توقف تسونامي الرواية السعودية ظاهرة صحية

علي الأمير: الرواية حرّرتني من أغلال الشعر.
الخميس 2021/07/29
الزمن تجاوز مرحلة الأندية الأدبية

باتت الرواية وجهة الأقلام الأولى في الساحة الأدبية العربية، إذ تحرّر الكتاب من ضيق الأجناس الأدبية الأخرى واشتراطاتها ليجدوا أنفسهم في عالم أرحب وأكثر حرية. لكن هذه الحرية ليست سهلة كما يتوقع البعض بل تتطلب تجربة كبيرة للتمكن من خوضها. “العرب” كان لها في هذا الإطار حوار مع الشاعر والروائي السعودي علي الأمير. 

يربط الشاعر والروائي السعودي علي الأمير مرحلة كتابته للرواية بعد رحلة حافلة بالشعر والقصة القصيرة بالخبرة التي اكتسبها في حياته، ويقول لـ”العرب”، إن الرواية منحته الحرية والمساحات المفتوحة وحرّرته مما يصفها بأغلال القصيدة التي تكبل الشاعر بالوزن والقافية.

وعن بداياته كشاعر والتحولات التي رافقت مسيرته الأدبية والتي تكلّلت بإصدار ثلاث روايات حتى الآن، يقول “صحيح عُرفتُ شاعرا، لكنني كنت أكتب القصة القصيرة منذ البدايات، وفي عام 1988 فزت بجائزة المركز الأول على مستوى المملكة في القصة القصيرة، في مسابقة نظمتها الرئاسة العامة لرعاية الشباب، قبل أن تفوز مجموعتي الشعرية الأولى بالمركز الأول مكرر على مستوى المملكة، في المسابقة التي نظمها نادي جازان الأدبي عام 1992”.

ويضيف “أمّا الرواية فلم أكتبها إلا بعد أن راكمت من التجارب الحياتية والوعي ما يؤهلني لكتابتها. لأنّ كتابة الرواية – في نظري – مشروع ضخم، ليس بالعمل اليسير أن تخلق عالما موازيا للواقع أو متخيّلا كليّا، تبنيه على الورق لبنة لبنة، ثم تنفث فيه من روحك لتدبّ فيه الحياة”. 

عسل الرواية

يرى الأمير أنه وجد نفسه أكثر في كتابة الرواية، وعن أسباب هذه العلاقة التي نشأت بينه وبين هذا الفن السردي، يضيف “الرواية تتيح لي حريّة الحركة عبر مساحاتها الشاسعة ومداها المفتوح، قياسا بأغلال القصيدة التي تكبّل الشاعر، سواء بالوزن والقافية أو بمنطق القصيدة المكتفي بالإلماح دون الإفصاح. الكثير من الشعراء أداروا ظهورهم للشعر، بعد أن ذاقوا عسل الحرية التي منحتها لهم الرواية، لكن بالنسبة إليّ يكفيني أنني ما زلت محتفظا بقلب الشاعر”.

وأصدر علي الأمير رواية بعنوان “قاع اليهود” وكتابا بعنوان “صنعاء تأويل الغيم”، وعن ظروف وخلفيات إصداره لكتابين تدور أحداثهما في اليمن يقول “إذا أردتَ إجابة مختصرة فسأقول لك لأني عملت معلما موفدا في صنعاء لأربع سنوات، وبعد عودتي كتبت ما كتبته عن اليمن. وعلى حدّ قول بعض أصدقائي خرج علي الأمير من اليمن، لكن اليمن لم يخرج من علي الأمير”.

ويضيف “أما إذا أردت إجابة أكثر تفصيلا، فسأجيبك أنّ الداخل اليمني، أرضا وإنسانا، كان بالنسبة إليّ كمواطن سعودي، بمثابة اكتشافٍ مدهشٍ لمنجمٍ من الأسرار. وشاءت الأقدار في 2008، لأجد نفسي موفدا للتعليم في اليمن، وأعيش فيه وأصبح جزءا من الحكاية كلها؛ مع تلاميذي اليمنيين في المدرسة، مع زملائي في الجامعة، مع أصدقائي المثقفين، مع جيراني في المسكن. لذلك كان من الطبيعي أن أكتب عن اليمن، وقد حاولتُ ألّا أكتب اليمن المتن أو الحاشية، وإنما الحكايات المخبّأة خلف المتون والحواشي، أن أكتب ما لا تقع عليه عين السائح العادي، أو الزائر العابر. وإذا لم أكن قد نجحت في ذلك فحسبي أنني حاولت، وأترك الحكم لمن يقرأ رواية ‘قاع اليهود’ وكتاب ‘صنعاء تأويل الغيم”.

الانفتاح أصبح واقعا تعيشه السعودية وحتما هذا التمشي سيتمثّله الأدب بشكل أو بآخر وسينعكس على المشهد الثقافي

وعن سبب تراجع الإصدارات الروائية السعودية خلال الأعوام الأخيرة بعد الطفرة التي عرفت بتسونامي الرواية السعودية، يقول الأمير إنّ “هذا التراجع ظاهرة صحية، ومؤشر جيد على تنامي الوعي بفن كتابة الرواية. عبدالرحمن منيف يقول من يكتب سيرته الذاتية على أنها رواية، ربّما لن يكتب أكثر من رواية واحدة. ولعلّ الكثير ممن كتبوا روايات ضمن ما أطلق عليه تسونامي الرواية، هم ممن كتبوا رواية واحدة، بعضهم كتبوا سيرهم الذاتية ثم توقفوا”.

ويضيف “هناك البعض ممن كانوا مسكونين بحكايات، ولكنهم اكتشفوا بعد كتابتهم لها أنّهم قد قالوا كل ما بداخلهم وانتهوا، أو اكتشفوا أنهم لم يستطيعوا الارتقاء بحكاياتهم لمصاف الرواية فتوقفوا. ومادام الزمن زمن الرواية، وتوشك أن تصبح ديوان العرب، فمن الطبيعي أن نشهد الكثير من التجارب، ويبقى الزمن وحده كفيلا بغربلة هؤلاء الكتّاب. خذ مثلا رواية ‘بنات الرياض’ ذائعة الصيت والتي صدرت في 2005 وترجمت إلى 40 لغة، لكاتبة كانت في سن الرابعة والعشرين عندما كتبتها، ورغم كل ما قيل أو كتب عنها، سواء لها وعليها، مضى الآن على صدورها ستة عشر عاما، ولا تزال هي الرواية الوحيدة لرجاء الصانع”.

الانفتاح الثقافي

في ردّه على سؤال لـ”العرب” حول رؤيته للانفتاح الكبير الذي تشهده السعودية وانعكاسات هذا الانفتاح على المشهد الثقافي والأدبي السعودي، يؤكد الأمير أن الإجابة عن هذا السؤال “لا تخرج عن دائرة التكهنات لأنّ الوقت لا يزال مبكرا”.

ويضيف “أجدها فرصة لأقول: إنه لا يزال في مجتمعنا من يمكن وصفهم بالمعارضين لهذا الانفتاح، لكنني على يقين من أنّ الزمن كفيل بهم، سيتجاوزهم كما تجاوز من عارضوا قبلهم تعليم المرأة أو من كانوا يقنصون ببنادقهم أطباق القنوات الفضائية من على أسطح المنازل، أين هم الآن؟ كل من كانوا يضعون عصيّهم في عجلة الحياة لإعاقتها عن التقدم، الحياة تقدّمت وهم أصبحوا جزءا من الماضي، وهؤلاء مثلهم سيكونون مجرّد عابرين، وكما يُقال: مياه كثيرة قد عبرت تحت الجسر!”.

 

النسخة القادمة من معرض الكتاب ستشهد إصدار الطبعة الثانية من رواية “قاع اليهود ”

ويشير الأمير في سياق حديثه لـ”العرب” إلى أن “غالبية المنتسبين للمشهد الثقافي والأدبي، هم الذين كانوا يحلمون بما تحقق اليوم من انفتاح على الآخر، لنكون جزءا من نهضة العالم الذي أصبح قرية واحدة، ولأنّ سؤال النهضة هو الذي حمل محمد عابد الجابري على إعادة قراءة التراث، أعدنا كسعوديين قراءة ماضينا القريب والبعيد، فأدركنا معوّقات نهضتنا كمجتمع سعودي، ثم رحنا نعمل جاهدين على حلحلة تلك المعوقات. من غير المعقول أن نتأخر عن ركب حضارة العالم، وبلادنا واحدة من كبريات الدول المؤثرة في اقتصاده”.

وعن رؤيته لشكل الانفتاح الثقافي، يسترسل بالقول “الانفتاح لا يعني الملاهي والترفيه أو قيادة المرأة للسيارة، وإنما هو الخروج من تحت عباءة الغلو والتشدّد إلى الوسطية، هو الانفتاح على العالم والقبول بأنظمته وقوانينه، ما دامت لا تتعارض مع ديننا وهوّيتنا. وبالطبع كلّما حققنا قدرا من هذا الانفتاح، وأصبح واقعا نعيشه، وحتما سيتمثّله الأدب بشكل أو بآخر، وسينعكس على مشهدنا الثقافي”.

وفي حديثه عن تجربة الأندية الأدبية في السعودية التي تعد من أبرز ملامح المشهد الثقافي السعودي منذ سنوات طويلة، يؤكد الشاعر والروائي أن “تجربة الأندية الأدبية في السعودية قديمة جدا وتعود إلى عام 1975، عندما تأسست على يد الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، الرئيس العام لرعاية الشباب آنذاك، الهيئة العامة للرياضة حاليّا، وكانت الأندية الأدبيّة تابعة لها، لكن فكرتها كانت من اقتراح الأديب الراحل عزيز ضياء. وكانت فكرة رائدة في حينها، نستطيع القول إنها في زمن مضى قد أدّت رسالتها، وتفاوتت نجاحاتها من ناد لآخر”.

ويستدرك “غير أنّ الزمن اليوم تجاوزها وتراجعت أدوارها، ولا أجد غضاضة في القول حين أشبّه وجودها اليوم بوجود المنتديات الثقافية في زمن تويتر وفيسبوك، بل أشبهها على أحسن تقدير بالصحافة الورقية في زمن الصحافة الإلكترونية والميديا وقنوات التواصل”.

ويشير الأمير إلى تراجع دور الصحافة الثقافية السعودية التي كانت تعكس تجارب الأدباء السعوديين وتطور تجاربهم الإبداعية، ويقول “لعبت الصحافة الثقافية عندنا أدوارا خلاقة وتحديدا في الثمانينات والتسعينات، لم تكن مرآة عاكسة وحسب، وإنما كانت الصانعة للمشهد الثقافي والواجهة المشرقة للحراك الأدبي، واكبت تجارب الأدباء واحتفت بها، وذهبت إلى أبعد من مجرّد نشر النصوص والتنظيرات النقدية، حين راحت تستكتب النقاد وتقديم قراءات للنصوص المنشورة فيها، وتفرد لها مساحات واسعة، ما أثرى مخيّلات الكتاب، وأسهم في تطور التجارب الإبداعية دون ريب”.

الصحافة الثقافية لم تكن مرآة عاكسة وحسب، وإنما كانت الصانعة للمشهد الثقافي والواجهة المشرقة للحراك الأدبي، واكبت تجارب الأدباء واحتفت بها، وذهبت إلى أبعد من مجرّد نشر النصوص والتنظيرات النقدية

وعن حالة الترقب التي تشهدها الساحة الثقافية العربية والسعودية لمعرض الرياض الدولي للكتاب في دورته القادمة، وتوقعاته لشكل هذا المعرض، يقول “يعرف المتابعون والمهتمون أنّ معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام 2021، قد تأجل موعده من أبريل إلى بداية شهر أكتوبر بقرار أعلنته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة، وذلك استجابة لتحذيرات الجهات الصحيّة بسبب جائحة كرونا. أتمنى أن يحين الموعد الجديد وقد تقلّصت هذه التحذيرات أو زالت أسبابها”.

ويشير علي الأمير إلى أن النسخة القادمة من معرض الكتاب ستشهد إصدار الطبعة الثانية من روايته “قاع اليهود”، التي يقول إنها ستصدر قريبا عن دار عناوين في القاهرة في “طبعة منقّحة ستتلافى الكثير من عيوب الطبعة الأولى”.

15