحشد الشعبي وميليشيات الأحزاب الطائفية الأخرى، التي يقودها ويوجّهها عسكريون إيرانيون وعملاء عراقيون تساندهم قوات الجيش والشرطة المركزية.

ويتوقع الكاتب العراقي محسن جواد أن تخرج التظاهرات مرة أخرى إلى شوارع العراق بنحو أقوى في حال تشكلت الحكومة من السياسيين الذين حكموا العراق خلال الـ15 عاما الماضية ويعتبرون السبب في تردي الوضع الاقتصادي وانتشار الفساد.

ويرجع جواد استمرار التظاهرات في محافظتي البصرة والسماوة الجنوبيتين إلى استمرار معاناة أهالي البصرة من مشكلات وأزمات خانقة لم تحل، خصوصا الماء والكهرباء، مع شعورهم بأن محافظتهم تعطي للدخل القومي العراقي أكثر مما تحصل عليه.

ويلاحظ عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العربي ماجد مكي الجميل أن السخط في العراق واحد ولا اختلاف في درجة الغضب بين محافظة وأخرى، منوها إلى أن الأحداث أثبتت أن الاحتجاجات عامة، ومطالبها عادلة ولا يمكن دحضها أو التهرب منها.

ويشير إلى التفاوت بين المحافظات العراقية في نوعية الحراك ودرجة نشاطه، لافتا إلى أن هذا التفاوت يتعلق بالأساس بمدى قدرة الجمهور الغاضب وكفاءته على تنظيم نفسه وترتيب اتصالاته مع الناس وتشكيل اللجان لتنسيق التجمعات والاحتجاجات وإعدادها.

ويوضح الجميل أن ضعف التظاهرات في هذه المحافظة أو تلك لا يعني ضعفا في درجة السخط، مستدلا على ذلك بأن عدم ظهور احتجاجات في المحافظات الغربية والشمالية، وتلك الواقعة في شمال غرب وشمال شرق بغداد لا يعني البتة أن هذه المحافظات راضية عن السلطة الحاكمة، وهي نفسها التي بدأت بالاحتجاجات الواسعة عامي 2012 و2013، وهي ذاتها التي قادت المقاومة ضد الاحتلالين الأميركي والإيراني منذ اليوم الأول لاحتلال العراق في 9 أبريل 2003.

ضعف التظاهرات في البعض من المحافظات لا يعني ضعفا في درجة السخط أو أنها راضية عن السلطة الحاكمة، فمحافظات غرب وشمال البلاد نفذت احتجاجات واسعة

ويشرح أن الظرف القاهر، الذي تمر به تلك المحافظات، سببه خضوعها لاحتلال مباشر من قوات الحشد الشعبي وميليشيات الأحزاب الطائفية الأخرى التي يقودها ويوجهها عسكريون إيرانيون وعملاء عراقيون تقدم لهم قوات الجيش والشرطة المركزية الدعم، مؤكدا أن هناك تفويضا على بياض لهذه الميليشيات للعمل بحرية في هذه المحافظات بذريعة محاربة الإرهاب، لكن عدم ظهور احتجاجات لا يعني رضاها.

ويتوقع الأكاديمي والباحث الدكتور مؤيد الونداوي أن تعم التظاهرات المدن العراقية كافة في الأشهر المقبلة بقيادة شباب عراقي أيقن أن لا مستقبل مضمونا له في ظل أوضاع صعبة صنعها فاسدون يتحكمون بمصير البلاد، مبينا أن فئة الشباب في المدن هم قادة الحراك وأن اتساع عدد الجامعات خلق شبابا واعيا وحراكا واسعا ليس من السهل إيقافه، بعد سنوات طويلة من الفشل والخراب.

ويبدي سفير العراق الأسبق في الأردن الدكتور صباح ياسين اعتقاده بأن تصاعد وتيرة السخط والغضب في المدن الجنوبية، وخصوصا البصرة والسماوة، سببه أنها الأكثر تضررا اقتصاديا واجتماعيا من غيرها. ويقول إن ضمانة تصاعد التظاهرات في المدن العراقية اعتمادها على وجود قيادة شابة تقود التظاهرات.

ومن جانبه، يقول الأديب والصحافي فيصل جاسم إن التظاهرات في الجنوب العراقي جاءت بعد الخذلان الذي عاشه أهالي هذه المحافظات ومعاناتهم من نقص الخدمات الضرورية وانعدامها أحيانا وتهالك البنى التحتية، بالإضافة إلى وجود الآلاف من العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات والمعاهد، الذين يمنون أنفسهم بالتعيينات في دوائر الدولة، إلى جانب الخراب الوظيفي الذي أفرزته المحاصصة الطائفية والحزبية، حيث طفح الكيل بالمتظاهرين، كما أن الوعود التي أطلقتها الحكومة لم تجد لها صدى ملموسا لدى هذه الأوساط.

ويعلل استمرار التظاهرات في محافظة وخفوتها في أخرى بالقوة المفرطة التي جوبه بها المتظاهرون من القوات الحكومية والميليشيات المنفلتة.

ويرى الطبيب والناشط سيف الدين الآلوسي أن التظاهرات، التي انطلقت في جنوب العراق ووسطه، مثلت رد فعل مبطنا ضد التدخل الإيراني في تفاصيل الحياة العراقية، فضلا عما عانته هذه المحافظات من الأحزاب الطائفية الحاكمة ومن الظلم الذي وقع عليها.

ويلاحظ أن هذه التظاهرات شهدت خفوتا واضحا في الآونة الأخيرة بسبب العنف الحكومي والميليشياوي، الذي واجهها، كما أن معظم الاحتجاجات، خصوصا في النجف وكربلاء والكوت وغيرها، لم تتوفر لها قيادة وتنظيمات واضحة الملامح مع غياب كامل للقوميين والعروبيين، والطبقة الوسطى، التي هي إما مهاجرة وإما “خرساء كالعادة”.

ويصف الآلوسي التظاهرات في بغداد، التي ينظمها اليسار العراقي والحزب الشيوعي، بأنها “تظاهرات صالونات”.

ولا تتوقع الأكاديمية العراقية المقيمة في الإمارات العربية المتحدة سعاد العزاوي أن تتظاهر المحافظات غير الجنوبية في الوقت الحاضر، بسبب سهولة اتهامها بأنها تظاهرات إرهابية أو بعثية، وإشهار المادة الرابعة من قانون الإرهاب في وجهها، “وهي المادة المصممة لمعاقبة أبناء السنة في العراق”.

وتقول إن التظاهرات في المحافظات الجنوبية خفتت قليلا بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة، فإذا تغيرت الوجوه فيها فستظل خافتة لحين وضوح الصورة، أما إذا تشكلت من الوجوه المتهمة بالفساد فستكون مبعثا لانطلاق أعمال انتقامية عشائرية وأعمال عنف واغتيالات للذين تسببوا في قتل المتظاهرين.

ويدعو المؤرخ والسياسي حسن الزيدي، المقيم في فرنسا، إلى قيام جبهة وطنية عربية وكردية وتركمانية تضم القوى التي تؤمن بدولة مدنية ديمقراطية تقوم على مبادئ حسن الجوار واحترام قوانين الأمم المتحدة، لكي تقود هذه التظاهرات إلى أهدافها المنشودة.

3