تولسي غابارد: لا حروب لتغيير الأنظمة بعد اليوم

غابارد تختلف كثيرا مع سياسة البيت الأبيض في العراق وليبيا وسوريا، وهي من أشد المنتقدين لرغبة الإدارة الأميركية وسعيها لإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم.
السبت 2019/08/31
تولسي غابارد مرشحة عسكرية للرئاسة الأميركية ترفع شعار "ألوها"

من أكثر قدرة على توصيف شرور الحرب ومآسيها أفضل ممن كان مقاتلا في أرض المعركة؟ ومن يعرف عن قرب ما تخلّفه الحروب من دمار وبؤس وموت مثل من خدم بزيّه العسكري في قلب عاصفة الموت؟ ومن أفضل من ذلك المحارب في الميادين ليحارب بنفس الإصرار في مجالس وكواليس السياسة؟ وماذا لو كان هذا المحارب امرأة في مقتبل العمر وبدرجة عالية من الجمال تخوض غمار الجبهتين؛ الحربية والسياسية في آن؟

‏ المرشحة تولسي غابارد هي تلك المحاربة على الجبهتين السياسية والعسكرية، وهي أول امرأة مقاتلة في الجيش الأميركي تترشح للرئاسة الأميركية وكذلك هي أول امرأة مقاتلة تفوز بمقعد في الكونغرس ممثلة لولايتها هاواي.

ولدت غابارد في العام 1981 وهي تنتسب إلى الحزب الديمقراطي وتشغل مقعد النائب عن ولايتها في الكونغرس منذ ستة أعوام، وكانت قد بدأت حياتها السياسية مبكرا جدا في بداية العشرينات من عمرها، حين انتخبت لمجلس النواب المحلي في هاواي لتصبح بذلك أصغر امرأة في تاريخ أميركا يتم انتخابها لمجلس نواب ولائي.

وهي تحمل حاليا رتبة رائد في الحرس الوطني للجيش الأميركي. وسبق أن خدمت ميدانيا في حرب العراق بعد الغزو. ولاحقا في الكويت.. وفي موقعها بالكونغرس خدمت غابارد لأكثر من ست سنوات في لجنة الشؤون الخارجية ولجنة القوات المسلحة، حيث انخرطت بشكل وثيق في قضايا الأمن القومي الحساسة.

ألوها يا أصدقاء

انتماء غابارد إلى الحزب الديمقراطي وقيمه التي تشجّع على مساعدة المهاجرين، لم يمنعها من اتخاذ موقف متطرف ضد اللاجئين العراقيين والسوريين
انتماء غابارد إلى الحزب الديمقراطي وقيمه التي تشجّع على مساعدة المهاجرين، لم يمنعها من اتخاذ موقف متطرف ضد اللاجئين العراقيين والسوريين

غابارد معارضة قوية لنهج إسقاط الأنظمة من خلال الحروب. وتختلف كثيرا مع سياسة البيت الأبيض في العراق وليبيا وسوريا، وهي من أشد المنتقدين لرغبة الإدارة الأميركية وسعيها لإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم، وكذلك تنتقد بشدة حالة الحرب الباردة الجديدة التي تهدّد الاستقرار العالمي.

تستهل غابارد خطابها للجمهور الأميركي باستعمال تعبير “ألوها”، وتعني الكلمة مرحبا باللغة الأصلية للمرشحة الرئاسية، وهي لغة مسقط رأسها ولاية هاواي، حتى أصبحت عبارة “ألوها” رمزا لها، وارتبطت ارتباطا وثيقا بحملتها الانتخابية.

وتستخدم غابارد مصطلح ألوها للتعبير عن إيمانها بأهمية التعددية العرقية في الولايات المتحدة. فمنذ نشأتها الأولى في هاواي تعرّفت في محيطها على الأماكن الأكثر والأغنى بتنوعها العرقي والثقافي والديني، صحيح أن تعبير “ألوها” هو تعبير بسيط، لكنه يتمتع بفرادة عالية في قدرته على توحيد أطياف من الناس مهما اختلفت مشاربهم وأصولهم. فالكلمة بالنسبة إلى أهل هاواي تعني ما هو أبعد من مرحبا أو وداعا، إنها وسيلة للحياة.

 تقول غابارد لجمهورها في إحدى المناسبات الانتخابية “لقد جئت إليكم بقلب مفتوح، مع الحب والاحترام والاعتراف بأننا جميعا إخوة وأخوات، وأن الحياة كلها مترابطة”. وتتابع مستشهدة بأقوال الرائد الثقافي الشهير في هاواي، آنتي بيلاهي باكي، “سيتحول العالم كله إلى هاواي لأن هاواي تبحث عن السلام، ولأن هاواي لديها مفتاح السلام.. وهذا هو: ألوها”.

تفتتح غابارد موقعها الإلكتروني الخاص بحملتها الانتخابية بخطاب قصير توجهه لجمهورها، وللناخب الأميركي بشكل عام، وتوقعه باسمها لتقول “ألوها يا أصدقاء، لقد خذلنا قادتنا يا أصدقائي، فقد هدروا تريليونات من الدولارات، وأرواحا لا حصر لها في سبيل تغيير الأنظمة من خلال الحروب، ومن خلال الحرب الباردة الجديدة، وهو ما جعلنا أقرب إلى حالة الدمار النووي. كرئيس، سأنهي هذا الجنون. سوف أخدم احتياجاتكم من خلال الاستثمار في الرعاية الصحية الجيدة، والاقتصاد الأخضر الصديق للبيئة، والتعليم المتوفر للجميع”.

مواقف غابارد تتناقض مع موقف الحكومة الأميركية في إدانة الأسد، لا بل إنها ندّدت مرارا وتكرارا بتقارير تفيد بأن الأسد استخدم أسلحة كيميائية، وانتقدت الضربات الجوية الأميركية على سوريا باعتبارها "قصيرة النظر" و"غير قانونية"، حسب تعبيرها

عائلة غابارد هي من زرعت في نفسها الإيمان بالخدمة العامة الطوعية، ولطالما كان والداها يجندانها وإخوتها في “أيام الخدمة” في هاواي للعمل الطوعي، حيث كانوا ينظفون الشواطئ من القمامة، أو يعدّون الطعام للعائلات الفقيرة وللمشردين. في البداية كانت غابارد تستاء من الاضطرار إلى ترك لوح ركوب الأمواج جانبا والذهاب للعمل في تنظيف الشواطئ أو في مطبخ إعداد الطعام للمحتاجين، لكنها اكتشفت في وقت مبكر أنها كانت أكثر سعادة عندما كانت تضع احتياجات الآخرين في مقدمة اهتماماتها وواجباتها الاجتماعية، وقبل اهتماماتها الشخصية.

 تلك التجارب هي التي دفعتها إلى الوصول إلى قناعة كاملة بأنه عليها أن توظّف خبرتها لتشق طريقا لها في الخدمة العامة من أجل تحقيق حياة كريمة وآمنة في مجتمعها والعالم وهي في العشرينات من العمر. وقد شعرت تولسي بالقلق إزاء التلوث الذي رأته على شواطئ هاواي والمحيطات، لذلك شاركت في تأسيس تحالف هاواي الصحي، وطورت برنامجا للمدارس الابتدائية يهتمّ بتعليم الأطفال أهمية حماية الأرض وموارد المياه الثمينة.

 إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر للعام 2001 التحقت بالحرس الوطني للجيش رغبة منها في خدمة ولايتها في وقت الحاجة، وخدمة بلدها، ومطاردة الإرهابيين الذين هاجموا واشنطن ونيويورك في ذلك اليوم.

غابارد والدكتاتوريات

المرشحة الرئاسية تحارب على جبهتين سياسية وعسكرية
المرشحة الرئاسية تحارب على جبهتين سياسية وعسكرية

في مقابلة أجرتها “فايس نيوز” مع المرشحة الرئاسية غابارد، سُئلت عن طبيعة علاقتها بالرئيس السوري وهل ما زالت تعتمد موقع الدفاع عنه؟ التزمت المرشحة الرئاسية بالدفاع عن الأسد مجددا، قائلة إنها لم تكن مقتنعة أنه استخدم أسلحة كيميائية على الإطلاق. فما هي خلفية هذه القناعة، وكيف وصلت إليها غابارد عن الدكتاتور المعروف بحربه الشعواء على شعبه التي دامت ثماني سنوات، قتل فيها مئات الألوف من المدنين.

في العام 2017، سافرت غابارد إلى سوريا للقاء الأسد، في حين أن حكومتها كانت تدينه لشن هجمات بأسلحة كيميائية وحشية ضد شعبه. وكانت غابارد قد اتخذت قبل

سفرها إلى دمشق مواقف تتناقض مع موقف الحكومة الأميركية في إدانة الأسد، لا بل ندّدت مرارا وتكرارا بتقارير تفيد بأن الأسد استخدم أسلحة كيميائية، وانتقدت الضربات الجوية الأميركية على سوريا باعتبارها “قصيرة النظر” و”غير قانونية”، حسب تعبيرها.

كان موقفها جليا، ولم تتراجع عنه رغم علمها بالتقارير الأممية التي تناقلتها وسائل الإعلام في العام 2018 والتي أحصت مقتل 522 ألف شخص في الحرب السورية التي استمرت 8 سنوات

ونصف السنة. والغالبية العظمى من الضحايا كانوا من المدنيين الذين قتلوا على أيدي قوات الأسد أو على أيدي حلفائه.

وعندما سألتها الصحافية مجددا عن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية، حاولت غابارد أن تلتفّ على السؤال وأجابت “كان هناك الكثير من هجمات الأسلحة الكيميائية المختلفة. أعتقد أنها ارتكبت من قبل الحكومات، وكذلك من قبل الجماعات الإرهابية، والجهات الفاعلة في الحرب السورية”. وتابعت “إنها حرب تغيير النظام التي كانت تشن تحت غطاء ذرائع زائفة! سمعنا عن مثل تلك الذرائع من حكومتنا قبل حرب العراق أيضا. سمعنا ذلك من المسؤولين الأميركيين، سمعنا ذلك من وزير خارجيتنا، سمعنا ذلك من الأمم المتحدة”.

وعلى الرغم من كون غابارد عضوا في لجنة الأمن الداخلي ولجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، إلا أنها لا تصدق المعلومات الاستخباراتية التي تلقتها هذه اللجان وتصفها بـ”الادعاءات الزائفة”.

اللجوء واللاجئون

غابارد تختلف كثيرا مع سياسة البيت الأبيض في العراق وليبيا وسوريا، وهي من أشد المنتقدين لرغبة الإدارة الأميركية وسعيها لإزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من الحكم
غابارد أول امرأة مقاتلة في الجيش الأميركي تترشح للرئاسة الأميركية وكذلك هي أول امرأة مقاتلة تفوز بمقعد في الكونغرس ممثلة لولايتها هاواي.

كان من المعتقد، ونظرا لانتماء غابارد إلى الحزب الديمقراطي وإلى قيمه التي تشجّع على مساعدة المهاجرين واللاجئين القادمين من مناطق الحروب والصراعات فارين بأرواحهم إلى الولايات المتحدة، وتعمل على منحهم تسهيلات للإقامة والاستقرار في بلد اللجوء، إلا أننا قد نصدم بموقفها من اللاجئين العراقيين والسوريين، والذي عبّرت عنه رسميا بالانحياز والتصويت لصالح قرار جمهوري في الكونغرس لا يخدم مصالح اللاجئين أبدا، رغم أنها تصرح أن هؤلاء اللاجئين وصلوا إلى أميركا هربا من حروب أشعلتها الولايات المتحدة في بلدانهم لتغيير الأنظمة فيها.

وعلى الرغم من ادعائها بأن رحلتها إلى سوريا كانت لفهم حجم معاناة الشعب السوري عن قرب، ومساعدته على استعادة حياة كريمة وحرة، يبدو أن هذه الرحلة لم تكن كافية لإقناعها بالتصويت ضد مشروع قانون يقيّد بشدة عدد اللاجئين السوريين والعراقيين في الولايات المتحدة. فقد كانت غابارد واحدة من قلة من الديمقراطيين ممن دعموا مشروع قانون الحزب الجمهوري الذي جعل الأمر أكثر صعوبة، إن لم يكن قريبا من المستحيل، بالنسبة إلى اللاجئين للحصول على وضع مستقر في الولايات المتحدة. فوضع اللاجئين الذي كان، حتى قبل إقرار مشروع القانون، يخضع بالفعل لأعقد وأصعب عمليات “البحث عن خلفية وتاريخ اللاجئ”، وهو ما يدعى باللغة الإنكليزية “فيتينغ”.

وحتى عندما أبدت تعاطفا مع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط، فقد ظهر ذلك بشكل غريب، ويمكن أن يوصف بأنه مورس بطريقة تمييزية؛ فقد صوتت غابارد لصالح مشروع قانون مدعوم من الحزب الجمهوري يهدف إلى منح اللاجئين غير المسلمين “مرورا سريعا” للوصول إلى وضع مستقر، ما زاد من دهشة المراقبين لمواقف غابارد بالنظر إلى ما يشي به القانون من تمييز ديني ضد المسلمين.

امرأة في البيت الأبيض

عُرفت غابارد في الأوساط السياسية بتأرجحها بين سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي رغم أنها تنتمي تنظيميا وسياسيا إلى حزب الديمقراطيين، وهي من أبرز المرشحين باسمه لتقف أمام المنافس الجمهوري دونالد ترامب في المعركة الرئاسية 2020 التي لن تكون هيّنة على الإطلاق.

 والسؤال الذي تتداوله الأوساط الواشنطنية الآن ما هي إمكانية فوز غابارد بترشيح حزبها الديمقراطي لخوض السباق الرئاسي القادم نظرا لتقلباتها الطقسية في الحزب؟ وهل يعتقد الديمقراطيون بخاصة، والأميركيون بشكل عام، أنه آن الأوان أن تصل امرأة إلى سدة الحكم في أميركا، أم أن خذلانهم لهيلاري كلينتون في العام 2016 سيتكرر مع غابارد إذا ما كسبت ترشيح حزبها للمعركة.

12