توقفوا عن كتابة الروايات

الرواية جنس أدبي هيمن بشكل تام على الأجناس الكتابية الأخرى، وصهرها في مداه المفتوح على كل إمكانات كتابية كبرى، ولا تزال تتسع إلى اليوم، لكن ربما للكتاب والقراء العرب أن يتساءلوا اليوم، باعتبار الرواية جنسا متجددا له حياته، هل ستنتهي الرواية وتأكل نفسها كظاهرة توسعت إلى حدّ تفجير حدودها الجنسيّة؟ “العرب” التقت الروائية التونسية آمنة الرميلي وكان لنا معها هذا الحوار حول واقع الرواية التونسية والعربية.
الثلاثاء 2015/05/12
أجمل ما في الكتابة أن الخالق لا يتعسف على مخلوقاته ولا يحدد مصيرها سلفا

آمنة الرميلي الوسلاتي كاتبة تونسية وأستاذة جامعية بكلّية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، مثال للمرأة الواعية والمثقفة، شخصياتها الروائية ترفض الانهزامية، تكتب لأنها تحب أن تكتب، وتقول: “لأنّ الكتابة تأتيني فأكتب، أكتب لأكتب، أكتب لأمحو، لأبني، لأهدم، أكتب لأذهب إلى الآخرين، أو ليأتوا إليّ، أكتب لأنّه عليّ أن أكتب… ما الدّنيا بلا كتابة؟”.

صدر للكاتبة عدد من الروايات والمجموعات القصصية منها “جمر.. وماء”، و”الباقي..”، “صخر المرايا” و”سيدة العلب” وغيرها، وقد حازت الرميلي على جائزة “الكريديف”، 2014 وجائزة الكومار الذّهبي 2014 (جائزة لجنة القراءة) بتونس.

طقوسي ليست ثابتة

في كتابها “الثور…ة شطيح ونطيح”، عن هذا التناقض في العنوان، تقول الروائية آمنة الرميلي: هذا العنوان يختزل ما عشته بالكتابة وفيها طيلة ثلاث سنوات بعد الثورة، ثورة 14 جانفي المجيدة، وأصرّ على أنّها ثورة مجيدة عظيمة، رغم تشكيك المشكّكين وإفساد الفاسدين.

وهبتنا الثورة التونسية لحظات من الزّخم التاريخي المذهل، كنّا لا نكاد نقدر على أخذ النفس بين حدث وآخر، نار البوعزيزي، ثورة الشعب، الانتخابات، وصول الإسلاميين إلى الحكم، المجلس التّأسيسي، كتابة الدّستور، ظهور الإرهاب، الاغتيالات السياسية المزلزلة…
وسط كلّ ذلك كنت أكتب، أكتب بأشكال وأجناس متعدّدة، المقال الفكري، المقال الصحفي، القصّة، الخاطرة، كتبت بلا توقّف، كلّ حدث كان يترك فيّ أثرا، وكنت أترك أثرا في اللغة، جمعت كلّ تلك الأجناس والنصوص في كتاب واحد وسمته بـ”الثور…ة شطيح ونطيح”، نشرته دار آفاق التونسية (2014)، وقد قلت في مقدّمته “من داخل هذه الحركة العارمة كنت أكتب، بالرّمز حينا وبـ”الفلاّقي” أحيانا، كنت أرقص وألكم، أطير وأصطدم، أمكر وأصدق، أتخيّل وأحلّل، أشطح وأنطح…

لكل كاتب عاداته الخاصة أثناء الكتابة، حول ذلك تعلق آمنة الرميلي: الكتابة لحظة من التحرّر، التحرّر من لغة اليومي والعلمي والاجتماعي، هي لغة أخرى، كلام في الكلام، والطقوس أشياء ثابتة وصيغ في الوجود تتكرّر، لذلك يصعب الربط في نظري بين الطقوس والكتابة. أنا أكتب حينما تدقّ الكتابة على أبواب الذّهن، شيء ما يتدفق في الدّاخل ويطلب الخروج، وقد تفاجئني حيث لا أنتظر ولا أتوقّع، وما عليّ حينها إلّا أن أستجيب أو أؤجّل.

الرّواية ليست جنسا ثابتا وإنّما هي شكل سرديّ مفتوح على باقي الأشكال وبإمكانها مزيد المقاومة ومزيد البقاء على قمّة الأجناس التعبيرية الأخرى

رواية “الباقي..” يعيش أبطالها صراعات عدة بين الحب والكره والخيانة، صراعات بين الماضي والحاضر، توضح الروائية: “الباقي..” هي روايتي الثانية، وهي من منشورات دار الجنوب التي يديرها الأستاذ الناقد توفيق بكّار، توّجت “الباقي..” بجائزتين، جائزة الكريديف وجائزة الكومار للجنة القراءة (2014)، وهي رواية قائمة على تعدّد الأصوات السردية، إذ تتناوب السرد ثلاث شخصيات رئيسية، تتفرّق بقدر ما تجتمع، فقد يجمعهم الوجداني ويفرّق بينهم الأيديولوجي. لم تكن رواية في فشل الحزب الحاكم وخياناته فحسب، وإنّما في فشل اليسار وخياناته أيضا.

الكتابة فعل غيري

عن انشغالها بالقارئ لحظة الكتابة تعلّق الرميلي قائلة: كلّ نصّ يتوجّه بالضرورة إلى قارئ، وكلّ كاتب ينطوي في وعيه وحتى في لاوعيه على متلقّ ما، إليه يتوجّه بخطة الخطاب ومعه يتفاعل فنّيا وفكريّا. قد يكون التفاعل المرصود بين الكاتب وقارئه متعدّدا ومتنوّعا بتعدّد القرّاء وتنوّعهم، ولكنّه قائم لا محالة في خطة الخطاب واستراتيجيّته، وقد تكون خطّة الكاتب الإثارة أو الاستفزاز أو السّخرية من قناعات القارئ الضّمنية أو محاولة مفاجأته أو قلب طمأنينته، وهي في جميع الحالات تؤكّد حضور المتلقّي داخل الكاتب وداخل الكتابة.

الكتابة فعل غيريّ لا مجال فيه للأنويّة المطلقة حتى وإن ادّعى الكاتب أحيانا أنّه يكتب لنفسه.

في مجموعتها القصصية “سيدة العلب” هناك عدد كبير من الأسئلة وشخصيات لا تتوقف عن أسئلتها، هناك شخصيات انهزامية ولكنها مقاومة للواقع. فهل حاولت آمنة الرميلي مرّة أثناء الكتابة تغيير مصير شخصياتها؟ تردّ ضيفتنا: “سيّدة العلب” من مجموعاتي القصصية التي حظيت بالقبول لدى القرّاء، فقد حصلت على جائزة نادي القصّة “أبو القاسم الشابي” سنة 2006. وأقرّ أنّني أعتبر أن القصة هي الجنس السردي الأقرب إلى نفسي، تبنى فيها الشخصيات والأحداث بتكثيف عال لا يتوفّر في الرواية.

الرميلي: الكتابة فعل غيري

والمجموعة تفاعل مع وجوه وأحداث متعدّدة، فيها الانتصاريّ وفيها الانهزاميّ، شخصيات تقاوم الزّمن، وتقاوم الرّداءة، وتقاوم المؤسّسي، وتحاول أن تتحرّر وأن تكون ذاتها، قد تنجح أحيانا وقد تفشل في أخرى، بحسب منطق الأحداث وسيرورة البنية السردية وصيرورتها، وغالبا لا أتعسّف على شخصياتي، أمدّ إليها حبل السرد، فتتصرّف فيه كما تشاء، وكم من شخصية نويت أن تكون نهايتها بشكل فانتهت بآخر… كثير من شخصياتي تفاجئني بما تؤول إليه في خطّ الحكاية، ولا أملك إلّا أن أفرح لها مهما يكن نوع المصير الذي رسمته لنفسها. أجمل ما في الكتابة أنّ الخالق لا يتعسّف على مخلوقاته ولا يحدّد مصيرها سلفا.

يقول الكاتب ديفيد شيلدس في كتابه “جوع الواقع” ، والذي خصصه للقول بموت الرواية: الرواية كنوع أدبي تحتضر، الشخصية الروائية تحتضر، الحبكة الروائية تحتضر، ولا حياة اليوم إلا للكاتب الذي يكفّ عن التخييل والتأليف، تعلق الرميلي: “ديفيد شيلدس” من الكتّاب الذين يضعون الأجناس السّردية على محكّ التاريخ، ويعتبر أنّ الجنس الأدبي يولد ويعيش ويموت ككلّ الكائنات الحيّة، وهذا معروف عند منظّري الأجناس الأدبية سابقا ولاحقا.

وإشارته إلى موت الرّواية تتنزّل في دعوته إلى تجديد الصيغ التعبيرية الأدبية، و”شيلدس” يقود موجة التجديد الأدبي في أميركا حيث بدأت الحدود بين الأجناس تتآكل وتمّحي وتتداخل.

الرّهان اليوم لم يعد الوفاء لحدود الجنس رواية أو قصّة أو خاطرة أو قصيدة أو مقالا، وإنّما في التحرّر من تلك الحدود وصهرها والتقاطع بينها.

والرّواية ليست جنسا ثابتا وإنّما هي شكل سرديّ مفتوح على باقي الأشكال وبإمكانها مزيد المقاومة ومزيد البقاء على قمّة الأجناس التعبيرية الأخرى.

أنا لا أومن بالدّوام، وعلى الكاتب أن يغيّر أدواته ويطوّرها إن كان مقتنعا بذلك. ولكنّه سيكون من المضحك أن نتوقّف عن كتابة الرواية لأنّ كاتبا أميركيّا قد قال: توقّفوا عن كتابة الروايات.

15